الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 3846 بَابٌ مِنْهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : (بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، فِي الشُّرْبِ وَغَيْرِهِ : عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) . حَدِيثُ الْبَابِ وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيُّ ص 27 ج 14 الْمَطْبَعَةُ الْمِصْرِيَّةُ [ (عَنْ أُمِّ سَلَمَةً) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَسَلَّمَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ قَالَ "الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ ") ]. هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ : " أَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ ؛ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ " . وَفِي رِوَايَةٍ : " مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ؛ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ ". السراج الوهاج (الشَّرْحُ) قَالَ النَّوَوِيُّ : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ ( مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَاللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ ، وَغَيْرِهِمْ) : عَلَى كَسْرِ الْجِيمِ الثَّانِيَةِ مِنْ " يُجَرْجِرُ". وَاخْتَلَفُوا فِي رَاءِ " النَّارِ " فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى ؛ فَنَقَلُوا فِيهَا النَّصْبَ وَالرَّفْعَ . وَهُمَا مَشْهُورَانِ فِي الرِّوَايَةِ ، وَفِي كُتُبِ الشَّارِحِينَ ، وَأَهْلِ الْغَرِيبِ وَاللُّغَةِ . " وَالنَّصْبُ " هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْأَزْهَرِيُّ ، وَآخَرُونَ ، مِنَ الْمُحَقِّقِينَ . وَرَجَّحَهُ الزَّجَّاجُ ، وَالْأَكْثَرُونَ. وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : "نَارًا " . قَالَ : وَرَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ أَبِي عَوَانَةَ الْإِسْفَرَايِنِيِّ ، وَفِي الْجَعْدِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : " إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارًا ". كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ . "نَارًا " . مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ "جَهَنَّمَ ". وَأَمَّا مَعْنَاهُ ، فَعَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ : الْفَاعِلُ وَهُوَ الشَّارِبُ ، مُضْمَرٌ فِي " يُجَرْجِرُ ". أَيْ يُلْقِيهَا فِي بَطْنِهِ بِجَرْعٍ مُتَتَابِعٍ ، يُسْمَعُ لَهُ "جَرْجَرَةٌ " . وَهُوَ الصَّوْتُ لِتَرَدُّدِهِ فِي حَلْقِهِ . وَعَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ : تَكُونُ " النَّارُ " فَاعِلَهُ . وَمَعْنَاهُ : تُصَوِّتُ النَّارُ فِي بَطْنِهِ . " وَالْجَرْجَرَةُ " هِيَ : التَّصْوِيتُ . وَسُمِّي الْمَشْرُوبُ " نَارًا " : لِأَنَّهُ يَئُولُ إِلَيْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ) . قَالَ فِي النِّيلِ : " الْجَرْجَرَةُ " : صَبُّ الْمَاءِ فِي الْحَلْقِ ، كَالتَّجَرْجُرِ . وَهُوَ أَنَّ تَجَرُّعَهُ جَرْعًا مُتَدَارَكًا. "جَرْجَرَ الشَّرَابَ " : صَوَّتَ . " وَجَرْجَرَهُ ": سَقَاهُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ . قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَأَمَّا " جَهَنَّمُ " عَافَانَا اللَّهُ مِنْهَا ، وَمِنْ كُلِّ بَلَاءٍ ، فَقَالَ الْوَاحِدِيُّ : قَالَ يُونُسُ ، وَأَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ : هِيَ "عَجَمِيَّةٌ " لَا تَنْصَرِفُ ، لِلتَّعْرِيفِ وَالْعُجْمَةِ . وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبُعْدِ قَعْرِهَا . يُقَالُ " بِئْرٌ جِهْنَامٌ " : إِذَا كَانَتْ عَمِيقَةَ الْقَعْرِ . وَقَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ : مُشْتَقَّةٌ مِنْ " الْجُهُومَةِ " ، وَهِيَ الْغِلَظُ . سُمِّيَتْ بِذَلِكَ : لِغِلَظِ أَمْرِهَا فِي الْعَذَابِ . قَالَ عِيَاضٌ : وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْحَدِيثِ ؛ فَقِيلَ : هُوَ إِخْبَارٌ عَنِ الْكُفَّارِ ؛ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ وَغَيْرِهِمْ ، الَّذِينَ عَادَتُهُمْ فِعْلُ ذَلِكَ . كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : "هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ " . أَيْ : هُمُ الْمُسْتَعْمِلُونَ لَهَا فِي الدُّنْيَا . وَكَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، فِي ثَوْبِ الْحَرِيرِ : " إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا : مَنْ لَا خَلَّاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ " . أَيْ : لَا نَصِيبَ . قَالَ : وَقِيلَ : الْمُرَادُ : نَهْيُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ ، وَأَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ هَذَا النَّهْيَ : اسْتَوْجَبَ هَذَا الْوَعِيدَ . وَقَدْ يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ . انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالصَّوَابُ أَنَّ النَّهْيَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَنْ يَسْتَعْمِلُ إِنَاءَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ . لِأَنَّ الصَّحِيحَ : أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرْعِ. قَالَ : وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ ، وَإِنَاءِ الْفِضَّةِ : عَلَى الرَّجُلِ وَعَلَى الْمَرْأَةِ . وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، إِلَّا مَا حَكَى أَصْحَابُنَا عَنِ الشَّافِعِيِّ ، فِي قَوْلٍ : أَنَّهُ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ . وَحَكَوْا عَنْ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ : تَحْرِيمَ الشُّرْبِ ، وَجَوَازَ الْأَكْلِ وَسَائِرَ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ . وَهَذَانِ النَّقْلَانِ بَاطِلَانِ ؛ أَمَّا قَوْلُ دَاوُدَ : فَبَاطِلٌ ، لِمُنَابَذَةِ صَرِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ جَمِيعًا . وَلِمُخَالِفَةِ الْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ . قَالَ : قَالَ أَصْحَابُنَا : انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَسَائِرِ الِاسْتِعْمَالِ ، فِي إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُدَ ، وَقَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، فَهُمَا مَرْدُودَانِ بِالنُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ. وَهَذَا إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَعْتَدُّ بُقُولِ دَاوُدَ : فِي الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ . وَإِلَّا ، فَالْمُحَقِّقُونَ يَقُولُونَ : لَا يُعْتَدُّ بِهِ ، لِإِخْلَالِهِ بِالْقِيَاسِ . وَهُوَ أَحَدُ شُرُوطِ الْمُجْتَهِدِ ، الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ . وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمِ : فَقَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ : إِنَّ سِيَاقَ كَلَامِهِ : يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ : أَنَّ نَفْسَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، الَّتِي اتُّخِذَ مِنْهَا الْإِنَاءُ : لَيْسَتْ حَرَامًا . وَلِهَذَا لَمْ يُحَرَّمِ الْحُلِيُّ عَلَى الْمَرْأَةِ . انْتَهَى . قَالَ : وَهُوَ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ أَتْقَنُهُمْ لِنَقْلِ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ . وَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَدِيمِ . وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ : أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا قَالَ قَوْلًا ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ : لَا يَبْقَى قَوْلًا لَهُ يُنْسَبُ إِلَيْهِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا يُذْكَرُ الْقَدِيمُ وَيُنْسَبُ إِلَى الشَّافِعِيِّ مَجَازًا . وَبِاسْمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ، لَا أَنَّهُ قَوْلٌ لَهُ الْآنَ . فَحَصَلَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ : أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ ، وَإِنَاءِ الْفِضَّةِ : فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَالطَّهَارَةِ ، وَالْأَكْلِ بِمِلْعَقَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَالتَّجْمِيرِ بِمِجْمَرَةٍ مِنْهُمَا . وَالْبَوْلِ فِي الْإِنَاءِ مِنْهُمَا . وَجَمِيعِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ . وَمِنْهَا : الْمُكْحُلَةُ . وَالْمِيلُ. وَظَرْفُ الْغَالِيَةِ . وَغَيْرُ ذَلِكَ . سَوَاءٌ الْإِنَاءُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ . وَيَسْتَوِي فِي التَّحْرِيمِ : الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ، بِلَا خِلَافٍ . انْتَهَى . وَأَقُولُ : إِنَّ دَاوُدَ الظَّاهِرِيَّ ؛ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ الْأَكْلِ . وَإِنَّمَا بَلَغَهُ حَدِيثُ الشُّرْبِ . فَلَوْ بَلَغَهُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ ، لَقَالَ بِهِ . وَمَنْ قَالَ بِشَيْءٍ فِيمَا لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثٌ فِيهِ ، لَا مَطْعَنَ عَلَيْهِ وَلَا مَغْمَزَ فِيهِ . وَهُوَ أَجَلُّ مَنْ أَنْ يَبْلُغَهُ حَدِيثٌ فِي بَابٍ ، وَلَا يَقُولَ بِهِ . وَقَدْ كَانَ جَبَلًا مِنْ جِبَالِ الْعِلْمِ ، وَمُجْتَهِدًا كَبِيرًا . فَلَا مَعْنَى لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ. وَإِنَّمَا حَمَلَ النَّاسَ عَلَى إِنْكَارِهِ حِمَايَةُ الْمَذْهَبِ ، وَالْغَيْظُ عَلَيْهِ عَلَى تَرْكِ الْقِيَاسِ فِي الدِّينِ . وَأَيُّ شَيْءٍ الْقِيَاسُ وَحَتَّى يُتْرَكَ تَارِكُهُ وَيُطْعَنَ عَلَيْهِ مَعَ تَمَسُّكِهِ بِظَاهِرِ السُّنَّةِ ؛ فِي كُلِّ الْأُمُورِ ، وَجَمِيعِ الْأَحْوَالِ ؟ ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَإِنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي التَّحَلِّي : لِمَا يُقْصَدُ مِنْهَا مِنَ التَّزَيُّنِ لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ مَاءِ الْوَرْدِ ، وَالْأَدْهَانِ : مِنْ قَارُورَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . قَالُوا : فَإِنِ ابْتُلِيَ بِطَعَامٍ فِي إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ : فَلْيُخْرِجِ الطَّعَامَ إِلَى إِنَاءٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِهِمَا ، وَيَأْكُلُ مِنْهُ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِنَاءٌ آخَرَ ؛ فَلْيَجْعَلْهُ عَلَى رَغِيفٍ إِنْ أَمْكَنَ . وَإِنِ ابْتُلِيَ بِالدُّهْنِ فِي قَارُورَةِ فِضَّةٍ : فَلْيُصُبَّهُ فِي يَدِهِ الْيُسْرَى ، ثُمَّ يَصُبُّهُ مِنَ الْيُسْرَى فِي الْيُمْنَى ، وَيَسْتَعْمِلُهُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيَحْرُمُ تَزْيِينِ الْحَوَانِيتِ ، وَالْبُيُوتِ ، وَالْمَجَالِسِ : بِأَوَانِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ . هَذَا هُوَ الصَّوَابُ . وَجَوَّزَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا . قَالُوا : وَهُوَ غَلَطٌ . قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : لَوْ تَوَضَّأَ ، أَوِ اغْتَسَلَ : مِنْ إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ : عَصَى بِالْفِعْلِ ، وَصَحَّ وُضُوءُهُ وَغُسْلُهُ . هَذَا مَذْهَبُنَا . وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً ، إِلَّا دَاوُدَ فَقَالَ : لَا يَصِحُّ . وَالصَّوَابُ : الصِّحَّةُ . وَكَذَا لَوْ أَكَلَ مِنْهُ أَوْ شَرِبَ : عَصَى بِالْفِعْلِ . وَلَا يَكُونُ الْمَأْكُولُ وَالْمَشْرُوبُ حَرَامًا . هَذَا كُلُّهُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ . أَمَّا إِذَا اضْطُرَّ إِلَى اسْتِعْمَالِ إِنَاءٍ ، فَلَمْ يَجِدْ إِلَّا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً : فَلَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ ؛ بِلَا خِلَافٍ . صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا . قَالُوا : كَمَا تُبَاحُ الْمَيْتَةُ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوْ بَاعَ هَذَا الْإِنَاءَ ، صَحَّ بَيْعُهُ . لِأَنَّهُ عَيْنٌ طَاهِرَةٌ ، يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا ، بِأَنْ تَسْبَكَ . وَأَمَّا اتِّخَاذُ هَذِهِ الْأَوَانِي مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ : فَلِلشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ فِيهِ خِلَافٌ ؛ وَالْأَصَحُّ : تَحْرِيمُهُ . وَالثَّانِي : كَرَاهَتُهُ . فَإِنْ كَرِهْنَاهُ : اسْتَحَقَّ صَانِعُهُ الْأُجْرَةَ . وَوَجَبَ عَلَى كَاسِرِهِ : أَرْشُ النَّقْصِ . وَإِلَّا فَلَا . وَأَمَّا إِنَاءُ الزُّجَاجِ النَّفِيسِ : فَلَا