الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 4830 بَابٌ: مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً فِي الْإِسْلَامِ وَزَادَ النَّوَوِيُّ : (وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدًى أَوْ ضَلَالَةٍ) . (حَدِيثُ الْبَابِ) وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيِّ، ص 225، 226 ج 16، الْمَطْبَعَةِ الْمِصْرِيَّةِ (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -عَلَيْهِمُ الصُّوفُ- فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ، قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَبْطَأُوا عَنْهُ، حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَ ثُمَّ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتَابَعُوا، حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَنَّ -فِي الْإِسْلَامِ- سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا. وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَمَنْ سَنَّ -فِي الْإِسْلَامِ- سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ») . السراج الوهاج (الشَّرْحُ) (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ، عَلَيْهِمُ الصُّوفُ، فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ، قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَبْطَأُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتَابَعُوا، حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا) مَعْنَاهُ: أَنَّهُ سَنَّهَا، سَوَاءً كَانَ الْعَمَلُ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ بَعْدَ مَمَاتِهِ (بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: « لَا يَسُنُّ عَبْدٌ سُنَّةً صَالِحَةً يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ » ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الْحَثِّ عَلَى اسْتِحْبَابِ سَنِّ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ، وَتَحْرِيمِ سَنِّ الْأُمُورِ السَّيِّئَةِ، وَأَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ كُلِّ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ كُلِّ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. انْتَهَى. قُلْتُ: وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى، بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ سَنِّ الْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ. وَلَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّنِّ هُنَا الْعَمَلُ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، الْمَحْثُوثِ عَلَيْهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، لَا ابْتِدَاعُ شَيْءٍ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ. وَكَذَا الْمُرَادُ بِسَنِّ السَّيِّئَةِ: الْعَمَلُ بِالْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الدِّينِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَثَّ أَصْحَابَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ، يَصَّدَّقُونَ بِهَا عَلَى الْأَعْرَابِ الْمَحَاوِيجِ، فَلَمَّا أَبْطَأُوا عَنْهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فَأَقْدَمَ عَلَى الِامْتِثَالِ بَعْضُ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: «مَنْ سَنَّ إِلَخْ» وَهَذَا يُوَضِّحُ الْمُرَادَ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ، الَّذِينَ يَسْتَحْدِثُونَ فِي الدِّينِ، وَيَبْتَدِعُونَ فِي الْإِسْلَامِ، لَا لَهُمْ «عَلَى اسْتِحْسَانِ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ» كَيْفَ؟ وَمِلَّةُ الْإِسْلَامِ غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إِلَى التَّكْمِيلِ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الِابْتِدَاعَاتِ، الَّتِي يَشْمَلُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: « كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ». وَلَيْسَ يَصْدُقُ حَدِيثُ الْبَابِ إِلَّا عَلَى مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنَ السُّنَنِ، أَوْ أَمَاتَ بِدْعَةً مِنَ الْبِدَعِ. فَلَفْظَةُ «سَنَّ» هُنَا: وَقَعَتْ مَوْقِعَ الْإِحْيَاءِ، وَالْإِشَاعَةِ، وَالْإِذَاعَةِ، وَالنَّشْرِ، وَالْبَثِّ، دُونَ الدَّلَالَةِ عَلَى تَشْرِيعِ شَيْءٍ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَتَبْدِيعِ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِهِ الَّتِي حَوَاهَا قَوْلُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: « مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ » وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَعِلْمُهُ أَتَمُّ وَأَحْكَمُ.

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية