الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين

فإن قلت : فقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين  فأقول : نعم تعلم الدخول منهم ثم ادخل كما حكي أن هشام بن عبد الملك قدم حاجا إلى مكة ، فلما دخلها قال : ائتوني برجل من الصحابة ، فقيل يا أمير المؤمنين قد تفانوا فقال من : التابعين فأتي بطاوس اليماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين ، ولكن قال السلام عليك يا هشام ولم يكنه وجلس بإزائه وقال : كيف أنت يا هشام ، فغضب هشام غضبا شديدا حتى هم بقتله ، فقيل له : أنت في حرم الله وحرم رسوله ولا يمكن ذلك فقال : يا طاوس ما الذي حملك على ما صنعت ؟ قال : وما الذي صنعت ؟ فازداد غضبا وغيظا قال : خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبل يدي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت : كيف أنت يا هشام قال ؟ أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي ، وأما قولك لم تقبل يدي ، فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة ، أو ولده من رحمة ، وأما قولك : لم تسلم علي بإمرة المؤمنين ، فليس كل الناس راضين بإمرتك فكرهت أن أكذب وأما قولك : لم تكنني فإن الله تعالى سمى أنبياءه وأولياءه فقال : يا يحيى يا عيسى وكنى أعداءه فقال : تبت يدا أبي لهب وأما قولك : جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه يقول : إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام .

فقال له هشام عظني فقال : سمعت من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يقول : إن في جهنم حيات كالقلال وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته ، ثم قام وهرب .

وعن سفيان الثوري رضي الله عنه قال : أدخلت على أبي جعفر المنصور بمنى فقال لي ارفع إلينا حاجتك ، فقلت له : اتق الله ، فقد ملأت الأرض ظلما وجورا .

قال : فطأطأ رأسه ثم رفعه فقال : ارفع إلينا حاجتك ، فقلت : إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار وأبناؤهم يموتون جوعا ، فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم : فطأطأ رأسه ثم رفعه فقال : ارفع إلينا حاجتك فقلت : حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : لخازنه كم أنفقت قال : بضعة عشر درهما وأرى ههنا أموالا لا تطيق الجمال حملها وخرج فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا ألزموا وكانوا يغررون ، بأرواحهم للانتقام لله من ظلمهم .

التالي السابق



الخدمات العلمية