الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 1262 بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ، فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ وَذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، فِي الْجُزْءِ الثَّانِي، فِي (الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ) . (حَدِيثُ الْبَابِ) وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيِّ، ص 36 جـ 6 ، الْمَطْبَعَةُ الْمِصْرِيَّةُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ .) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ ". السراج الوهاج (الشَّرْحُ) قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الرَّحْمَةِ، وَاللُّطْفِ التَّامِّ: إِلَى إِضَاءَةِ الْفَجْرِ. وَفِيهِ: الْحَثُّ عَلَى الدُّعَاءِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ: إِلَى إِضَاءَةِ الْفَجْرِ. وَفِي أُخْرَى: "إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ: يَنْزِلُ اللَّهُ - تَبَارَكَ، وَتَعَالَى - إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ، يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ، يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ". وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "يَنْزِلُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا: لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخَرِ إلخ". وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ، حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ: نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ". هَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا (عِنْدَ مُسْلِمٍ ) ؛ بِطُرُقٍ عَنْهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَحَدِيثُ الْبَابِ: عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، بِمِثْلِ لَفْظِهِ. وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي (بَابِ التَّهَجُّدِ) ، وَفِي (كِتَابِ التَّوْحِيدِ) . وَهُوَ فِي مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، فِي بَابِ: "مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ". قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ؛ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ. وَفِيهِ مَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ؛ أَحَدُهُمَا - وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ -: أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ، عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى. وَأَنَّ ظَاهِرَهَا الْمُتَعَارَفَ فِي حَقِّنَا: غَيْرُ مُرَادٍ. وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي تَأْوِيلِهَا، مَعَ اعْتِقَادِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى: عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَعَنِ الِانْتِقَالِ وَالْحَرَكَاتِ، وَسَائِرِ سِمَاتِ الْخَلْقِ. وَالثَّانِي: مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَجَمَاعَاتٍ مِنَ السَّلَفِ. وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ : أَنَّهَا تَتَأَوَّلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، بِحَسَبِ مَوَاطِنِهَا. فَعَلَى هَذَا: تَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ تَأْوِيلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: تَأْوِيلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ، مَعْنَاهُ: تَنْزِلُ رَحْمَتُهُ، وَأَمْرُهُ، وَمَلَائِكَتُهُ. كَمَا يُقَالُ: "فَعَلَ السُّلْطَانُ كَذَا"، إِذَا فَعَلَهُ أَتْبَاعُهُ: بِأَمْرِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ، وَمَعْنَاهُ: الْإِقْبَالُ عَلَى الدَّاعِينَ: بِالْإِجَابَةِ، وَاللُّطْفِ. انْتَهَى. قُلْتُ: هَذَانِ التَّأْوِيلَانِ، يَأْبَاهُمَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ: فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ. وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ "سُبْحَانَهُ" يَعْجِزُ عَنْ أَنْ يُصَرِّحَ: بِنُزُولِ الرَّحْمَةِ، أَوِ الْأَمْرِ، وَالْمَلَائِكَةِ. وَكَذَا الْإِقْبَالُ عَلَى الدَّاعِينَ: يَكُونُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ الدُّعَاءِ. فَثَبَتَ أَنَّ مَذْهَبَ "السَّلَفِ": وَهُوَ الْإِيمَانُ بِظَاهِرِ لَفْظِهِ، مِنْ دُونِ تَكْيِيفٍ، وَلَا تَمْثِيلٍ، وَلَا تَأْوِيلٍ، وَلَا تَعْطِيلٍ: هُوَ الْحَقُّ الْبَحْتُ، الَّذِي لَا مَحِيصَ عَنْهُ، لِمَنْ يُرِيدُ الْإِيمَانَ الْخَالِصَ الصَّحِيحَ، الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. قَالَ عِيَاضٌ : الصَّحِيحُ رِوَايَةُ "حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ". كَذَا قَالَهُ شُيُوخُ الْحَدِيثِ. وَهُوَ الَّذِي تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ: بِلَفْظِهِ، وَمَعْنَاهُ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النُّزُولُ - بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ -: بَعْدَ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ "مَنْ يَدْعُونِي": بَعْدَ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ. انْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَعْلَمَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فِي وَقْتٍ، فَأَخْبَرَ بِهِ. ثُمَّ أَعْلَمَ بِالْآخَرِ فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَأَعْلَمَ بِهِ. وَسَمِعَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْخَبَرَيْنِ: فَنَقَلَهُمَا جَمِيعًا. وَسَمِعَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ خَبَرَ "الثُّلُثِ الْأَوَّلِ، فَقَطْ: فَأَخْبَرَ بِهِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ . كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ. وَهَذَا ظَاهِرٌ. وَفِيهِ رَدٌّ لِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقَاضِي: مِنْ تَضْعِيفِ "رِوَايَةِ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ". وَكَيْفَ يُضْعِفُهَا، وَقَدْ رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، بِإِسْنَادٍ لَا مَطْعَنَ فِيهِ: عَنِ الصَّحَابِيَّيْنِ؛ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ: وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ آخِرَ اللَّيْلِ - لِلصَّلَاةِ، وَالدُّعَاءِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الطَّاعَاتِ -: أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: "فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ أَوْ يَسْأَلُنِي، فَأُعْطِيَهُ؟ ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ: غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ". وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: "ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - مَنْ يُقْرِضُ: غَيْرَ عَدُومٍ، وَلَا ظَلُومٍ". قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ: "أُعْدِمَ الرَّجُلُ"، إِذَا افْتَقَرَ؛ فَهُوَ مُعْدَمٌ، وَعَدِيمٌ، وَعَدُومٌ. وَالْمُرَادُ بِالْقَرْضِ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) : عَمَلُ الطَّاعَةِ، سَوَاءٌ فِيهِ: الصَّدَقَةُ، وَالصَّلَاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالذِّكْرُ، وَغَيْرُهَا مِنَ الطَّاعَاتِ. وَسَمَّاهُ سُبْحَانَهُ "قَرْضًا": مُلَاطَفَةً لِلْعِبَادِ، وَتَحْرِيضًا لَهُمْ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، فَإِنَّ "الْقَرْضَ": إِنَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ الْمُقْتَرِضُ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُؤَانَسَةٌ، وَمَحَبَّةٌ. فَحِينَ يَتَعَرَّضُ لِلْقَرْضِ: يُبَادِرُ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ، بِإِجَابَتِهِ، لِفَرَحِهِ بِتَأْهِيلِهِ: لِلِاقْتِرَاضِ مِنْهُ، وَإِدْلَالِهِ عَلَيْهِ، وَذِكْرِهِ لَهُ. وَقَوْلُهُ "يَبْسُطُ يَدَيْهِ": إِشَارَةٌ إِلَى نَشْرِ رَحْمَتِهِ، وَكَثْرَةِ عَطَائِهِ، وَإِجَابَتِهِ، وَإِسْبَاغِ نِعْمَتِهِ. هَذَا آخِرُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ . وَفِيهِ: تَأْوِيلُ "بَسْطِ الْيَدَيْنِ". وَمَذْهَبُ السَّلَفِ: إِمْرَارُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ لَهُ سُبْحَانَهُ "يَدَيْنِ"، كِلْتَاهُمَا "يَمِينٌ". وَقَدْ تَظَاهَرَتْ بِذَلِكَ: الْأَحَادِيثُ، وَأَدِلَّةُ الْكِتَابِ؛ قَالَ تَعَالَى: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } . وَلَا مُلْجِئَ إِلَى تَأْوِيلِ مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ (فِيمَا عَلِمْنَا وَفَهِمْنَا: مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمَةِ) : إِلَّا الْفِرَارُ عَنِ التَّشْبِيهِ، وَإِيثَارُ التَّنْزِيهِ. وَهَذَا أَمْرٌ هَيِّنٌ: مَعَ مُلَاحَظَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } وَقَوْلِهِ: { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } . وَلَا حَاجَةَ مَعَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ: إِلَى هَذِهِ الْمُحَاوَلَاتِ الْبَارِدَةِ، وَالتَّأْوِيلَاتِ السَّاقِطَةِ. فَإِنَّ التَّشْبِيهَ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ ظَاهِرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ: يُعَالَجُ بِكَلِمَةٍ إِجْمَالِيَّةٍ، هِيَ تِلْكَ الْآيَاتُ. بَلْ إِنَّمَا يَلْزَمُ التَّشْبِيهُ وَالتَّمْثِيلُ: إِذَا قُلْنَا: نُزُولٌ كَنُزُولٍ. وَيَدٌ كَيَدٍ. وَنَحْوَ ذَلِكَ. لَا إِذَا قُلْنَا: بِأَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ. وَلَهُ سُبْحَانَهُ يَدَانِ. فَهَذَا لَا يَسْتَدْعِي التَّشْبِيهَ أَصْلًا، لَا سِيَّمَا مَعَ اعْتِقَادِ نَفْيِ الْمِثْلِيَّةِ، وَالْكَفَاءَةِ. كَمَا فِي الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ. وَالتَّأْوِيلُ لَيْسَ فِيهِ التَّنْزِيهُ، كَمَا فَهِمُوهُ. بَلْ فِيهِ: التَّكْذِيبُ، وَالْبُعْدُ: عَنْ مُرَادِ اللَّهِ، وَمُرَادِ رَسُولِهِ. وَكُلُّ عَالِمٍ يُؤَوِّلُ الْحَدِيثَ: بِمَا يَبْدُو لَهُ مِنْ تَأْوِيلِهِ. وَتَأْدِيَةِ لَفْظِهِ لِلْمَعْنَى. وَيَكْثُرُ فِيهِ: التَّعَارُضُ، وَالتَّنَاقُضُ. فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقَوْلِ بِتَأْوِيلَاتِهِمْ. وَلِكُلِّ قَائِلٍ أَنْ يُؤَوِّلَ بِمَا شَاءَ، وَلَا يَقْبَلَ تَأْوِيلَ غَيْرِهِ. وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ، الثَّابِتَةِ ثُبُوتًا مُتَوَاتِرًا: بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. وَإِثْمُ التَّعْطِيلِ لَيْسَ بِأَقَلَّ مِنْ إِثْمِ التَّأْوِيلِ. فَالْحَقُّ الْحَقِيقُ، الَّذِي يَنْبَغِي عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ: أَنْ يُؤْمِنَ بِأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ، وَآيَاتِهَا. وَيَقُولَ بِظَاهِرِهَا، وَيُمِرَّهَا عَلَى فَحْوَاهَا الْوَاضِحَةِ، وَمَبْنَاهَا النَّاطِقَةِ، مَعَ اعْتِقَادِ: التَّنْزِيهِ عَنْ شُبَهِ الْخَلْقِ، وَنَفْيِ: الْمُمَاثَلَةِ وَالْكَفَاءَةِ، كَمَا أَرْشَدَنَا إِلَى هَذَا: رَبُّنَا، تَبَارَكَ وَتَعَالَى. الَّذِي يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَقُولُ لِعِبَادِهِ مُخَاطِبًا بِمَا شَاءَ. وَلَا يَغْتَرُّ بِمَا فَاهَ بِهِ: جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَرَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَوْهَامِ؛ فَدَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ فِي حُجُرَاتِهِ وَهَاتِ حَدِيثًا مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِلِ قَالَ الزُّرْقَانِيُّ (فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ) ، عَلَى الْكَلَامِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: اخْتُلِفَ فِيهِ؛ فَرَاسِخُونَ، يَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا - عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ، مُنَزِّهِينَ اللَّهَ تَعَالَى: عَنِ الْكَيْفِيَّةِ، وَالتَّشْبِيهِ وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ: عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَالسُّفْيَانَيْنِ، وَالْحَمَّادَيْنِ، وَاللَّيْثِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهُوَ أَسْلَمُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ لَا يَجِبُ. فَحِينَئِذٍ: التَّفْوِيضُ أَسْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : النُّزُولُ رَاجِعٌ إِلَى أَفْعَالِهِ، لَا إِلَى ذَاتِهِ. بَلْ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مَلَكِهِ الَّذِي يَنْزِلُ: بِأَمْرِهِ، وَنَهْيِهِ. فَالنُّزُولُ "حِسِّيٌّ": صِفَةُ الْمَلِكِ الْمَبْعُوثِ بِذَلِكَ. أَوْ "مَعْنَوِيٌّ": بِمَعْنَى لَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ فَعَلَ. فَسُمِّيَ ذَلِكَ: نُزُولًا عَنْ مَرْتَبَةٍ، إِلَى مَرْتَبَةٍ. فَهِيَ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ. قَالَ: وَالْحَاصِلُ: أَنَّ تَأْوِيلَهُ بِوَجْهَيْنِ؛ إِمَّا أَنَّ الْمَعْنَى: يَنْزِلُ أَمْرُهُ، أَوِ الْمَلَكُ. وَإِمَّا أَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ، بِمَعْنَى: التَّلَطُّفِ بِالدَّاعِينَ، وَالْإِجَابَةُ لَهُمْ، وَنَحْوَهُ. وَكَذَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَوَّلَهُ بِذَلِكَ. انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ: أَنَّ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ؛ بَعِيدَانِ عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، بُعْدًا وَاضِحًا. وَلَا حَاجَةَ إِلَى صَرْفِ النَّصِّ عَنْ ظَاهِرِهِ، بِلَا مُوجَبٍ بِنَدْبِ إِلَيْهِ. وَلِهَذَا؛ قَالَ "ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، - كَمَا حَكَاهُ الزُّرْقَانِيُّ عَنْهُ -: قَالَ قَوْمٌ: يَنْزِلُ أَمْرُهُ، وَرَحْمَتُهُ. وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. لِأَنَّ أَمْرَهُ (بِمَا يَشَاءُ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَنِعْمَتِهِ) : يَنْزِلُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، بِلَا تَوْقِيتِ ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلَا غَيْرِهِ. وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ؛ لَكَانَ مَعْنَاهُ: أَنَّ الْأَغْلَبَ (فِي الِاسْتِجَابَةِ) : ذَلِكَ الْوَقْتُ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ : هُوَ إِخْبَارٌ: عَنْ إِجَابَةِ الدَّاعِي، وَغُفْرَانِهِ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ. وَتَنْبِيهٌ عَلَى فَضْلِ الْوَقْتِ، كَحَدِيثِ: "إِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي شِبْرًا: تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا". الْحَدِيثُ لَمْ يُرِدْ: "قُرْبَ الْمَسَافَةِ"، لِعَدَمِ إِمْكَانِهِ. وَإِنَّمَا أَرَادَ: الْعَمَلَ مِنَ الْعَبْدِ، وَمِنْهُ تَعَالَى: الْإِجَابَةُ. وَحَكَى " ابْنُ فَوْرَكٍ ": أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ ضَبَطَهُ: "بِضَمِّ أَوَّلِهِ"، عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ. أَيْ: يُنْزِلُ مَلَكًا. قَالَ الْحَافِظُ: وَيُقَوِّيهِ: مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ": أَنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ، حَتَّى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ. ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ: "هَلْ مِنْ دَاعٍ، فَيُسْتَجَابَ لَهُ؟ الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ "عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ" (عِنْدَ أَحْمَدَ ) ؛ "يُنَادِي مُنَادٍ، هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟" الْحَدِيثَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ " رِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ " (عِنْدَ النَّسَائِيِّ ) : "يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُ عَنْ عِبَادِي غَيْرِي" . لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِنْزَالِهِ الْمَلَكَ: أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ صُنْعِ الْعِبَادِ. بَلْ يَجُوزُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْمُنَادَاةِ، وَلَا يُسْأَلُ أَلْبَتَّةَ: عَمَّا بَعْدَهَا. فَهُوَ أَعْلَمُ سُبْحَانَهُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ. انْتَهَى. قُلْتُ: لَمْ يَرْتَفِعِ الْإِشْكَالُ، بِمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ . لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ: بَيْنَ نُزُولِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَأَمْرِ بَعْضِ الْمَلَائِكَةِ: بِالْمُنَادَاةِ. وَالْكَلَامُ فِي نُزُولِهِ سُبْحَانَهُ، دُونَ نَفْيِ: أَمْرِهِ، أَوْ رَحْمَتِهِ، أَوْ مُنَادَاةِ بَعْضِ مَلَائِكَتِهِ. وَالنُّزُولُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ: ثَابِتٌ بِالْإِسْنَادَاتِ الصَّحِيحَاتِ. قَالَ الزُّرْقَانِيُّ :- وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: الْإِشْكَالُ مَدْفُوعٌ، حَتَّى عَلَى أَنَّهُ "يَنْزِلُ"، بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، الَّذِي هُوَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ. وَكُلٌّ مِنْ "حَدِيثَيِالنَّسَائِيِّ وَأَحْمَدَ": يُقَوِّي تَأْوِيلَهُ: بِأَنَّهُ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ، أَوِ الِاسْتِعَارَةِ. قَالَ " الْبَيْضَاوِيُّ ": لَمَّا ثَبَتَ - بِالْقَوَاطِعِ - أَنَّهُ "سُبْحَانَهُ" مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ، وَالتَّحَيُّزِ: امْتَنَعَ عَلَيْهِ النُّزُولُ، - عَلَى مَعْنَى الِانْتِقَالِ - مِنْ مَوْضِعٍ، إِلَى مَوْضِعٍ أَخْفِضَ مِنْهُ. فَالْمُرَادُ: "دُنُوُّ رَحْمَتِهِ". أَيْ: يَنْتَقِلُ مِنْ "مُقْتَضَى صِفَةِ الْجَلَالِ" الَّتِي تَقْتَضِي: الْغَضَبُ وَالِانْتِقَامُ، إِلَى "مُقْتَضَى صِفَةِ الْإِكْرَامِ"، الَّتِي تَقْتَضِي: الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ. انْتَهَى. قُلْتُ: هَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ، الَّذِي يُفْضِي بِصَاحِبِهِ: إِلَى تَكْذِيبِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ، الصَّحِيحَةِ، الْمُحْكَمَةِ، الْمَفْهُومَةِ اللَّفْظِ، الْمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى. وَالْبَيْضَاوِيُّ "غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَعَفَا عَنْهُ !" إِمَامُ الْمُؤَوِّلِينَ، لَا يَصْبِرُ أَبَدًا (فِي تَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلَا فِي شَرْحِ حَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) : عَنْ هَفَوَاتٍ، جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ. حَتَّى يُؤَدِّيَ كَلَامُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: إِلَى تَحْرِيفِ نَصٍّ، أَوْ تَصْرِيفٍ ظَاهِرٍ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ "حُكْمُ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ": وَاحِدٌ. فَنَفْيُ الِانْتِقَالِ بِمَعْنَى النُّزُولِ "عَنْ ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ": ابْتِغَاءٌ لِلتَّنْزِيهِ، وَإِثْبَاتُ النُّزُولِ بِمَعْنَى الِانْتِقَالِ "فِي صِفَتِهِ": لَا يَرْتَضِيهِ مَنْ هُوَ عَارِفٌ بِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالَاتِ، وَعَالِمٌ بِمَدَارِكِ الشَّرْعِ وَالْمَدْلُولَاتِ. وَلَمْ يَعْلَمْ هَذَا الْمِسْكِينُ: أَنَّ الْإِيمَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (عَلَى ظَاهِرِهَا) : لَا يَسْتَلْزِمُ الْجِسْمِيَّةَ، وَالتَّحَيُّزَ. فَإِنَّ هَذَا الِاسْتِلْزَامَ، إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ لَيْسَ بِإِلَهٍ، وَرَبٍّ لِلْخَلْقِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ، كَمَا تُقَدَّسُ ذَاتُهُ الْكَرِيمَةُ "عَنِ الْمُمَاثَلَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَائِنَاتِ": فَهَكَذَا تَقَدَّسَتْ صِفَاتُهُ الْعُلْيَا، وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى: مِنَ الْكَفَاءَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُمَكَّنَاتِ الْحَادِثَاتِ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الشَّاعِرِ؛ الرَّبُّ رَبٌّ، وَإِنْ تَنَزَّلَ وَالْعَبْدُ عَبْدٌ، وَإِنْ تَرَقَّى لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ "أَحْمَدَ بْنِ تَيْمِيَّةَ الْإِمَامِ": كِتَابٌ مُسْتَقِلٌّ، فِي شَرْحِ حَدِيثِ النُّزُولِ. أَطَالَ فِيهِ، فِي بَيَانِ مَعْنَاهُ وَكَشْفِ مَبْنَاهُ، إِلَى أَجْزَاءٍ. وَأَتَى بِمَا لَا يَسْتَطِيعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ (مِنَ الْمُتَكَلِّمَةِ) : عَلَى التَّفَوُّهِ بِخِلَافِهِ، وَالتَّحَامُلِ عَلَيْهِ. إِنْ كَانَ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنَ الْحَيَاءِ وَنَصِيبٌ مِنَ الْإِنْصَافِ. وَمَا أَبْلَغَ تَفْصِيلَهُ، وَتَنْقِيحَهُ ! وَأَكْمَلَ تَوْضِيحَهُ، وَتَصْحِيحَهُ ! فَرَاجِعْهُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ: يَتَّضِحُ عَلَيْكَ الْأَمْرُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَلَا تَعْوِيلَ إِلَّا عَلَيْهِ. قَالَ الْقَسْطَلَانِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ. وَحَظُّ السَّلَفِ (مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ) : أَنْ يَقُولُوا: "آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا". قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ، عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ، مُسْتَعْمَلٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَمِنْهُمْ: مَنْ أَفْرَطَ فِي التَّأْوِيلِ، حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى نَوْعٍ مِنَ التَّحْرِيفِ. وَمِنْهُمْ: مِنْ فَصَّلَ بَيْنَ مَا يَكُونُ تَأْوِيلُهُ قَرِيبًا، وَمَا يَكُونُ بَعِيدًا مَهْجُورًا؛ فَأَوَّلَ فِي بَعْضٍ، وَفَوَّضَ فِي آخَرَ. وَنُقِلَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ. انْتَهَى. قُلْتُ: وَفِي صِحَّةِ النَّقْلِ "عَنْ مَالِكٍ" نَظَرٌ. كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ "ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ". وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا. وَيُؤَيِّدُهُ: قَوْلُ مَالِكٍ (فِي صِفَةِ اسْتِوَاءِ الرَّحْمَنِ عَلَى عَرْشِهِ) . وَحُكْمُ "جَمِيعِ الصِّفَاتِ": وَاحِدٌ. سَوَاءٌ كَانَ النُّزُولَ، أَوِ الِاسْتِوَاءَ. فَيَبْعُدُ كُلُّ الْبُعْدِ: أَنْ يُؤَوِّلَ (فِي الِاسْتِوَاءِ) ، وَيَخْتَارَ التَّأْوِيلَ (فِي النُّزُولِ) ، مَعَ عَدَمِ الْمُلْجِئِ إِلَيْهِ. فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ: ثَابِتٌ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ؛ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَالْآخَرُ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الْمُطَهَّرَةِ. قَالَ الْقَسْطَلَانِيُّ : قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَأَسْلَمُهَا: الْإِيمَانُ بِلَا كَيْفٍ، وَالسُّكُوتُ عَنِ الْمُرَادِ. إِلَّا أَنْ يَرِدَ ذَلِكَ عَنِ الصَّادِقِ، فَيُصَارَ إِلَيْهِ. انْتَهَى. قُلْتُ: كُلُّ مَنْ قَالَ بِالتَّأْوِيلِ، وَمَالَ إِلَى نَفْيِ التَّمْثِيلِ (بِمَا فَاهَ مِنَ الْقَالِ وَالْقِيلِ) : فَقَدْ قَالَ: بِأَنَّ "طَرِيقَةَ السَّلَفِ" هِيَ "أَسْلَمُ". وَمَنْ تَكَلَّمَ مِنْهُمْ بِأَنَّ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ "أَعْلَمُ": فَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الْآخَرُونَ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الْخَلْفِيَّةَ، هِيَ مَهْيَعُ الْجَهْلِ، دُونَ صِرَاطِ الْعِلْمِ. وَفِيهِ: نَفْيُ صِفَاتِ الصَّانِعِ الْقَدِيمِ، وَالْإِلَهِ الْكَرِيمِ، وَتَكْذِيبُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ الصَّادِقُ الْأَمِينُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ عَرَفْتَ - مِمَّا مَرَّ فِي هَذَا الْكِتَابِ، مَرَّاتٍ وَكَرَّاتٍ -: أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَيْنِ لَا غَيْرُ؛ "مَذْهَبَ السَّلَفِ": وَهُوَ التَّفْوِيضُ، مَعَ الْإِيمَانِ وَاعْتِقَادُ التَّنْزِيهِ: عَنِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، وَالِاجْتِنَابُ عَنِ التَّكْيِيفِ وَالتَّعْطِيلِ. وَ"مَذْهَبُ الْخَلَفِ": وَهُوَ إِنْزَالُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، عَلَى مَنَازِلَ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالتَّكَلُّفِ، فِي بَيَانِ مَعَانِيهَا، وَشَرْحِ مَبَانِيهَا. وَهُوَ يُضَادُّ طَرِيقَةَ الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْخَيْرِ، الَّتِي فِيهَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ. بِنَاءً عَلَى الْقَرْنِ الرَّابِعِ) . فَالتَّارِكُ لِمَذْهَبِ أَهْلِهَا، الَّذِينَ هُمُ الْعِبَارَةُ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ: مُخَالِفٌ لِلْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَعِصَابَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ أَجْمَعِينَ أَكْتَعَيْنِ أَبَصَعَيْنِ. وَالْآخِذُ بِطَرِيقَةِ الْمُؤَوِّلِينَ الْمُتَكَلِّمِينَ، الْخَائِضِينَ فِيمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ - وَقَدْ نُهُوا عَنْ ذَلِكَ: عَلَى لِسَانِ الْقُرْآنِ، وَبَيَانِ السُّنَّةِ -: مُتَمَسِّكٌ بِمَا لَمْ يُوجِبِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْدُبَاهُ إِلَيْهِ: فِي شَيْءٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَلَمْ يَرِدْ بِهِ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَلَا حَسَنٌ، بَلْ وَلَا ضَعِيفٌ. وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُمْ فِي ذَلِكَ: مَا أَوْقَعَ الْأُمَمَ مِنْ قَبْلِنَا. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ" الْحَدِيثَ. وَكُلُّ آفَةٍ فِي الدِّينِ، وَكُلُّ مُصِيبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ: فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ جِهَةِ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ، الَّتِي أَتَى بِهَا الْمُتَكَلِّمُونَ، وَفَاهُ بِهَا الْخَائِضُونَ، النَّاكِبُونَ عَنِ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ، وَالْمَنْهَجِ النَّبَوِيِّ. وَكَانَ السَّلَفُ الصُّلَحَاءُ (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفَضْلِهِ) : فِي عَافِيَةٍ تَامَّةٍ، وَسَلَامَةٍ عَامَّةٍ، مِنْ هَذِهِ الْخُزَعْبِيلَاتِ، وَالتَّكَلُّفَاتِ الْبَارِدَاتِ. وَقَدْ هَدَى اللَّهُ "سُبْحَانَهُ" عِصَابَةَ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ "بِالْمُحَدِّثِينَ": إِلَى تَطْهِيرِ أَذْيَالِ الْإِسْلَامِ - الَّذِي صَارَ غَرِيبًا، وَعَادَ مَهْجُورًا -: عَنْ أَلْوَاثِ تِلْكَ الْأَدْنَاسِ، وَتَنْزِيهِ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ - الَّذِي لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا اسْمٌ وَرَسْمٌ -: عَنِ التَّلَبُّسِ بِهَذِهِ الْأَرْجَاسِ. وَهَذَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ الْعُظْمَى، وَمُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِ الرِّسَالَةِ الْكُبْرَى. كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: "يَحْمِلُ هَذَا الدِّينَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ: عُدُولُهُ؛ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ". أَوْ كَمَا قَالَ. وَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ فِي أَحْوَالِ الْعِبَادِ، وَعَرَفْتَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْجِدَالِ وَالْعِنَادِ: عَلِمْتَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، الْحَامِلِينَ لِهَذَا الدِّينِ. وَهُمْ فِي تِلْكَ الْمَنْقَبَةِ "عُدُولٌ" عَلَى لِسَانِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ. وَقَدْ دَعَا لَهُمُ الرَّسُولُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ طَيِّبَةٍ؛ مِنْهَا: "نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا، سَمِعَ مَقَالَتِي" الْحَدِيثَ، وَنَحْوَهُ. فَعَلَيْكَ - يَا أَيُّهَا الْمُخْلِصُ ! - بِالدِّينِ الْخَالِصِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَبِالِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: فِي كُلِّ مَا تَأْتِي بِهِ وَتَذَرُ، وَتَرِدُ وَتُصْدِرُ؛ وَهَذَا الْحَقُّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ فَدَعْنِي عَنْ بِنْيَاتِ الطَّرِيقِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. هَذَا؛ وَقَدْ بَقِيَ بَعْضُ الْكَلَامِ، عَلَى بَعْضِ أَلْفَاظِ "حَدِيثِ الْبَابِ"؛ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: (ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ، وَالرَّفْعُ: صِفَةٌ لِثُلُثٍ. وَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ: لِأَنَّهُ وَقْتُ خَلْوَةٍ، وَمُنَاجَاةٍ، وَتَضَرُّعٍ، وَخُلُوِّ النَّفْسِ مِنْ خَوَاطِرِ الدُّنْيَا، وَشَوَاغِلِهَا. وَلَفْظُ الزُّرْقَانِيِّ : إِنَّهُ وَقْتُ التَّهَجُّدِ، وَغَفْلَةِ النَّاسِ: عَنِ التَّعَرُّضِ لِنَفَحَاتِ اللَّهِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ النِّيَّةُ خَالِصَةً، وَالرَّغْبَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَافِرَةً. وَذَلِكَ مَظِنَّةُ الْقَبُولِ، وَالْإِجَابَةِ. قَالَ: وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فِي تَعْيِينِ الْوَقْتِ. وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِ؛ قَالَ التِّرْمِذِيَّ : "رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ". وَيُقَوِّيهِ: أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةَ لَهُ، اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى رَاوِيهَا، وَانْحَصَرَتْ فِي سِتَّةٍ. هَذَا. وَثَانِيهَا: "إِذَا مَضَى الثُّلُثُ الْأَوَّلُ". ثَالِثُهَا: "الثُّلُثُ الْأَوَّلُ أَوِ النِّصْفُ". رَابِعُهَا: "النِّصْفُ". خَامِسُهَا: "الثُّلُثُ الْأَخِيرُ، أَوِ النِّصْفُ". سَادِسُهَا: "الْإِطْلَاقُ". فَجَمَعَ بَيْنَهَا: بِحَمْلِ "الْمُطْلَقَةِ"، عَلَى "الْمُقَيَّدَةِ". وَأَمَّا الَّتِي "بِأَوْ" فَإِنْ كَانَتْ لِلشَّكِّ: فَالْجَزْمُ مُقَدَّمٌ عَلَى الشَّكِّ. وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ حَالَتَيْنِ: فَيُجْمَعُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ، بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ. لِأَنَّ أَوْقَاتَ اللَّيْلِ، تَخْتَلِفُ فِي الزِّيَادَةِ، وَفِي الْأَوْقَاتِ: بِاخْتِلَافِ تَقْدِيمِ اللَّيْلِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَتَأَخُّرِهِ عِنْدَ قَوْمٍ. أَوِ النُّزُولُ: يَقَعُ فِي "الثُّلُثِ الْأَوَّلِ"، وَالْقَوْلُ: يَقَعُ فِي "النِّصْفِ، وَفِي الثُّلُثِ الثَّانِي". أَوْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى وُقُوعِهِ: فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، الَّتِي وَرَدَتْ بِهَا الْأَحَادِيثُ. وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَعْلَمُ بِأَحَدِ الْأُمُورِ فِي وَقْتٍ؛ فَأَخْبَرَ بِهِ. ثُمَّ أَعْلَمُ بِالْآخَرِ: فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَأَخْبَرَ بِهِ. فَنَقَلَ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ عَنْهُ. انْتَهَى كَلَامُ الزُّرْقَانِيِّ . وَآخِرُهُ يُوَافِقُ: مَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّوَوِيِّ . وَمِثْلُهُ بِلَفْظِهِ: فِي الْقَسْطَلَانِيِّ، لَكِنَّهُ لَمْ يَعْزُهُ إِلَى أَحَدٍ كَمَا هُوَ عَادَتُهُ "عَفَا اللَّهُ عَنْهُ": فِي النُّقُولِ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَزَادَ: وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ الدُّعَاءَ فِي هَذَا الْوَقْتِ مُجَابٌ. وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ: تَخَلُّفُهُ عَنْ بَعْضِ الدَّاعِينَ، فَقَدْ يَكُونُ لِخَلَلٍ، فِي شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الدُّعَاءِ، كَالِاحْتِرَازِ: فِي الْمَطْعَمِ، وَالْمَشْرَبِ، وَالْمَلْبَسِ. أَوْ لِاسْتِعْجَالِ الدَّاعِي. أَوْ بِأَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ بِإِثْمِ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ. أَوْ تَحْصُلُ الْإِجَابَةُ، وَيَتَأَخَّرُ حُصُولِ الْمَطْلُوبِ: لِمَصْلَحَةِ الْعَبْدِ. أَوْ لِأَمْرٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى. انْتَهَى. وَمِثْلُهُ فِي الزُّرْقَانِيِّ أَيْضًا. قَالَ الزُّرْقَانِيُّ : وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنِ الزُّهْرِيِّ: فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثَةِ. (يَعْنِي: اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ، وَإِعْطَاءَ السَّائِلِ، وَمَغْفِرَةَ الْمُسْتَغْفِرِ) . وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا؛ أَنَّ الْمَطْلُوبَ: إِمَّا "رَفْعُ الْمَضَارِّ"، أَوْ "جَلْبُ الْمَسَارِّ". وَذَلِكَ: إِمَّا دُنْيَوِيٌّ، أَوْ دِينِيٌّ. فَفِي "الِاسْتِغْفَارِ": إِشَارَةٌ إِلَى الْأَوَّلِ. "وَالدُّعَاءُ": إِشَارَةٌ إِلَى الثَّانِي. وَ"السُّؤَالُ": إِشَارَةٌ إِلَى الثَّالِثِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الدُّعَاءَ: مَا لَا طَلَبَ فِيهِ. وَالسُّؤَالَ: الطَّلَبُ. وَيُحْتَمَلُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ وَاحِدٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ. انْتَهَى. وَزَادَ سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : "هَلْ مِنْ تَائِبٍ، فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟". وَزَادَ أَبُو جَعْفَرٍ، عَنْهُ: "مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي، فَأُرْزَقَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ، فَأَكْشِفُ عَنْهُ؟". وَزَادَ عَطَاءٌ (مَوْلَى أُمِّ صُبْيَةَ) بِضَمِّ الصَّادِ: "أَلَا سَقِيمٌ يَسْتَشْفِي، فَيُشْفَى؟" رَوَاهَا النَّسَائِيُّ . وَمَعَانِيهَا: دَاخِلَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: "حَتَّى الْفَجْرِ". وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: "حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ" وَعَلَيْهِ: اتَّفَقَ مُعْظَمُ الرِّوَايَاتِ. وَلِلنَّسَائِيِّ: "حَتَّى تَحِلَّ الشَّمْسُ" وَهِيَ شَاذَّةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: تَفْضِيلُ آخِرِ اللَّيْلِ، عَلَى أَوَّلِهِ. وَأَنَّهُ أَفْضَلُ لِلدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ. وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: "وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ". وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ عَنِ النَّوَوِيِّ . قَالَ الزُّرْقَانِيُّ : هَذَا؛ وَقَدْ حَمَلَ الْمُشَبِّهَةُ: الْحَدِيثَ، وَأَحَادِيثَ التَّشْبِيهِ كُلَّهَا: عَلَى ظَاهِرِهَا. تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ، وَالْخَوَارِجُ: فَأَنْكَرُوا صِحَّتَهَا جُمْلَةً. وَهُوَ مُكَابَرَةٌ. وَالْعَجَبُ: أَنَّهُمْ أَوَّلُوا مَا فِي الْقُرْآنِ، مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنْكَرُوا الْأَحَادِيثَ جَهْلًا، أَوْ عِنَادًا. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ: مِنْ فَرَّقَ بَيْنَ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ، الْمُسْتَعْمَلِ لُغَةً، وَبَيْنَ الْبَعِيدِ الْمَهْجُورِ. وَجَزَمَ بِهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ: "ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ". وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ نَحْوُهُ عَنِ الْقَسْطَلَانِيِّ . وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنِ الزُّرْقَانِيِّ، مَعَ تَصَرُّفٍ فِيهِ غَيْرِ صَالِحٍ. كَمَا يَصْنَعُ فِي تَلْخِيصِ عِبَارَاتِ الْقَوْمِ: بِحَذْفِ السِّبَاقِ تَارَةً، وَبِحَذْفِ السِّيَاقِ أُخْرَى، وَبِالْخَلْطِ بَيْنَ أَقْوَالٍ عَدِيدَةٍ. آوِنَةً. وَآوِنَةً بِتَرْكِ الضَّرُورِيِّ، وَذِكْرِ الْفُضُولِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلَا يَخْفَاكَ: أَنْ "الْمُشَبِّهَةَ"، لُغَةً، وَاصْطِلَاحًا: هُمُ الَّذِينَ يُجْرُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ: عَلَى ظَاهِرِهَا، مَعَ اعْتِقَادِ: تَشْبِيهٍ، وَتَمْثِيلٍ، وَتَكْيِيفٍ. وَيُحَدِّدُونَ وَيُمَكِّنُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ أَمْضَوْهَا: عَلَى ظَاهِرِهَا، مَعَ عَقِيدَةِ النَّزَاهَةِ. وَأَجْرَوْهَا كَمَا جَاءَتْ: مِنْ غَيْرِ تَعْطِيلٍ، وَلَا تَكْيِيفٍ. "فَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ". وَإِطْلَاقُ: "الْمُشَبِّهَةِ". أَوْ "الْمُجَسِّمَةِ" عَلَيْهِمْ - مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ -: دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِأَقْوَالِهِمْ، وَعَقَائِدِهِمْ. وَقَدِ اسْتَطَالَ هَؤُلَاءِ الْخَائِضُونَ: فِي حَامِلِي الْأَخْبَارِ، وَنَقَلَةِ الْآثَارِ. فَسَمَّوُا الْمُحَدِّثِينَ الْمُتَّقِينَ (الْمُتَّبِعِينَ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، النَّافِينَ عَنْهُمَا: تَأْوِيلَ الْجَهَلَةِ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلَةِ، وَتَحْرِيفَ الْغُلَاةِ) : مُشَبِّهَةً. وَمُجَسِّمَةً. وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ مِنْهُمْ لَهُمْ: خَطَأٌ فَاحِشٌ، وَجَهْلٌ بَسِيطٌ. شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَلَا رَيْبَ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ "كَثَّرَ اللَّهُ تَعَالَى سَوَادَهُمْ، وَرَفَعَ مَنَارَهُمْ وَعِمَادَهُمْ": لَيْسُوا مِنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، فِي قَبِيلٍ وَلَا دَبِيرٍ. هَذِهِ كُتُبُهُمْ عَلَى وَجْهِ الْبَسِيطَةِ. فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُمْ كَذَلِكَ، فَلْيَتَفَضَّلْ عَلَيْنَا: بِنَقْلِ قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ. حَتَّى نَنْظُرَ فِيهِ. وَإِنَّا اسْتَقْرَيْنَا كَلَامَهُمْ: فِي غَالِبِ صُحُفِهِمْ، وَأَكْثَرِ دَوَاوِينِهِمْ؛ فَلَمْ نَجِدْهُمْ إِلَّا قَائِلِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } . وَهَذِهِ: مُعَالَجَةٌ: لِسَقَمِ الْأَوْهَامِ وَدَوَاءٌ لِدَاءِ الْأَسْقَامِ، وَشِفَاءٌ لِأَوَامِ الْجَهْلِ: عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَالتَّمَامِ. قَالَ الشَّوْكَانِيُّ (فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ) : وَالنُّزُولُ الْمَذْكُورُ، فِي الْأَحَادِيثِ، قَدْ طَوَّلَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ: الْكَلَامَ فِي تَأْوِيلِهِ. وَأَنْكَرَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ بِهِ: كَثِيرٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ. وَالطَّرِيقَةُ الْمُسْتَقِيمَةُ: مَا كَانَ عَلَيْهِ التَّابِعُونَ: كَالزُّهْرِيِّ، وَمَكْحُولٍ. إِلَى قَوْلِهِ: "وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ"، وَغَيْرِهِمْ. فَإِنَّهُمْ أَجْرَوْهَا: كَمَا جَاءَتْ، بِلَا كَيْفِيَّةٍ، وَلَا تَعَرُّضٍ لِتَأْوِيلٍ. انْتَهَى. قُلْتُ: وَقَدْ أَفْرَدَ جَمَاعَةٌ جَمَّةٌ: "تَصَانِيفَ" فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ، وَدَلَائِلِ السِّمَاتِ. هِيَ كَافِيَةٌ: لِحَلِّ إِشْكَالِ جَمِيعِ الْأَغْرَاضِ، شَافِيَةٌ: عَنْ أَدْوَاءِ جُمْلَةِ الْأَمْرَاضِ. وَهَذِهِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ "ابْنِ تَيْمِيَّةَ" الْإِمَامِ (أَوَّلًا) ، وَلِتِلْمِيذِهِ الْحَافِظِ ابْنِ الْقَيِّمِ" (ثَانِيًا) ، وَلِإِمَامِ الْيَمَنِ: الْعَلَامَةِ الشَّوْكَانِيِّ (ثَالِثًا) ، وَلِهَذَا الْعَبْدِ الْفَانِي (رَابِعًا) ، وَلِغَيْرِنَا: مِنَ السَّلَفِ، وَبَعْضِ الْخَلَفِ (خَامِسًا) . وَالْمَهْدِيُّ: مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَلِلْكَلَامِ (عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ) : مَسَاغٌ وَاسِعٌ، لَا يُحْصِيهِ الْمَقَامُ. وَفِي مَا ذَكَرْنَاهُ: مَقْنَعٌ وَبَلَاغٌ.

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية