الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                        فَصْلٌ [فِي هِبَةِ الْمَرْأَةِ صَدَاقَهَا] هِبَةُ الْمَرْأَةِ صَدَاقَهَا لِزَوْجِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَبَعْدَهُ جَائِزٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النِّسَاءِ: 4] ، وَيُؤْمَرُ الزَّوْجُ إِذَا وَهَبَتْهُ الصَّدَاقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَلَّا يَبْنِيَ بِهَا حَتَّى يُقَدِّمَ رُبْعَ دِينَارٍ حِمَايَةً أَنْ يَكُونَا عَقَدَا عَلَى طَرْحِ الصَّدَاقِ، وَلِئَلَّا يَتَذَرَّعَ إِلَى النِّكَاحِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، فَإِنْ طَلَّقَ بَعْدَ التُّرْكِ وَقَبْلَ الْبِنَاءِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ، وَإِنْ تَرَكَتْ بَعْضَهُ رَجَعَتْ فِي نِصْفِ الْبَاقِي. وَهِبَتُهَا صَدَاقَهَا لِغَيْرِ زَوْجِهَا جَائِزٌ إِذَا حَمَّلَهُ الثُّلْثَ، أَوْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ وَأَجَازَهُ الزَّوْجُ، فَإِنْ قَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِنْهَا أَوْ مِنَ الزَّوْجِ ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ، رَجَعَ الزَّوْجَ بِنِصْفِهِ عَلَيْهَا، وَلَا رُجُوعَ لَهَا هِيَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ. وَقَالَ أَيْضًا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : لَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهَا بِمَنْزِلَةٍ مَنْ وَهَبَ شَيْئًا ثُمَّ اسْتُحِقَّ، وَهَذَا يَصِحُّ عَلَى الْقَوْلِ إِنَّ النِّصْفَ مُتَرَقَّبٌ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ لَهَا أَنْ تَتَصَرَّفَ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، إِلَّا أَنْ يَرَى أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ تَجْهَلُ أَنَّ عَلَيْهَا فِيهِ رُجُوعًا، فَتَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَتَرْجِعُ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ أَنْ قَدْ وَجَبَ جَمِيعُهُ- فَلَا رُجُوعَ لَهَا وَإِنْ جَهِلَتْ. وَإِنْ لَمْ يَدْفَعِ الزَّوْجُ الْهِبَةَ حَتَّى طَلَّقَ فَإِنْ كَانَتْ يَوْمَ الطَّلَاقِ مُوسِرَةً- دَفَعَ ذَلِكَ الزَّوْجُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَرَجَعَ عَلَيْهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ يَوْمَ الْهِبَةِ مُوسِرَةً أَوْ مُعْسِرَةً. وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَتْ يَوْمَ الْهِبَةِ مُوسِرَةً وَيَوْمَ الطَّلَاقِ مُعْسِرَةً، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لِلزَّوْجِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِنِصْفِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لِلْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْضُ الْهِبَةِ، وَلَا مَقَالَ لِلزَّوْجِ . وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ مُعْسِرَةً يَوْمَ الْهِبَةِ إِلَى يَوْمِ الطَّلَاقِ، فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ جَمِيعَ ذَلِكَ، عَلَى الْقَوْلِ إِنَّهُ بِالْعَقْدِ وَجَبَ جَمِيعُ الصَّدَاقِ; لِأَنَّ مَقَالَ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلَاقِ لَحِقَهُ فِي مَالِ الزَّوْجَةِ، لَيْسَ لِأَنَّ لَهُ نِصْفَهُ. فَإِذَا طَلَّقَ سَقَطَ مَقَالُهُ فِي مَالِ الزَّوْجَةِ، وَعَادَ مَقَالُهُ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ طَرَأَ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَكَانَتْ هِبَتَهَا وَلَا دَيْنَ عَلَيْهَا. وَمَنْ وَهَبَ دَيْنًا فَلَمْ يُقْبَضْ حَتَّى طَرَأَ عَلَى الْوَاهِبِ دَيْنٌ ، لَمْ تُرَدَّ هِبَتُهُ. وَكَذَلِكَ إِنْ قَبَضَتْ صَدَاقَهَا ثُمَّ وَهَبَتْهُ، وَقَبْضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، ثُمَّ طَلَّقَ الزَّوْجُ، وَهِيَ مُعْسِرَةٌ الْآنَ وَيَوْمَ الْهِبَةِ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِبَتِهَا، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، يُرَدُّ قَدْرُ نَصِيبِهِ مِنْهَا، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ، لَا رَدَّ لَهُ; لِأَنَّ الدَّيْنَ طَرَأَ بَعْدَ الْهِبَةِ . وَهِبَتُهَا صَدَاقَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ عَيْنًا جَازَتِ الْهِبَةُ، وَتُخِلِّفُ مِثْلَهُ تَتَشَوَّرُ بِهِ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ دَارًا أَوْ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً جَازَتْ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا أَنْ تُخَلِّفَ الْعِوَضَ عَنْهُ; لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَهَبْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا أَنْ تَبِيعَ ذَلِكَ لِتَتَشَوَّرَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ شَيْئًا مِمَّا الْعَادَةُ أَنْ يَكُونَ شَوْرَةً لَهَا، لَمْ تَجُزْ هِبَتُهَا، إِلَّا أَنْ تُعَوَّضَ عَنْهُ، فَإِنْ قَالَتْ: لَمْ أَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ عَلَيَّ حَلَفَتْ، وَاسْتَرْجَعَتِ الْهِبَةَ; لِأَنَّ مِنْ حَقِ الزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ، وَمِنْ حَقِّهَا أَلَّا تُخَلِّفَهُ إِذَا كَانَتْ تَجْهَلُ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَهَبَتْ يَسِيرًا مِنْ كَثِيرٍ، فَيَمْضِي وَلَا تُخَلِّفُهُ.

                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية