الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِجَابَةِ ، كَيْفَ كَانَتْ ؟ . هَلْ كَانُوا أَحْيَاءً ، فَأَجَابُوا بِلِسَانِ الْمَقَالِ ، أَمْ أَجَابُوهُ بِلِسَانِ الْحَالِ ؟ ، وَالظَّاهِرُ : الْأَوَّلُ ، وَنَكِلُ عِلْمَ كَيْفِيَّتِهَا إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ - . وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى وَفْقِ السُّؤَالِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى سَأَلَهُمْ عَنْ تَرْبِيَتِهِمْ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ عَنْ إِلَهِهِمْ ، قَالُوا : بَلَى ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى زَمَانِ التَّكْلِيفِ ، وَظَهَرَ مَا قَضَى اللَّهُ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ ، مِنْهُمْ مَنْ وَافَقَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَالَفَ . وَقِيلَ : تَجَلَّى لِلْكُفَّارِ بِالْهَيْبَةِ ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِالرَّحْمَةِ ، فَقَالَ كُلُّهُمْ : بَلَى . قِيلَ : وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ، بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ ، وَقِيلَ : بَعْدَ الْهُبُوطِ مِنْهَا . وَقَالَ عَلِيٌّ : فِي الْجَنَّةِ ، وَقِيلَ : بِسَرَادِيبَ مِنْ أَرْضِ الْهِنْدِ ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي هَبَطَ آدَمُ فِيهِ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ ، وَلَا يَضُرُّنَا الْجَهْلُ بِالْمَكَانِ بَعْدَ صِحَّةِ الِاعْتِقَادِ بِأَخْذِ الْعَهْدِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . أَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَالْحَاكِمُ ، وَصَحَّحَهُ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهَرِ آدَمَ بِنُعْمَانِ يَوْمِ عَرَفَةَ ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا ، فَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ ، فَقَالَ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ إِلَى قَوْلِهِ : الْمُبْطِلُونَ . وَإِسْنَادُهُ لَا مَطْعَنَ فِيهِ . وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ ، وَقَضَى الْقَضِيَّةَ ، وَأَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، فَأَخَذَ أَهْلَ الْيَمِينِ بِيَمِينِهِ ، فَاسْتَجَابُوا لَهُ ، فَقَالُوا : لَبَّيْكَ رَبَّنَا ، وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى الْحَدِيثِ . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ ، بَعْضُهَا مُقَيَّدٌ بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَبَعْضُهَا مُطْلَقٌ يَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ إِخْرَاجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ ، وَأَخْذِ الْعَهْدِ عَلَيْهِمْ ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا فِي «الصَّحِيحَيْنِ » ، وَغَيْرِهِمَا . وَأَمَّا الْمَرْوِيُّ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ بِإِخْرَاجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ فِي عَالَمِ الذَّرِّ ، وَأَخْذِ الْعَهْدِ عَلَيْهِمْ ، وَإِشْهَادِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، فَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ بِإِخْرَاجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ . وَفِيمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَفْسِيرِهَا -مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ - مَا يُغْنِي عَنِ التَّطْوِيلِ . وَقَالَ أَهْلُ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ : قَوْلُهُمْ : بَلَى شَهِدْنَا هُوَ عَلَى الْمَجَازِ ، لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ . وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الْمُعَوَّلُ فِي فَهْمِ مَسَائِلِ الدِّينِ . قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : مَذْهَبُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَكُبَرَاءِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : أَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ ، وَأَصْلَابِ أَوْلَادِهِ ، وَهُمْ صُوَرٌ كَالذَّرِّ وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ أَنَّهُ خَالِقُهُمْ ، وَأَنَّهُمْ مَصْنُوعُهُ ، فَاعْتَرَفُوا بِذَلِكَ، وَقَبِلُوهُ ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ رَكَّبَ فِيهِمْ عُقُولًا عَرَفُوا بِهَا مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ ، كَمَا جَعَلَ لِلْجِبَالِ عُقُولًا حَتَّى خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ : يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سَبًّا : 10] ، وَكَمَا جَعَلَ لِلْبَعِيرِ عَقْلًا حَتَّى سَجَدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَلِكَ الشَّجَرَةُ حَتَّى سَمِعَتْ لِأَمْرِهِ ، وَانْقَادَتْ . وَقَوْلُهُمْ : شَهِدْنَا إِقْرَارٌ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ ، وَقِيلَ : شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا بِهَذَا الْإِقْرَارِ ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ . وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِثُبُوتِ ذَلِكَ، وَصِحَّتِهِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ، وَالْأَخْذُ بِهِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا . وَحَكَى الْوَاحِدِيُّ عَنْ صَاحِبِ «النُّظْمِ » : أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بَيْنَ قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ » ، وَبَيْنَ الْآيَةِ اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ظُهُورِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ؛ لِأَنَّ ذُرِّيَّةَ آدَمَ كَذُرِّيَّةِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ . قِيلَ : إِنَّا لَمْ تَتَذَكَرْ هَذَا الْعَهْدَ ، لِأَنَّ تِلْكَ الْبِنْيَةَ قَدِ انْقَضَتْ ، وَتَغَيَّرَتْ أَحْوَالُهَا بِمُرُورِ الدُّهُورِ عَلَيْهَا فِي أَصْلَابِ الْآبَاءِ ، وَأَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ ، وَتَطَوُّرِ الْأَطْوَارِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهَا مِنَ الْعَلَقَةِ ، وَالْمُضْغَةِ ، وَاللَّحْمِ ، وَالْعَظْمِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَسْتَوْجِبُ النِّسْيَانَ . وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - يَقُولُ : إِنِّي لَأَذْكُرُ الْعَهْدَ الَّذِي عَهِدَ لِي رَبِّي . وَكَذَا كَانَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ يَقُولُ : ثُمَّ ابْتَدَأَهُمْ بِالْخِطَابِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ ، وَأَصْحَابِ الشَّرَائِعِ ، فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ الذِّكْرِ ، وَلَوْ لَمْ يُنْسَوْهُ ، لَانْتَهَتِ الْمِحْنَةُ وَالتَّكْلِيفُ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي كَوْنِ تِلْكَ الذَّرَّاتِ مُصَوَّرَةَ دَلِيلٍ ، وَالْأَقْرَبُ إِلَى الْعُقُولِ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إِلَى كَوْنِهَا بِصُورَةِ الْإِنْسَانِ ، وَالْحِكْمَةُ فِي أَخْذِ الْمِيثَاقِ مِنْهُمْ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُوَفِّ بِذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمَّا رَدَّهُمْ إِلَى ظَهْرِهِ ، قَبَضَ أَرْوَاحَهُمْ ، وَأَمَّا إِنَّ الْأَرْوَاحَ أَيْنَ رَجَعَتْ بَعْدَ رَدِّ الذَّرَّاتِ إِلَى ظَهْرِهِ ؟ فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ غَامِضَةٌ ، لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا النَّظَرُ الْعَقْلِيُّ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُقَالَ : رَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ حُلُولِهَا فِي الذَّرَّاتِ . وَوَرَدَ أَنَّ كِتَابَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مُودَعٌ فِي بَاطِنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ، ذَكَرَهُ الشَّعَرَانِيُّ فِي رِسَالَتِهِ «الْقَوَاعِدِ الْكَشْفِيَّةِ فِي الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ » ، وَذَكَرَ فِيهَا عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ اثْنَيْ عَشَرَ سُؤَالًا ، وَأَجَابَ عَنْهَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية