الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 4803 بَابٌ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : (بَابٌ: مَعْنَى «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» وَحُكْمُ مَوْتَى أَطْفَالِ الْكُفَّارِ، وَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ) . (حَدِيثُ الْبَابِ) وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيِّ، ص 207، 208 ج 16، الْمَطْبَعَةِ الْمِصْرِيَّةِ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ. فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ. كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا -إِنْ شِئْتُمْ- فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ الْآيَةَ . السراج الوهاج (الشَّرْحُ) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَيُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) الْإِسْلَامِيَّةِ. فَفِيهِ: الْقَابِلِيَّةُ لِلدِّينِ الْحَقِّ، فَلَوْ تُرِكَ وَطَبْعَهُ لَمَا اخْتَارَ دِينًا غَيْرَهُ. أَيْ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ، حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ. (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ) أَيْ: يَجْعَلَانِهِ يَهُودِيًّا، إِذَا كَانَا مِنَ الْيَهُودِ (وَيُنَصِّرَانِهِ) أَيْ: يَجْعَلَانِهِ نَصْرَانِيًّا، إِذَا كَانَا مِنَ النَّصَارَى. وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ أَوْ لِلسَّبَبِ، أَيْ: إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَمَنْ تَغَيَّرَ كَانَ بِسَبَبِ أَبَوَيْهِ. (وَيُمَجِّسَانِهِ) أَيْ: يَجْعَلَانِهِ مَجُوسِيًّا، إِذَا كَانَا مِنَ الْمَجُوسِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : أَمَّا الْفِطْرَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، فَقَالَ الْمَازِرِيُّ : هِيَ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَأَنَّ الْوِلَادَةَ تَقَعُ عَلَيْهَا، حَتَّى يَحْصُلَ التَّغْيِيرُ بِالْأَبَوَيْنِ. وَقِيلَ: هِيَ مَا قُضِيَ عَلَيْهِ مِنْ سَعَادَةٍ أَوْ شَقَاوَةٍ، وَيَصِيرُ إِلَيْهَا. وَقِيلَ: هِيَ مَا هُيِّئَ لَهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ، وَقَبْلَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كَأَنَّهُ يَعْنِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ: لَمْ يَرِثْهُمَا وَلَمْ يَرِثَاهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَهُمَا كَافِرَانِ. وَلَمَا جَازَ أَنْ يُسْبَى، فَلَمَّا فُرِضَتِ الْفَرَائِضُ، وَتَقَرَّرَتِ السُّنَنُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى دِينِهِمَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : يُولَدُ عَلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ سَعَادَةٍ أَوْ شَقَاوَةٍ، فَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَصِيرُ كَافِرًا وُلِدَ عَلَى الْكُفْرِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِقْرَارِ بِهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ يُولَدُ إِلَّا وَهُوَ يُقِرُّ بِأَنَّ لَهُ صَانِعًا، وَإِنْ سَمَّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، أَوْ عَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ مُتَهَيِّئًا لِلْإِسْلَامِ، فَمَنْ كَانَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا اسْتَمَرَّ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُهُمَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مَعْنَى: (يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ) أَيْ: يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِمَا فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ بَلَغَ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُ الْكُفْرِ، وَدِينُهُمَا. فَإِنْ كَانَتْ سَبَقَتْ لَهُ سَعَادَةٌ أَسْلَمَ، وَإِلَّا مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ. وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَمِ النَّارِ؟ أَمْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ؟ فَفِيهِ الْمَذَاهِبُ الثَّلَاثَةُ الْآتِيَةُ قَرِيبًا. الْأَصَحُّ: أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. انْتَهَى. (كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً) بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى، وَفَتْحِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ، وَرَفْعِ «الْبَهِيمَةُ» وَنَصْبِ «بَهِيمَةً» وَمَعْنَاهُ: كَمَا تَلِدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً (جَمْعَاءَ) بِالْمَدِّ، أَيْ: مُجْتَمِعَةَ الْأَعْضَاءِ، سَلِيمَةً مِنْ نَقْصٍ. (هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟) بِالْمَدِّ، وَهِيَ مَقْطُوعَةُ «الْأُذُنِ» أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْضَاءِ. مَعْنَاهُ: أَنَّ الْبَهِيمَةَ تَلِدُ الْبَهِيمَةَ كَامِلَةَ الْأَطْرَافِ، لَا نَقْصَ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ فِيهَا الْجَدْعُ وَالنَّقْصُ بَعْدَ وِلَادَتِهَا. وَزَادَ فِي الْبُخَارِيِّ : «حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا» أَيْ: تَقْطَعُونَ أَطْرَافَهَا، أَوْ شَيْئًا مِنْهَا، شُبِّهَ بِالْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ؛ لِيُفِيدَ أَنَّ ظُهُورَهُ بَلَغَ فِي الْكَشْفِ وَالْبَيَانِ مَبْلَغَ هَذَا الْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ مِنَ الْحَيَوَانِ. (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا -إِنْ شِئْتُمْ- فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ الْآيَةَ) وَهِيَ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. وَحَاصِلُ الْكَلَامِ -فِي هَذَا الْمَقَامِ- أَنَّ الْعَالَمَ، إِمَّا عَالَمُ الْغَيْبِ أَوْ عَالَمُ الشَّهَادَةِ، فَإِذَا نُزِّلَ الْحَدِيثُ عَلَى الْأَوَّلِ أُشْكِلَ مَعْنَاهُ، وَإِذَا صُرِفَ إِلَى الْآخَرِ سَهُلَ تَعَاطِيهِ، فَإِذَا نَظَرَ النَّاظِرُ إِلَى الْمَوْلُودِ نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ عَالَمِ الْغَيْبِ، وَأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ: مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَعْرِفَةِ، وَقَبُولِ الْحَقِّ، وَالتَّأَبِّي عَنِ الْبَاطِلِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ: حُكِمَ بِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْتَوِرْهُ مِنَ الْخَارِجِ مَا يَصُدُّهُ: اسْتَمَرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَالْخِلْقَةِ الصَّحِيحَةِ. وَانْظُرْ قَتْلَ الْخَضِرِ «عَلَيْهِ السَّلَامُ» الْغُلَامَ؛ إِذْ كَانَ بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ، وَإِنْكَارَ مُوسَى «عَلَيْهِ السَّلَامُ» عَلَيْهِ كَانَ بِاعْتِبَارِ عَالَمِ الشَّهَادَةِ، وَظَاهِرِ الشَّرْعِ. فَلَمَّا اعْتَذَرَ الْخَضِرُ بِالْعِلْمِ الْخَفِيِّ الْغَائِبِ: أَمْسَكَ مُوسَى عَنِ الْإِنْكَارِ. فَلَا عِبْرَةَ بِالْإِيمَانِ الْفِطْرِيِّ، فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ الْمُكْتَسَبُ بِالْإِرَادَةِ وَالْفِعْلِ.

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية