الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى مَا فِي مُخَالَطَةِ السَّلَاطِينِ مِنَ الْفِتَنِ وَأَنْوَاعِ الْفَسَادِ ، وَلَكِنْ نُفَصِّلُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا فِقْهِيًّا نُمَيِّزُ فِيهِ الْمَحْظُورَ عَنِ الْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ . فَنَقُولُ : الدَّاخِلُ عَلَى السُّلْطَانِ مُتَعَرِّضٌ لِأَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى إِمَّا بِفِعْلِهِ أَوْ بِسُكُوتِهِ ، وَإِمَّا بِقَوْلِهِ وَإِمَّا بِاعْتِقَادِهِ فَلَا يَنْفَكُّ عَنْ أَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ . أَمَّا الْفِعْلُ فَالدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ يَكُونُ إِلَى دُورٍ مَغْصُوبَةٍ وَتَخَطِّيهَا وَالدُّخُولُ فِيهَا بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُلَّاكِ حَرَامٌ وَلَا يَغُرَّنَّكَ قَوْلُ الْقَائِلِ إِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُتَسَامَحُ بِهِ النَّاسُ كَتَمْرَةٍ أَوْ فُتَاتِ خُبْزٍ ذَلِكَ صَحِيحٌ فِي غَيْرِ الْمَغْصُوبِ أَمَّا ، الْمَغْصُوبُ فَلَا ; لِأَنَّهُ إِنْ قِيلَ : إِنَّ كُلَّ جَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ لَا تَنْقُصُ الْمِلْكَ ، فَهِيَ فِي مَحَلِّ التَّسَامُحِ ، وَكَذَلِكَ الِاجْتِيَازُ ، فَيَجْرِي هَذَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ ، فَيَجْرِي أَيْضًا فِي الْمَجْمُوعِ ، وَالْغَصْبُ إِنَّمَا تَمَّ بِفِعْلِ الْجَمِيعِ ، وَإِنَّمَا يُتَسَامَحُ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ إِذْ لَوْ عَلِمَ الْمَالِكُ بِهِ رُبَّمَا لَمْ يَكْرَهْهُ فَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ طَرِيقًا إِلَى الِاسْتِغْرَاقِ بِالِاشْتِرَاكِ فَحُكْمُ التَّحْرِيمِ يَنْسَحِبُ عَلَى الْكُلِّ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مُلْكُ الرَّجُلِ طَرِيقًا اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَارِّينَ إِنَّمَا يَخْطُو خُطْوَةً لَا تُنْقِصُ الْمِلْكَ لِأَنَّ ; الْمَجْمُوعَ مَفْتُوتٌ لِلْمِلْكِ ، وَهُوَ كَضَرْبَةٍ خَفِيفَةٍ فِي التَّعْلِيمِ تُبَاحُ وَلَكِنْ بِشَرْطِ الِانْفِرَادِ ، فَلَوِ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ بِضَرَبَاتٍ تُوجِبُ الْقَتْلَ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْجَمِيعِ مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الضَّرَبَاتِ لَوِ انْفَرَدَتْ لَكَانَتْ لَا تُوجِبُ قِصَاصًا . فَإِنْ فُرِضَ كَوْنُ الظَّالِمِ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ مَغْصُوبٍ كَالْمَوَاتِ مَثَلًا فَإِنْ كَانَ تَحْتَ خَيْمَةٍ أَوْ مِظَلَّةٍ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ حَرَامٌ وَالدُّخُولُ إِلَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْحَرَامِ وَاسْتِظْلَالٌ بِهِ . فَإِنَّ فَرْضَ كُلِّ ذَلِكَ حَلَالًا فَلَا يُعْصَى بِالدُّخُولِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ دُخُولٌ وَلَا بِقَوْلِهِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ إِنْ سَجَدَ أَوْ رَكَعَ أَوْ مَثُلَ قَائِمًا فِي سَلَامِهِ وَخِدْمَتِهِ كَانَ مُكَرِّمًا لِلظَّالِمِ بِسَبَبِ وِلَايَتِهِ الَّتِي هِيَ آلَةُ ظُلْمِهِ ، وَالتَّوَاضُعُ لِلظَّالِمِ مَعْصِيَةٌ . بَلْ مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ لَيْسَ بِظَالِمٍ لِأَجْلِ غِنَاهُ لَا لِمَعْنًى آخَرَ اقْتَضَى التَّوَاضُعَ نَقُصَ ثُلُثَا دِينِهِ فَكَيْفَ إِذَا تَوَاضَعَ لِلظَّالِمِ ، فَلَا يُبَاحُ إِلَّا مُجَرَّدُ السَّلَامِ ، فَأَمَّا تَقْبِيلُ الْيَدِ وَالِانْحِنَاءُ فِي الْخِدْمَةِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ إِلَّا عِنْدَ الْخَوْفِ أَوِ الْأَمَامِ الْعَادِلِ أَوْ لِعَالِمٍ أَوْ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِأَمْرٍ دِينِيٍّ . قَبَّلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ لَمَّا أَنْ لَقِيَهُ بِالشَّامِ ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ . وَقَدْ بَالَغَ بَعْضُ السَّلَفِ حَتَّى امْتَنَعَ عَنْ رَدِّ جَوَابِهِمْ فِي السَّلَامِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُمُ اسْتِحْقَارًا لَهُمْ وَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الْقُرُبَاتِ . إتحاف السادة المتقين (فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى مَا فِي مُخَالَطَةِ السَّلَاطِينِ مِنَ الْفِتَنِ وَأَنْوَاعِ الْفَسَادِ، وَلَكِنْ نُفَصِّلُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا نُمَيِّزُ فِيهِ الْمَحْظُورَ عَنِ الْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ) الشَّرْعِيَّاتِ، (فَنَقُولُ: الدَّاخِلُ عَلَى السُّلْطَانِ مُعَرَّضٌ) أَيْ: فِي مَثَابَةٍ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ فِيهَا; (لِأَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى) ، وَيُخَالِفَ أَمْرَهُ (إِمَّا بِفِعْلِهِ أَوْ بِسُكُوتِهِ، وَإِمَّا بِقَوْلِهِ وَإِمَّا بِاعْتِقَادِهِ) أَيْ: عَلَى سَائِرِ الْأَحْوَالِ، (فَلَا يَنْفَكُّ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ) ، وَوَجْهُ الِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الدَّاخِلَ لَا يَخْلُو عِنْدَ دُخُولِهِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، أَوْ يَسْكُتَ عَلَى شَيْءٍ، أَوْ يَقُولَ شَيْئًا، أَوْ يَعْتَقِدَ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا، وَالْقَوْلُ مَا كَانَ بِاللِّسَانِ، وَالْفِعْلُ مَا كَانَ بِالْجَوَارِحِ، (أَمَّا الْفِعْلُ فَالدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ يَكُونُ إِلَى دُورٍ مَغْصُوبَةٍ) مِنْ أَهْلِهَا، (وَتَخَطِّيهَا) بِالثَّمَنِ فِيهَا، (وَالدُّخُولُ فِيهَا بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُلَّاكِ حَرَامٌ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، (وَلَا يَغُرَّنَّكَ قَوْلُ الْقَائِلِ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَسَامَحُ بِهِ النَّاسُ) لِلضَّرُورَاتِ (كَثَمَرَةٍ) مُسْقَطَةٍ، (أَوْ فُتَاتِ خُبْزٍ) هُوَ مَا تَكَسَّرَ مِنْهُ، (فَإِنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ) وَيُتَسَامَحُ بِهِ، (لَكِنْ فِي غَيْرِ الْمَغْصُوبِ، وَأَمَّا الْمَغْصُوبُ فَلَا; لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: إِنَّ كُلَّ جَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ لَا تَنْقُصُ الْمِلْكَ، فَهِيَ فِي مَحَلِّ التَّسَامُحِ، وَكَذَلِكَ الِاجْتِيَازُ، فَيَجْرِي هَذَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ، فَيَجْرِي أَيْضًا فِي الْمَجْمُوعِ، وَالْغَصْبُ إِنَّمَا يَتِمُّ بِفِعْلِ الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا يُسَامَحُ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ) وَحْدَهُ، (إِذْ لَوْ عَلِمَ الْمَالِكُ بِهِ رُبَّمَا لَمْ يَكْرَهْهُ) وَيُسَامِحُهُ، (فَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ طَرِيقًا إِلَى الِاسْتِغْرَاقِ بِالِاشْتِرَاكِ) مَعَ الْجَمِيعِ، (فَحُكْمُ التَّحْرِيمِ يَنْسَحِبُ عَلَى الْكُلِّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ مُلْكُ الرَّجُلِ طَرِيقًا) وَمَمَرًّا (اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ) مِنَ الْمَارِّينَ (إِنَّمَا يَخْطُو خُطُوَاتٍ) يَسِيرَةً (لَا تُنْقِصُ الْمِلْكَ; لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ مُفَوِّتٌ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ كَضَرْبَةٍ خَفِيفَةٍ فِي التَّعْلِيمِ تُبَاحُ) شَرْعًا، (وَلَكِنْ بِشَرْطِ الِانْفِرَادِ، فَلَوِ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ بِضَرَبَاتٍ) مُتَعَدِّدَةٍ (تُوجِبُ الْقَتْلَ) وَإِزْهَاقَ النَّفْسِ، (وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْجَمِيعِ) ; لِأَنَّهُمُ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِهِ، (مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الضَّرَبَاتِ لَوِ انْفَرَدَتْ لَكَانَتْ لَا تُوجِبُ قِصَاصًا) هَذَا حَالُ دَارِ الْإِمَارَةِ إِنْ حُكِمَ الدُّخُولُ فِيهَا، (فَإِنْ فُرِضَ كَوْنُ الظَّالِمِ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ مَغْصُوبٍ كَالْمَوَاتِ مَثَلًا) ، فَإِنَّهَا لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا حَقٌّ، (فَإِنْ كَانَ تَحْتَ خَيْمَةٍ) قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الْخَيْمَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ لَا تَكُونُ مِنْ ثِيَابٍ، بَلْ مِنْ أَرْبَعَةِ أَعْوَادٍ بِسَقْفٍ اهـ. لَكِنَّ الْعُرْفَ الْجَارِيَ الْآنَ هِيَ أَنَّهَا مَا كَانَتْ مِنْ ثِيَابٍ، وَفِي وَسَطِهَا عَمُودَانِ وَحَوَالَيْهَا عِمْدَانٌ كَثِيرَةٌ، وَيُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِالصِّيوَانِ . (أَوْ مِظَلَّةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، الْبَيْتُ الْكَبِيرُ مِنَ الشَّعْرِ وَهُوَ أَوْسَعُ مِنَ الْخِبَاءِ، قَالَ لَهُ الْفَارَابِيُّ فِي بَابِ مِفْعَلَةٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَإِنَّمَا كُسِرَتِ الْمِيمُ; لِأَنَّهَا اسْمُ آلَةٍ ثُمَّ كَثُرَ الِاسْتِعْمَالُ حَتَّى سَمَّوُا الْعَرِيشَ الْمُتَّخَذَ مِنْ جَرِيدٍ مَسْتُورٍ بِالثُّمَامِ مِظَلَّةً عَلَى التَّشْبِيهِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : أَمَّا الْمِظَلَّةُ فَرَوَاهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَغَيْرُهُ يُجِيزُ كَسْرَهَا، وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: الْفَتْحُ لُغَةٌ فِي الْكَسْرِ، وَالْجَمْعُ الْمَظَالُّ، اهـ . قُلْتُ: وَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا الْآنَ فِيمَا يُتَّخَذُ مِنَ الثِّيَابِ، وَيَكُونُ أَقَلَّ مِنَ الْخَيْمَةِ بِعَمُودَيْنِ صَغِيرَيْنِ فِي مُقَدَّمِهَا وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالسَّحَابَةِ، (مِنْ مَالِهِ فَهُوَ حَرَامٌ) لِكَوْنِ أَغْلَبِ أَمْوَالِ السَّلَاطِينِ كَذَلِكَ، (وَالدُّخُولُ إِلَيْهِ) فِيهَا (غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْحَرَامِ وَاسْتِظْلَالٌ بِهِ) ، هَذَا إِذَا كَانَتْ مِنْ ثِيَابٍ، فَإِذَا كَانَتْ مِنْ حَرِيرٍ مَصْبُوغٍ بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَحِبَالُهَا مِنَ الْحَرِيرِ وَمَعَاقِدُهَا مِنَ الْفِضَّةِ، كَمَا هُوَ عَادَةُ السَّلَاطِينِ، فَتَشْتَدُّ فِيهِ الْحُرْمَةُ، (فَإِنَّ فَرْضَ كُلِّ ذَلِكَ حَلَالًا فَلَا يَعْصِي) الدَّاخِلُ (بِالدُّخُولِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ دُخُولٌ وَلَا بِقَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ) أَوْ عَلَيْكُمْ، (وَلَكِنْ إِنْ سَجَدَ) فِي دُخُولِهِ، (أَوْ رَكَعَ) أَيْ: عَمِلَ عَلَى هَيْئَتِهَا كَمَا هُوَ مَأْلُوفٌ مِنَ الْأَعَاجِمِ (أَوْ مَثُلَ قَائِمًا فِي سَلَامِهِ وَخِدْمَتِهِ) ، كَمَا هُوَ عَادَةُ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ، وَكَذَا إِذَا قَبَّلَ طَرَفَ بِسَاطِهِ مِنْ غَيْرِ سَلَامٍ، أَوْ قَبَّلَ الْأَرْضَ أَوْ قَبَّلَ حَاشِيَةَ رِدَائِهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَعَ حُرْمَتِهِ (كَانَ مُكَرِّمًا لِلظَّالِمِ بِسَبَبِ وِلَايَتِهِ الَّتِي هِيَ آلَةُ الظَّلَمَةِ، وَالتَّوَاضُعُ لِلظَّالِمِ مَعْصِيَةٌ، بَلْ مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ ) وَهُوَ (لَيْسَ بِظَالِمٍ) ، بَلْ عَدَّلَ فِي نَفْسِهِ (لِأَجْلِ غِنَاهُ) طَمَعًا فِيمَا عِنْدَهُ (لَا لِمَعْنًى آخَرَ يَقْتَضِي التَّوَاضُعَ نَقُصَ ثُلُثَا دِينِهِ) . وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَاهُ فِي الْمَرْفُوعِ، أَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : "لَعَنَ اللَّهُ فَقِيرًا تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ مِنْ أَجْلِ مَالِهِ، مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَقَدْ ذَهَبَ ثُلْثَا دِينِهِ" . وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ بِشْرٍ حَدِيثًا عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ، قَالَ: "مَنْ خَضَعَ لِغَنِيٍّ وَوَضَعَ لَهُ نَفْسَهُ إِعْظَامًا لَهُ وَطَمَعًا فِيمَا قِبَلَهُ ذَهَبَ ثُلُثَا مُرُوءَتِهِ وَشَطْرُ دِينِهِ" ، وَمِنْ حَدِيثِ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: "وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ" ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْكُمْ عَلَى الثُّلُثِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْقَلْبُ لِخَفَائِهِ، إِذِ الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ وَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ. (فَكَيْفَ إِذَا تَوَاضَعَ لِظَالِمٍ، فَلَا يُبَاحُ) عِنْدَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ (إِلَّا مُجَرَّدُ السَّلَامِ، فَأَمَّا تَقْبِيلُ الْيَدِ) ظَهْرًا أَوْ بَطْنًا (وَالِانْحِنَاءُ فِي الْخِدْمَةِ) كَهَيْئَةِ الرَّاكِعِ وَتَقْبِيلُ الْبِسَاطِ أَوْ حَاشِيَةِ الثَّوْبِ أَوْ أَخْذِ شَيْءٍ مِنَ التُّرَابِ وَوَضْعِهِ عَلَى الرَّأْسِ، أَوْ نَزْعِ قَلَنْسُوَةٍ مِنَ الرَّأْسِ، (فَهُوَ مَعْصِيَةٌ إِلَّا عِنْدَ خَوْفٍ) مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ أَوْ ضَيْعَتِهِ، فَإِنْ قَبَّلَ الْيَدَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِمَّا ذُكِرَ فَغَيْرُ جَائِزٍ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ، (أَوْ لِإِمَامِ عَادِلٍ) فِي رَعِيَّتِهِ (أَوْ لِعَالِمٍ) مُنْتَفَعٍ بِعِلْمِهِ، (أَوْ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِأَمْرٍ دِينِيٍّ) كَشَيْخٍ مُسِنٍّ صَالِحٍ شَابَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ شَيْخِهِ فِي الْعِلْمِ وَلَوْ كَانَ شَابًّا، أَوْ وَالِدِهِ، أَوْ وَالِدَتِهِ، وَالْعَمُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، (وَقَبَّلَ أَبُو عُبَيْدَةَ) عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (بْنِ الْجَرَّاحِ) بْنِ هِلَالِ بْنِ أَهَبَ الْفِهْرَيِّ الْقُرَشِيِّ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ فِي طَاعُونٍ عَمَوَاسَ ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، (يَدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا أَنْ لَقِيَهُ بِالشَّامِ ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ) ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ وَلَّاهُ الشَّامَ وَفَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى يَدَيْهِ الْيَرْمُوكَ ، وَالْجَابِيَةَ وَسَرْغَ وَالرَّمَادَةَ . وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "لِمَا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ تَلَقَّاهُ النَّاسُ وَعُظَمَاءُ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَقَالَ عُمَرُ : أَيْنَ أَخِي؟ قَالُوا مَنْ؟ قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ ، قَالُوا: الْآنَ يَأْتِيكَ، فَلَمَّا أَتَاهُ نَزَلَ فَاعْتَنَقَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ" . الْحَدِيثَ، (وَقَدْ بَالَغَ بَعْضُ السَّلَفِ حَتَّى امْتَنَعَ مَنْ رَدَّ جَوَابَهُمْ فِي السَّلَامِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُمُ اسْتِحْقَارًا لَهُمْ وَجَعَلُوهُ مِنْ مَحَاسِنِ الْقُرُبَاتِ) ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَنُظَرَائِهِ . فَفِي أَخْبَارِ الصُّوفِيَّةِ لِابْنِ بَاكَوَيْهِ الشِّيرَازِيِّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدُونَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى الْأَنْبَارِيُّ حَدَّثَنَا فَتْحُ بْنُ شَخْرَفَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: تَعَزَّزُوا عَلَى أَبْنَاءِ الدُّنْيَا بِتَرْكِ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية