إحياء علوم الدين
ولقد توقف العلماء في مسائل هي أوضح من هذه إذ سئل أحمد بن حنبل رحمه الله عن رجل رمى صيدا فوقع في ملك غيره أيكون الصيد للرامي أو لمالك الأرض ؟ فقال : لا أدري ، فروجع فيه مرات فقال : لا أدري وكثيرا من ذلك حكيناه عن السلف في كتاب العلم فليقطع المفتي طمعه عن درك الحكم في جميع الصور ، وقد سأل ابن المبارك صاحبه من البصرة عن معاملته قوما يعاملون السلاطين ، فقال : إن لم يعاملوا سوى السلطان فلا تعاملهم ، وإن عاملوا السلطان وغيره فعاملهم وهذا يدل على المسامحة في الأقل ، ويحتمل المسامحة في الأكثر أيضا وبالجملة فلم ينقل عن الصحابة أنهم كانوا يهجرون بالكلية معاملة القصاب والخباز والتاجر لتعاطيه عقدا واحدا فاسدا ، أو لمعاملة السلطان مرة وتقدير ذلك فيه بعد والمسألة مشكلة في نفسها .
فإن قيل : فقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه رخص فيه وقال : خذ ما يعطيك السلطان ، فإنما يعطيك من الحلال وما يأخذ من الحلال أكثر من الحرام وسئل ابن مسعود رضي الله عنه ذلك فقال له السائل : إن لي جارا لا أعلمه إلا خبيثا يدعونا أو نحتاج فنستسلفه فقال : إذا دعاك فأجبه وإذا احتجت فاستسلفه فإن لك المهنأ وعليه المأثم وأفتى سلمان بمثل ذلك .


