الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 3786 بَابٌ، فِي اسْتِئْذَانِ الصَّغِيرِ فِي إِعْطَاءِ الشُّيُوخِ وَهُوَ فِي النَّوَوِيِّ فِي : ( الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ) . حَدِيثُ الْبَابِ وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيُّ ص 201 ج 13 الْمَطْبَعَةُ الْمِصْرِيَّةُ [عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ. فَقَالَ لِلْغُلَامِ: "أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟" فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا . وَاللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ. السراج الوهاج (الشَّرْحُ) ( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ ( وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ . فَقَالَ لِلْغُلَامِ : " أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ ؟ ") . هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ : لَوْ أَذِنَ لَهُ لَأَعْطَاهُمْ . وَيُؤْخَذُ مِنْهُ : جَوَازُ الْإِيثَارِ بِمِثْلِ ذَلِكَ . وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَا اشْتُهِرَ مِنْ أَنَّهُ لَا إِيثَارَ بِالْقُرْبِ . وَعِبَارَةُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي هَذَا : لَا يَجُوزُ التَّبَرُّعُ فِي الْعِبَادَاتِ . وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهَا . وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ الْقُرَبَ أَعَمُّ مِنَ الْعِبَادَةِ . وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ : تَجْوِيزَ جَذْبِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، لِيُصَلِّيَ مَعَهُ . فَإِنَّ خُرُوجَ الْمَجْذُوبِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ : لِقَصْدِ تَحْصِيلِ فَضِيلَةٍ لِلْجَاذِبِ . وَهِيَ الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ . وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ : بِأَنَّهُ لَا إِيثَارَ . إِذْ حَقِيقَةُ الْإِيثَارِ : إِعْطَاءُ مَا اسْتَحَقَّهُ لِغَيْرِهِ . وَهَذَا لَمْ يُعْطِ الْجَاذِبَ شَيْئًا . وَإِنَّمَا رَجَّحَ مَصْلَحَتَهُ . لِأَنَّ مُسَاعَدَةَ الْجَاذِبِ عَلَى تَحْصِيلِ مَقْصُودِهِ : لَيْسَ فِيهَا إِعْطَاءُ مَا كَانَ يَحْصُلُ لِلْمَجْذُوبِ لَوْ لَمْ يُوَافِقْهُ . ( فَقَالَ الْغُلَامُ) . جَاءَ فِي مُسْنَدِ " أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ": أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ. هُوَ " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ " . وَمِنَ الْأَشْيَاخِ : خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ . فَقِيلَ : إِنَّمَا اسْتَأْذَنَ هَذَا الْغُلَامَ دُونَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ : إِدْلَالًا عَلَى الْغُلَامِ ، " وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ " ، وَثِقَةً بِطِيبِ نَفْسِهِ بِأَصْلِ الِاسْتِئْذَانِ ، لَا سِيَّمَا وَالْأَشْيَاخُ أَقَارِبُهُ . قَالَ عِيَاضٌ : وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : "عَمُّكَ وَابْنُ عَمِّكَ ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ ؟" . وَفَعَلَ ذَلِكَ أَيْضًا تَأَلُّفًا لِقُلُوبِ الْأَشْيَاخِ . وَإِعْلَامًا بِوِدِّهِمْ ، وَإِيثَارِ كَرَامَتِهِمْ . إِذَا لَمْ تَمْنَعُ مِنْهَا سُنَّةٌ . وَتَضْمَنُ ذَلِكَ أَيْضًا : بَيَانَ هَذِهِ السُّنَّةِ . وَهِيَ أَنَّ الْأَيْمَنَ أَحَقُّ ، وَلَا يُدْفَعُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِئْذَانِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِذْنُ . وَيَنْبَغِي لَهُ أَيْضًا : أَنْ لَا يَأْذَنَ إِنْ كَانَ فِيهِ تَفْوِيتُ فَضِيلَةٍ أُخْرَوِيَّةٍ ، وَمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ ، كَهَذِهِ الصُّورَةِ . وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ : عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْثَرُ فِي "الْقُرَبِ ". وَإِنَّمَا الْإِيثَارُ الْمَحْمُودُ ، مَا كَانَ فِي حُظُوظِ النَّفْسِ دُونَ الطَّاعَاتِ . قَالُوا : فَيُكْرَهُ أَنْ يُؤْثَرَ غَيْرُهُ بِمَوْضِعِهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ . وَكَذَلِكَ نَظَائِرُهُ . وَأَمَّا الْأَعْرَابِيُّ فَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ : مَخَافَةً مِنْ إِيحَاشِهِ فِي اسْتِئْذَانِهِ فِي صَرْفِهِ إِلَى أَصْحَابِهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ . وَرُبَّمَا سَبَقَ إِلَى قَلْبِ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ شَيْءٌ يَهْلَكُ بِهِ ، لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَفَتِهَا ، وَعَدَمِ تَمَكُّنِهِ فِي مَعْرِفَتِهِ خُلَقَ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ تَظَاهَرَتِ النُّصُوصُ عَلَى تَأَلُّفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : قَلَبَ مَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ . ( لَا . وَاللَّهِ ! لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا . قَالَ : فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ) . أَيْ : وَضَعَهُ فِيهَا . "تَلَّهُ " بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ ؛ بِمَعْنَى : " وَضَعَهُ " . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَضَعَهُ بِعُنْفٍ . وَأَصْلُهُ مِنَ الرَّمْيِ عَلَى التَّلِّ . وَهُوَ الْمَكَانُ الْعَالِي الْمُرْتَفِعُ . ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ رُمِيَ بِهِ ، وَفِي كُلِّ إِلْقَاءٍ . وَقِيلَ : وَهُوَ مِنْ " التَّلْتَلِ " بِلَامٍ سَاكِنَةٍ بَيْنَ تَاءَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ ، وَآخِرُهُ لَامٌ . وَهُوَ الْعُنُقُ . وَمِنْهُ : " وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ". أَيْ : صَرَعَهُ ، فَأَلْقَى عُنُقَهُ ، وَجَعَلَ جَبِينَهُ إِلَى الْأَرْضِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِمَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ . وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ : تَقْيِيدَ الْخَطَّابِيِّ الْوَضْعَ بِالْعُنْفِ . وَظَاهِرُ هَذَا : أَنَّ تَقْدِيمَ الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ ، لَيْسَ لِمَعْنًى فِيهِ . بَلْ لِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ ؛ وَهُوَ فَضْلُهَا عَلَى جِهَةِ الْيَسَارِ . فَيُؤْخَذُ مِنْهُ : أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَرْجِيحًا لِمَنْ هُوَ عَلَى الْيَمِينِ ؛ بَلْ هُوَ تَرْجِيحٌ لِجِهَةِ الْيَمِينِ . وَقَدْ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَنَسٍ وَسَهْلٍ هَذَا : حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، بِلَفْظِ : "كَبِّرْ كَبِّرٍ". وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ قَوِيٍّ : ( قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، إِذَا سَقَى قَالَ : " ابْدَءُوا بِالْأَكْبَرِ ") . وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ : مَحْمُولٌ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي يَجْلِسُونَ فِيهَا مُتَسَاوِينَ . إِمَّا بَيْنَ يَدَيِ الْكَبِيرِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ كُلُّهُمْ ، أَوْ خَلْفَهُ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّهَا إِذَا تَعَارَضَتْ فَضِيلَةُ الْفَاضِلِ ، وَفَضِيلَةُ الْوَظِيفَةِ : اعْتُبِرَتْ فَضِيلَةُ الْوَظِيفَةِ . انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنْوَاعٌ مِنَ الْعِلْمِ ؛ مِنْهَا : أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالْيَمِينِ فِي الشَّرَابِ وَنَحْوِهِ : " سُنَّةٌ " . وَفِيهِ : أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مُبَاحٍ ، أَوْ مَجْلِسِ الْعَالَمِ أَوِ الْكَبِيرِ : فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، مِمَّنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية