الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 5 (بَابٌ مِنْهُ) وَذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ (بَابُ تَغْلِيظِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) . (حَدِيثُ الْبَابِ) وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيِّ، ص 69، 70 ج1، الْمَطْبَعَةِ الْمِصْرِيَّةِ ( عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ») . السراج الوهاج (الشَّرْحُ) وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ: مِنْهَا: حَدِيثُ عَلِيٍّ، بِلَفْظِ: « لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبُ عَلَيَّ يَلِجُ النَّارَ ». وَحَدِيثُ أَنَسٍ، بِلَفْظِ قَالَ: « مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ». وَمِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ عَظِيمٌ، فِي نِهَايَةٍ مِنَ الصِّحَّةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مُتَوَاتِرٌ. ذَكَرَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِينَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ. وَحَكَى الصَّيْرَفِيُّ : أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ صَحَابِيًّا، مَرْفُوعًا. وَذَكَرَ « ابْنُ مَنْدَهْ » عَدَدَ مَنْ رَوَاهُ، فَبَلَغَ بِهِمْ سَبْعَةً وَثَمَانِينَ. ثُمَّ قَالَ: وَغَيْرُهُمْ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ صَحَابِيًّا، وَفِيهِمُ: «الْعَشَرَةُ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ» قَالَ: وَلَا يُعْرَفُ حَدِيثٌ اجْتَمَعَ عَلَى رِوَايَتِهِ الْعَشَرَةُ إِلَّا هَذَا. وَلَا حَدِيثٌ يُرْوَى عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ صَحَابِيًّا إِلَّا هَذَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَوَاهُ مِائَتَانِ مِنَ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ فِي ازْدِيَادٍ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَالزُّبَيْرِ، وَأَنَسٍ، وَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرِهِمْ. وَإِيرَادُ الْحُمَيْدِيِّ (صَاحِبِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا) : حَدِيثَ أَنَسٍ «فِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ» لَيْسَ بِصَوَابٍ، فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ. وَمَعْنَى «فَلْيَتَبَوَّأْ»: «فَلْيَنْزِلْ» -وَقِيلَ: فَلْيَتَّخِذْ- مَنْزِلَهُ مِنَ النَّارِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَصْلُهُ مِنْ «مَبَاءَةِ الْإِبِلِ» وَهِيَ أَعْطَانُهَا. ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهُ دُعَاءٌ، بِلَفْظِ الْأَمْرِ، أَيْ بَوَّأَهُ اللَّهُ ذَلِكَ. وَكَذَا «فَلْيَلِجِ النَّارَ». وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ، بِلَفْظِ الْأَمْرِ. أَيْ: فَقَدِ اسْتَوْجَبَ ذَلِكَ، فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلَيْهِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: «يَلِجُ النَّارَ». وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: «بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي النَّارِ». ثُمَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ. وَقَدْ يُجَازَى بِهِ، وَقَدْ يَعْفُو اللَّهُ الْكَرِيمُ عَنْهُ، وَلَا يُقْطَعُ عَلَيْهِ بِدُخُولِ النَّارِ. قَالَ: وَهَكَذَا سَبِيلُ كُلِّ مَا جَاءَ «مِنَ الْوَعِيدِ بِالنَّارِ» لِأَصْحَابِ الْكَبَائِرِ، غَيْرِ الْكُفْرِ، فَكُلُّهَا يُقَالُ فِيهَا: هَذَا جَزَاؤُهُ. وَقَدْ يُجَازَى، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّ جُوزِيَ، وَأُدْخِلَ النَّارَ: فَلَا يَخْلُدُ فِيهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ مِنْهَا، بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ، وَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ أَحَدٌ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ. قَالَ: وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَأَمَّا الْكَذِبُ، فَهُوَ «عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ»: الْإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ -عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا- هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ. قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ : شَرْطُهُ «الْعَمْدِيَّةُ». وَدَلِيلُ خِطَابِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: لَنَا؛ فَإِنَّهُ قَيَّدَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «بِالْعَمْدِ» لِكَوْنِهِ قَدْ يَكُونُ عَمْدًا، وَقَدْ يَكُونُ سَهْوًا. مَعَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ وَالنُّصُوصَ الْمَشْهُورَةَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُتَوَافِقَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى النَّاسِي وَالْغَالِطِ، فَلَوْ أَطْلَقَ الْكَذِبَ لَتُوُهِّمَ أَنَّهُ يَأْثَمُ النَّاسِي أَيْضًا، فَقَيَّدَهُ. وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ الْمُطْلَقَةُ: فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ بِالْعَمْدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَشْتَمِلُ عَلَى فَوَائِدَ، وَجُمَلٍ مِنَ الْقَوَاعِدِ: إِحْدَاهَا: تَقْرِيرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ الْكَذِبَ يَتَنَاوَلُ إِخْبَارَ الْعَامِدِ وَالسَّاهِي عَنِ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ. الثَّانِيَةُ: تَعْظِيمُ تَحْرِيمِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ فَاحِشَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمُوبِقَةٌ كَبِيرَةٌ، وَلَكِنْ لَا يَكْفُرُ بِهَذَا الْكَذِبِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّهُ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الطَّوَائِفِ. قَالَ الْجُوَيْنِيُّ (مِنَ الشَّافِعِيَّةِ) : يَكْفُرُ بِتَعَمُّدِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دَرْسِهِ كَثِيرًا: مَنْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَمْدًا: كَفَرَ، وَأُرِيقَ دَمُهُ. وَضَعَّفَ ابْنُهُ «إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ» هَذَا الْقَوْلَ. وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَرَهُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّهُ هَفْوَةٌ عَظِيمَةٌ. وَالصَّوَابُ: مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. انْتَهَى. قُلْتُ: الرَّاجِحُ بِالنَّظَرِ إِلَى أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ: مَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ . وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ « إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ » فَهَذَا نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَبِهِ حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ. وَلَا شَكَّ: أَنَّ مَفَاسِدَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَا تُحْصَى، فَحُقَّ أَنْ يَكُونَ الْعَامِدُ بِالْكَذِبِ عَلَيْهِ كَافِرًا، أَهْلًا لِإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ. وَقَدْ حَكَمَ السَّلَفُ بِقَتْلِ الْعَاصِي بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا، فِي مَسَائِلِ الدِّينِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِإِسَاءَةِ الْأَدَبِ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَمُخَالَفَتِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي أَدْنَى شَيْءٍ مِمَّا قَالَهُ، أَوْ فَعَلَهُ، أَوْ نَدَبَ إِلَيْهِ. فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ يَكْذِبُ عَلَيْهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَيُضِلُّ النَّاسَ؟! نَعَمْ! هَذَا الْحُكْمُ وَالسَّفْكُ مُقَيَّدٌ بِالْعَمْدِ، فَيَكُونُ السَّاهِي وَالنَّاسِي وَنَحْوُهُمَا خَارِجَيْنِ عَنْ هَذِهِ الْفَتْوَى. وَمَقَامُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، أَرْفَعُ وَأَعْلَى مِنْ أَنْ يُسَاهِلَ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، الَّتِي لَهَا نِسْبَةٌ أَوْ أَدْنَى مُلَابَسَةٍ أَوْ إِضَافَةٍ إِلَيْهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. فَلَيْسَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي- كَغَيْرِهِ، وَلَا غَيْرُهُ كَهُوَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. قَالَ النَّوَوِيُّ : ثُمَّ إِنَّ مَنْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَمْدًا، فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، فُسِّقَ وَرُدَّتْ رِوَايَاتُهُ كُلُّهَا، وَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِجَمِيعِهَا. فَلَوْ تَابَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ -مِنْهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَصَاحِبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَصْحَابِ الْوُجُوهِ مِنْهُمْ، وَمُتَقَدِّمِيهِمْ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ- لَا تُؤَثِّرُ تَوْبَتُهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أَبَدًا، بَلْ يُحَتَّمُ جَرْحُهُ دَائِمًا. وَأَطْلَقَ الصَّيْرَفِيُّ، وَقَالَ: كُلُّ مَنْ أَسْقَطْنَا خَبَرَهُ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ بِكَذِبٍ وَجَدْنَاهُ عَلَيْهِ لَمْ نَعُدْ لِقَبُولِهِ بِتَوْبَةٍ تَظْهَرُ، وَمَنْ ضَعَّفْنَا نَقْلَهُ لَمْ نَجْعَلْهُ قَوِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ: وَذَلِكَ مِمَّا افْتَرَقَتْ فِيهِ الرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ، وَلَمْ أَرَ دَلِيلًا لِمَذْهَبِ هَؤُلَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ ذَلِكَ جُعِلَ تَغْلِيظًا وَزَجْرًا عَنِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؛ لِعِظَمِ مَفْسَدَتِهِ؛ فَإِنَّهُ يَصِيرُ شَرْعًا مُسْتَمِرًّا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ -بِخِلَافِ الْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ وَالشَّهَادَةِ- فَإِنَّ مَفْسَدَتَهَا قَاصِرَةٌ، لَيْسَتْ عَامَّةً. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ: ضَعِيفٌ، مُخَالِفٌ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ. وَالْمُخْتَارُ: الْقَطْعُ بِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ فِي هَذَا، وَقَبُولِ رِوَايَاتِهِ بَعْدَهَا - إِذَا صَحَّتْ تَوْبَتُهُ بِشُرُوطِهَا الْمَعْرُوفَةِ- وَهِيَ الْإِقْلَاعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَالنَّدَمُ عَلَى فِعْلِهَا، وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهَا. فَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ رِوَايَةِ مَنْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ، وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ فِي هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. وَأَقُولُ: قَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ الْوَاضِحَةُ، الَّتِي لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ مَحَّاءُ الذُّنُوبِ، أَيَّ ذَنْبٍ كَانَ، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَلَا أَعْظَمَ مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَهُمَا يُمْحَيَانِ بِالتَّوْبَةِ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا هُوَ دُونَهُمَا فِي الْإِثْمِ وَالْوِزْرِ؟! وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. فَإِذَا عَفَا اللَّهُ عَنْ إِثْمِهِ هَذَا، الَّذِي لَا يُسَاوِيهِ مَعْصِيَةٌ -فَإِنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ الشِّرْكِ وِزْرٌ- بِالتَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ، وَنَدَبَ النَّاسَ إِلَيْهَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَعَفْوُ اللَّهِ عَمَّنْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، مُتَعَمِّدًا، ثُمَّ تَابَ عَنْهُ تَوْبَةً نَصُوحًا، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ بَعْدَهُ كَذِبٌ، وَلَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ احْتِمَالٌ، وَوُجِدَ صِدْقُهُ بِالتَّجْرِبَةِ، وَنَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ، وَعَزَمَ عَلَى الْإِقْلَاعِ فِيمَا يَأْتِي مِنَ الزَّمَانِ: لَيْسَ بِبَعِيدٍ وَلَا بَدِيعٍ. وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ عَلَى غَضَبِهِ. وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ، وَغَيْرِهِمَا، فَالْكُلُّ لَهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ. وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ «رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى» مَحْمُولٌ عَلَى التَّغْلِيظِ، وَالذَّبِّ عَنِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ. وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَقَدْ تَقْتَضِي الْمَصْلَحَةُ مِثْلَ ذَلِكَ، فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، بِحَسَبِ الْأَزْمَانِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ. وَلَا يُرَادُ بِهَا حَقَائِقُهَا الْمَقْضِيُّ بِهَا عَلَى الْقَطْعِ. فَتَأَمَّلْ. قَالَ النَّوَوِيُّ : الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي تَحْرِيمِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: بَيْنَ مَا كَانَ فِي الْأَحْكَامِ وَمَا لَا حُكْمَ فِيهِ (كَالتَّرْغِيبِ، وَالتَّرْهِيبِ، وَالْمَوَاعِظِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ) فَكُلُّهُ حَرَامٌ، مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَأَقْبَحِ الْقَبَائِحِ: بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، الَّذِينَ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ. خِلَافًا لِلْكَرَّامِيَّةِ (الطَّائِفَةِ الْمُبْتَدِعَةِ) فِي زَعْمِهِمُ الْبَاطِلِ: أَنَّهُ يَجُوزُ وَضْعُ الْحَدِيثِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَتَابَعَهُمْ عَلَى هَذَا كَثِيرُونَ مِنَ الْجَهَلَةِ، الَّذِينَ يَنْسُبُونَ أَنْفُسَهُمْ إِلَى الزُّهْدِ، وَيَنْسُبُهُمُ الْجَهَلَةُ مِثْلُهُمْ. وَشُبْهَةُ زَعْمِهِمُ الْبَاطِلِ: أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا؛ لِيُضِلَّ بِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ هَذَا كَذِبٌ لَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، لَا كَذِبٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا الَّذِي انْتَحَلُوهُ وَفَعَلُوهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِهِ غَايَةُ الْجَهَالَةِ، وَنِهَايَةُ الْغَفْلَةِ وَالسَّفَاهَةِ، وَأَدَلُّ الدَّلَائِلِ عَلَى بُعْدِهِمْ مِنْ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، وَقَدْ جَمَعُوا فِيهِ جُمَلًا مِنَ الْأَغَالِيطِ اللَّائِقَةِ بِعُقُولِهِمُ السَّخِيفَةِ، وَأَذْهَانِهِمُ الْبَعِيدَةِ الْفَاسِدَةِ، فَخَالَفُوا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا . وَخَالَفُوا صَرِيحَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي إِعْظَامِ شَهَادَةِ الزُّورِ. وَخَالَفُوا إِجْمَاعَ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّاتِ فِي تَحْرِيمِ الْكَذِبِ عَلَى آحَادِ النَّاسِ، فَكَيْفَ بِمَنْ قَوْلُهُ شَرْعٌ، وَكَلَامُهُ وَحْيٌ؟! وَإِذَا نُظِرَ فِي قَوْلِهِمْ وُجِدَ «كَذِبًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ تَعَالَى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى . وَمِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ: قَوْلُهُمْ «هَذَا كَذِبٌ لَهُ» وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُمْ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَخِطَابِ الشَّرْعِ؛ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ كَذِبٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ، فَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ: أَحْسَنُهَا وَأَخْصَرُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ «لِيُضِلَّ النَّاسَ»: زِيَادَةٌ بَاطِلَةٌ، اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى إِبْطَالِهَا، وَأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ «صَحِيحَةً بِحَالٍ». الثَّانِي: جَوَابُ الطَّحَاوِيِّ: أَنَّهَا لَوْ صَحَّتْ لَكَانَتْ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ . الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّامَ فِي «لِيُضِلَّ» لَيْسَتْ لَامَ التَّعْلِيلِ، بَلْ هِيَ لَامُ الصَّيْرُورَةِ وَالْعَاقِبَةِ. مَعْنَاهُ: أَنَّ عَاقِبَةَ كَذِبِهِ وَمَصِيرَهُ: إِلَى الْإِضْلَالِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا وَنَظَائِرُهُ فِي الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَاهُ: فَقَدْ يَصِيرُ أَمْرُ كَذِبِهِ إِضْلَالًا. وَعَلَى الْجُمْلَةِ: مَذْهَبُهُمْ أَرَكُّ مِنْ أَنْ يُعْتَنَى بِإِيرَادِهِ، وَأَبْعَدُ مِنْ أَنْ يُهْتَمَّ بِإِبْعَادِهِ، وَأَفْسَدُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ إِلَى إِفْسَادِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية