الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَلِذَلِكَ نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَدَافَعُونَ الْإِمَامَةَ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْإِمَامَةَ أَفْضَلُ إِذْ وَاظَبَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمْ . نَعَمْ فِيهَا خَطَرُ الضَّمَانِ ، وَالْفَضِيلَةُ مَعَ الْخَطَرِ كَمَا أَنَّ رُتْبَةَ الْإِمَارَةِ ، أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيَوْمٌ مِنْ سُلْطَانٍ عَادِلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً وَلَكِنْ فِيهَا خَطَرٌ وَلِذَلِكَ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَفْضَلِ ، وَالْأَفْقَهِ . (فَصْلٌ) وَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُقَدَّمُ الْأَعْلَمُ ، ثُمَّ الْأَقْرَأُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الْمُتُونِ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُقَدَّمُ الْأَقْرَأُ ، ثُمَّ الْأَعْلَمُ ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ مِنَ الْمَشَايِخِ ، وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ ، ثُمَّ اتَّفَقُوا ، فَقَالُوا : ثُمَّ الْأَوْرَعُ ، ثُمَّ الْأَسَنُّ ، ثُمَّ الْأَحْسَنُ خُلُقًا ، ثُمَّ الْأَحْسَنُ وَجْهًا ، ثُمَّ الْأَشْرَفُ نَسَبًا ، ثُمَّ الْأَحْسَنُ صَوْتًا ، ثُمَّ الْأَنْظَفُ ثَوْبًا ، فَإِنِ اسْتَوَوْا يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، أَوِ الْخِيَارُ إِلَى الْقَوْمِ ، فَإِنِ اخْتَلَفُوا ، فَالْعِبْرَةُ بِمَا اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ، فَإِنْ قَدَّمُوا غَيْرَ الْأَوْلَى أَسَاءُوا فِي التَّجْنِيسِ لَوْ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ ، فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إِنْ كَانَتِ الْكَرَاهَةُ لِفَسَادٍ فِيهِ ، أَوْ كَانُوا أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ مِنْهُ يُكْرَهُ . هَكَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ مِنْهُمْ ، وَلَا فَسَادَ فِيهِ ، وَمَعَ هَذَا يَكْرَهُونَهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ التَّقَدُّمُ ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلَ ، وَالْفَاسِقَ يَكْرَهَانِ الْعَالِمَ ، وَالصَّالِحَ . قُلْتُ : وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ عَلَى الْأَعْلَمِ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَدَلِيلُهُ قَوِيٌّ مِنْ حَيْثُ النَّصِّ ؛ حَيْثُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ : "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءٌ ، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ " ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْفَقِيهِ ، وَالْقَارِئِ ، وَأَعْطَى الْإِمَامَةَ لِلْقَارِئِ مَا لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي الْقِرَاءَةِ ، فَإِنْ تَسَاوَيَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْعَالِمِ بِالسُّنَّةِ ، وَهُوَ الْأَفْقَهُ ، ثُمَّ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : "فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءٌ ، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءٌ ، فَأَقْدَمُهُمْ إِسْلَامًا " الْحَدِيثَ . وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْمُخَالِفِ لِلنَّصِّ بِأَنَّ الْأَقْرَأَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ الْأَفْقَهَ ، فَقَدْ رَدَّ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : "فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ " ، وَلَكِنْ قَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْرَأِ فِي الْخَبَرِ الْأَفْقَهُ فِي الْقُرْآنِ فِي مَعْرِفَةِ أَمْرِهِ ، وَنَهْيِهِ وَأَحْكَامِهِ ، فَإِذَا اسْتَوَوْا فِي الْقُرْآنِ ، فَقَدِ اسْتَوَوْا فِي فِقْهِهِ ، فَإِذَا زَادَ أَحَدُهُمْ بِفِقْهِ السُّنَّةِ ، فَهُوَ أَحَقُّ ، فَلَا دَلَالَةَ فِي الْخَبَرِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ مُطْلَقًا ؛ بَلْ تَقْدِيمُ الْأَقْرَأِ الْأَفْقَهِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى مَنْ دُونَهُ ، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ ، فَتَأَمَّلْ ، وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، فَإِنَّ الْخَاصَّ أَنَّ تَقَدُّمَهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ ، فَلَيْسَ بِخَاصٍّ ، وَأَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ ، وَخَاصَّتُهُ ، وَهُمُ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ حُرُوفَهُ مِنْ عَجَمٍ ، وَعَرَبٍ ، وَقَدْ صَحَّتْ لَهُمُ الْأَهْلِيَّةُ الْإِلَهِيَّةُ ، وَالْخُصُوصِيَّةُ ، فَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ الْمَعْرِفَةُ بِمَعَانِيهِ ، فَهُوَ فَضْلٌ فِي الْأَهْلِيَّةِ ، وَالْخُصُوصِيَّةِ ، لَا مِنْ حَيْثُ الْقُرْآنِ ؛ بَلْ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمِ بِمَعَانِيهِ ، فَإِذَا انْضَافَ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ الْعَمَلُ بِهِ فَنُورٌ عَلَى نُورٍ عَلَى نُورٍ ، فَالْقَارِئُ مَالِكُ الْبُسْتَانِ ، وَالْعَالِمُ كَالْعَارِفِ بِأَنْوَاعِ فَوَاكِهِ الْبُسْتَانِ ، وَتَطْعِيمِهِ ، وَمَنَافِعِ فَوَاكِهِهِ ، وَالْعَامِلُ كَالْآكِلِ مِنَ الْبُسْتَانِ ، فَمَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ ، وَعِلْمَهُ ، وَعَمِلَ بِهِ كَانَ كَصَاحِبِ بُسْتَانٍ عَلِمَ مَا فِي بُسْتَانِهِ ، وَمَا يُصْلِحُهُ ، وَمَا يُفْسِدُهُ ، وَآكِلٍ مِنْهُ ، وَمِثْلُ الْعَالِمِ الْعَامِلِ الَّذِي لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ كَمِثْلِ الْعَالِمِ بِأَنْوَاعِ الْفَوَاكِهِ ، وَتَطْعِيمَاتِهَا ، وَغِرَاسِهَا ، وَالْآكِلِ الْفَاكِهَةَ مِنْ بُسْتَانِ غَيْرِهِ ، وَمِثْلُ الْعَامِلِ كَمِثْلِ الْآكِلِ مِنْ بُسْتَانِ غَيْرِهِ ، فَصَاحِبُ الْبُسْتَانِ أَفْضَلُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ لَا بُسْتَانَ لَهُمْ ، فَإِنَّ الْبَاقِيَ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ ، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ مَنْ كَانَ الْحَقُّ سَمْعَهُ ، وَبَصَرَهُ ، وَيَدَهُ ، وَسَائِرَ أَوْصَافِهِ ، فَإِنْ كَانُوا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ سَوَاءً ، فَأَعْلَمُهُمْ بِمَا تَسْتَحِقُّهُ الرُّبُوبِيَّةُ ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْعِلْمِ بِذَلِكَ سَوَاءً ، فَأَعْرَفُهُمْ بِالْعُبُودِيَّةِ ، وَلَوَازِمِهَا ، وَلَيْسَ وَرَاءَ مَعْرِفَةِ الْعُبُودِيَّةِ حَالٌ يُرْتَضَى يَقُومُ مَقَامَهُ ، أَوْ يَكُونُ فَوْقَهُ ؛ لِأَنَّهُ لِذَلِكَ خُلِقُوا . قَالَ تَعَالَى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، وَالْإِمَامَةُ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هِيَ لِلَّهِ الْحَقِّ - جَلَّ جَلَالُهُ - وَأَصْحَابُ هَذِهِ الْأَحْوَالِ إِنَّمَا هُمْ نُوَّابُهُ ، وَخُلَفَاؤُهُ ، وَلِهَذَا وَصَفَهُمْ بِصِفَاتِهِ ، فَهُوَ الْإِمَامُ لَا هُمْ . قَالَ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ، وَقَالَ : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية