الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الرَّابِعُ : إِيجَابٌ وَقَبُولٌ مُتَّصِلٌ بِهِ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ أَوِ التَّزْوِيجِ أَوْ مَعْنَاهُمَا الْخَاصِّ بِكُلِّ لِسَانٍ مِنْ شَخْصَيْنِ مُكَلَّفَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا امْرَأَةٌ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الزَّوْجَ أَوِ الْوَلِيَّ أَوْ وَكِيلَهُمَا (فَصْلٌ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ عِبَارَةُ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ فَلَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَلَا دُونَ إِذْنِهِ وَلَا تُزَوِّجُ غَيْرَهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ ". رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ : " أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ". وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الشَّرِيفَةِ وَالدَّنِيئَةِ خِلَافًا لِمَالِكٍ ، وَلَا بَيْنَ أَنَّ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْ كُفْءٍ أَوْ غَيْرِ كُفْءٍ ، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَلَيْسَ الْوَلِيُّ عِنْدَهُمْ مِنْ أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَلَا مِنْ فَرَائِضِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِئَلَّا يَلْحَقَهَا عَارُهَا ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ كُفُؤًا جَازَ النِّكَاحُ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا . . . إِلَخْ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ ، وَيُقَالُ لِلْحَنَفِيَّةِ لِمَ تَرَكْتُمُ الْعَمَلَ بِحَدِيثِ: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ". وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مُنْقَطِعًا ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ عَلَى إِسْرَائِيلَ ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِذَا اجْتَمَعَا جَمِيعًا؟ فَإِنْ قَالُوا إِنَّ أَبَا عَوَانَةَ تَابَعَ إِسْرَائِيلَ فِي رَفْعِهِ فَيَكُونُ حُجَّةً ؟ فَالْجَوَابُ قَدْ رُوِيَ هَكَذَا ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَقَدْ رَجَعَ حَدِيثُهُ إِلَى حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ ، فَانْتَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي هَذَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ شَيْءٌ ، فَإِنْ قَالُوا: قَدْ رَوَاهُ أَيْضًا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَرْفُوعًا كَمَا رَوَاهُ إِسْرَائِيلُ . فَالْجَوَابُ: صَدَقْتُمْ ، لَكِنْ قَيْسٌ دُونَ إِسْرَائِيلَ ، فَإِذَا انْتَفَى أَنْ يَكُونَ إِسْرَائِيلُ مُضَادًّا لِسُفْيَانَ وَشُعْبَةَ كَانَ قَيْسٌ أَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ مُضَادًّا لَهُمَا ، فَإِنْ قَالُوا: فَإِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ سُفْيَانَ قَدْ رَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ مَرْفُوعًا كَمَا رَوَاهُ إِسْرَائِيلُ وَقَيْسٌ ، وَهُوَ بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ ، فَالْجَوَابُ صَدَقْتُمْ وَلَكِنَّكُمْ مَا تَرْضَوْنَ مِنْ خَصْمِكُمْ بِمِثْلِ هَذَا أَنْ تَحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ سُفْيَانَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ عَنْهُ عَلَى مَعْنًى ، وَيَحْتَجُّ هُوَ عَلَيْكُمْ بِمَا رَوَاهُ بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ بِمَا خَالَفَ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَتَعُدُّونَ الْمُحْتَجَّ عَلَيْكُمْ بِهَذَا جَاهِلًا بِالْحَدِيثِ ، فَكَيْفَ تُسَوِّغُونَ أَنْفُسَكُمْ عَلَى مُخَالِفِيكُمْ مَا لَا تُسَوِّغُونَهُ عَلَيْكُمْ ؟ إِنَّ هَذَا الْجَوْرَ بَيِّنٌ ، فَإِنْ قَالُوا: فَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَرْفُوعًا كَمَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ فَمَا بَالُهُ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ ؟ فَالْجَوَابُ إِنَّمَا مَنَعَ الْإِمَامَ الِاحْتِجَاجَ بِهِ التَّضَادُّ بَيْنَ الْأَخْبَارِ وَالتَّنَافِي ، فَإِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: " الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا. . إِلَخْ" مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ " وَمُضَادٌّ لَهُ. وَالْأَيِّمُ كُلُّ امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا ، فَالْمَرْأَةُ إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً جَازَ لَهَا أَنْ تَلِيَ عَقْدَ نِكَاحِهَا لِأَنَّهُ عَقْدٌ أَكْسَبَهَا مَالًا ، فَجَازَ أَنْ تَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهَا ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَاتِ ، قَالُوا: وَقَدْ أَضَافَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النِّكَاحَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَبِقَوْلِهِ: أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ وَبِقَوْلِهِ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى انْعِقَادٍ بِعِبَارَتِهَا، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ. . . إِلَخْ. فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرَ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْهُ الزُّهْرِيَّ فَلَمْ يَعْرِفْهُ ، رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، عَنْ أَبِي عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَذَلِكَ ، وَهُمْ يُسْقِطُونَ الْحَدِيثَ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا. وَرَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَا يُثْبِتُونَ لَهُ سَمَاعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَهُمْ مُرْسَلٌ وَهُمْ لَا يَحْتَجُّونَ بِالْمُرْسَلِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَى خَصْمِهِمْ الِاحْتِجَاجَ عَلَيْهِمْ بِحَدِيثِهِ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا ، ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ مَا رَوَوْا ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مَا يُخَالِفُ رِوَايَتَهَا ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْفِعْلُ وَالرِّوَايَةُ قُدِّمَ الْفِعْلُ. وَهُوَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَاسِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهَا زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ غَائِبٌ بِالشَّامِ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: مِثْلِي يُصْنَعُ بِهِ وَيَفْتَاتُ عَلَيْهِ ، فَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ الْمُنْذِرَ ، قَالَ الْمُنْذِرُ: فَإِنَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا كُنْتُ أَرُدُّ أَمْرًا قَضَيْتِهِ ، فَلَمَّا كَانَتْ عَائِشَةُ قَدْ رَأَتْ أَنَّ تَزْوِيجَهَا بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ جَائِزٌ ، وَرَأَتْ ذَلِكَ الْعَقْدَ مُسْتَقِيمًا حِينَ أَجَازَتْ فِيهِ التَّمْلِيكَ الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ صِحَّةِ النِّكَاحِ وَثُبُوتِهَا اسْتَحَالَ أَنْ تَكُونَ تُرَى ذَلِكَ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ "، فَثَبَتَ بِذَلِكَ فَسَادُ مَا رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ ، وَهَذَا الَّذِي تَلَخَّصَ مِنَ السِّيَاقِ مِنْ أَمْرِ الْمَرْأَةِ فِي تَزْوِيجِ نَفْسِهَا إِلَيْهَا لَا إِلَى وَلِيِّهَا مَعْنًى لَوْ زَوَّجَتِ الْحُرَّةُ الْعَاقِلَةُ الْبَالِغَةُ نَفْسَهَا جَازَ ، وَكَذَا لَوْ زَوَّجَتْ غَيْرَهَا بِالْوِكَالَةِ أَوْ بِالْوِلَايَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا وَلِيٌّ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنْ زَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفُؤٍ فَلِوَلِيِّهَا فَسْخُ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، وَكَذَلِكَ إِنْ تَزَوَّجَتْ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا فَلِوَلِيِّهَا أَنْ يُخَاصِمَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَلْحَقَ بِمَهْرِ مِثْلِ نِسَائِهَا ، وَقَدْ كَانَ أَبُو يُوسُفَ إِذْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ بِضْعَ الْمَرْأَةِ إِلَيْهَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا لِنَفْسِهَا دُونَ وَلِيِّهَا يَقُولُ: إِنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهَا فِي نُقْصَانِ مَا تَزَوَّجَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا ثُمَّ رَجَعَ عَنْ هَذَا كُلِّهِ إِلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ "، وَقَوْلُهُ الثَّانِي هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية