القسم الرابع : أن يحب لله وفي الله لا لينال منه علما أو عملا ، أو يتوسل به إلى أمر وراء ذاته ، وهذا أعلى الدرجات وهو أدقها وأغمضها ، وهذا القسم أيضا ممكن ، فإن من آثار غلبة الحب أن يتعدى من المحبوب إلى كل من يتعلق بالمحبوب ويناسبه ولو من بعد فمن أحب إنسانا حبا شديدا أحب محب ذلك الإنسان وأحب محبوبه ، وأحب من يخدم من يخدمه ، وأحب من ، يثني عليه محبوبه وأحب من يتسارع إلى رضا محبوبه حتى قال بقية بن الوليد إن المؤمن إذا أحب المؤمن أحب كلبه وهو كما قال ويشهد له التجربة في أحوال العشاق ويدل عليه أشعار الشعراء ولذلك يحفظ ثوب المحبوب ويخفيه تذكرة من جهته ويحب منزله ومحلته وجيرانه حتى قال مجنون بني عامر .
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا
وحب الله تعالى تارة يكون لصدق الرجاء في مواعيده ، وما يتوقع في الآخرة من نعيمه ، وتارة لما سلف من أياديه وصنوف نعمته وتارة لذاته لا لأمر آخر ، وهو أدق ضرب المحبة ، وأعلاها ، وسيأتي تحقيقها في كتاب المحبة من ربع المنجيات إن شاء الله تعالى ، وكيفما اتفق حب الله ؛ فإذا قوي تعدى إلى كل متعلق به ضربا من التعلق حتى يتعدى إلى ما هو في نفسه مؤلم مكروه ، ولكن فرط الحب يضعف الإحساس بالألم والفرح بفعل المحبوب وقصده إياه بالإيلام يغمر إدراك الألم وذلك كالفرح بضربة من المحبوب أو قرصة فيها نوع معاتبة ، فإن قوة المحبة تثير فرحا يغمر إدراك الألم فيه .


