الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

القسم الرابع : أن يحب لله وفي الله لا لينال منه علما أو عملا ، أو يتوسل به إلى أمر وراء ذاته  ، وهذا أعلى الدرجات وهو أدقها وأغمضها ، وهذا القسم أيضا ممكن ، فإن من آثار غلبة الحب أن يتعدى من المحبوب إلى كل من يتعلق بالمحبوب ويناسبه ولو من بعد فمن أحب إنسانا حبا شديدا أحب محب ذلك الإنسان وأحب محبوبه ، وأحب من يخدم من يخدمه ، وأحب من ، يثني عليه محبوبه وأحب من يتسارع إلى رضا محبوبه حتى قال بقية بن الوليد إن المؤمن إذا أحب المؤمن أحب كلبه وهو كما قال ويشهد له التجربة في أحوال العشاق ويدل عليه أشعار الشعراء ولذلك يحفظ ثوب المحبوب ويخفيه تذكرة من جهته ويحب منزله ومحلته وجيرانه حتى قال مجنون بني عامر .


أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا     وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا

فإذن المشاهدة والتجربة تدل على أن الحب يتعدى من ذات المحبوب إلى ما يحيط به  ، ويتعلق بأسبابه ويناسبه ، ولو من بعد ولكن ، ذلك من خاصية فرط المحبة فأصل المحبة لا يكفي فيه ، ويكون اتساع الحب في تعديه من المحبوب إلى ما يكتنفه ويحيط به ، ويتعلق بأسبابه بحسب إفراط المحبة وقوتها وكذلك حب الله سبحانه وتعالى إذا قوي وغلب على القلب واستولى عليه حتى انتهى إلى حد الاستهتار فيتعدى إلى كل موجود سواه فإن كل موجود سواه أثر من آثار قدرته ومن أحب إنسانا أحب صنعته وخطه وجميع أفعاله ، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا حمل إليه باكورة من الفواكه مسح بها عينيه وأكرمها ، وقال : إنه قريب العهد بربنا .

وحب الله تعالى تارة يكون لصدق الرجاء في مواعيده ، وما يتوقع في الآخرة من نعيمه ، وتارة لما سلف من أياديه وصنوف نعمته وتارة لذاته لا لأمر آخر ، وهو أدق ضرب المحبة ، وأعلاها ، وسيأتي تحقيقها في كتاب المحبة من ربع المنجيات إن شاء الله تعالى ، وكيفما اتفق حب الله ؛ فإذا قوي تعدى إلى كل متعلق به ضربا من التعلق حتى يتعدى إلى ما هو في نفسه مؤلم مكروه ، ولكن فرط الحب يضعف الإحساس بالألم والفرح بفعل المحبوب وقصده إياه بالإيلام يغمر إدراك الألم وذلك كالفرح بضربة من المحبوب أو قرصة فيها نوع معاتبة ، فإن قوة المحبة تثير فرحا يغمر إدراك الألم فيه .

التالي السابق



الخدمات العلمية