يَحْرُمُ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا إِنَاءُ الْيَاقُوتِ ، وَالزُّمُرُّدِ ، وَالْفَيْرُوزَجِ ، وَنَحْوِهَا: فَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا : جَوَازُ اسْتِعْمَالِهَا . وَمِنْهُمْ : مَنْ حَرَّمَهَا . هَذَا تَمَامُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ ؛ فِي هَذَا الْمَقَامِ . وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ . وَالْمُتَّبِعُ لِلدَّلِيلِ : لَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا التَّفْصِيلِ . وَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ التَّفْرِيعِ ؛ هُوَ مِنْ بَابِ الْخَوْضِ الْعَمِيقِ ، وَالْقِيَاسِ الدَّقِيقِ . وَالْعَارِفُ بِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ فِي عَافِيَةٍ مِنْ هَذَا الْقِيلِ وَالْقَالِ . وَلِهَذَا قَالَ شَارِحُ الْمُنْتَقَى : لَا شَكَّ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ : تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ . وَأَمَّا سَائِرُ الِاسْتِعْمَالَاتِ ، فَلَا . وَالْقِيَاسُ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، قِيَاسٌ مَعَ فَارِقٍ . فَإِنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ : هِيَ التَّشَبُّهُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ ، حَيْثُ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ . وَذَلِكَ مَنَاطٌ مُعْتَبَرٌ لِلشَّارِعِ ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ، لَمَّا رَأَى رَجُلًا مُتَخَتِّمًا بِخَاتَمٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ : " مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟" أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ ، مِنْ حَدِيثِ " بُرَيْدَةَ ". وَكَذَلِكَ فِي الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ . وَإِلَّا ، لَزِمَ تَحْرِيمُ التَّحَلِّي بِالْحُلِيِّ ، وَالِافْتِرَاشِ لِلْحَرِيرِ . لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِعْمَالٌ . وَقَدْ جَوَّزَهُ الْبَعْضُ مِنَ الْقَائِلِينَ بِتَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ . وَأَمَّا حِكَايَةُ النَّوَوِيِّ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ : فَلَا تُتِمُّ مَعَ مُخَالَفَةِ دَاوُدَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ . وَقَدِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْبَحْرِ الزَّخَّارِ ، عَلَى نِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَى أَكْثَرِ الْأُمَّةِ . عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُنْصِفِ مَا فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ مِنَ النِّزَاعِ وَالْإِشْكَالَاتِ ، الَّتِي لَا مُخَلِّصَ عَنْهَا . وَالْحَاصِلُ : أَنَّ الْأَصْلَ : " الْحِلُّ " . فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ إِلَّا بِدَلِيلٍ يُسَلِّمُهُ الْخَصْمُ . وَلَا دَلِيلَ فِي الْمَقَامِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ . فَالْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ الْمُعْتَضِدِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ ، هُوَ وَظِيفَةُ الْمُنْصِفِ ، الَّذِي لَمْ يَخْبِطُ بِسَوْطِ هَيْبَةِ الْجُمْهُورِ . وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ أَيَّدَ هَذَا الْأَصْلَ حَدِيثُ : " وَلَكِنَّ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ ، فَالْعَبُوا بِهَا لَعِبًا " . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ . وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ : أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ جَاءَتْ بِجُلْجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ ، فِيهِ شَعْرٌ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، فَخَضْخَضَتْ ". الْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْعِلَّةَ فِي التَّحْرِيمِ : الْخُيَلَاءُ . أَوْ كَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ . وَيَرُدُّ عَلَيْهِ : جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْأَوَانِي مِنَ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ . وَغَالِبُهَا أَنْفَسُ وَأَكْثَرُ قِيمَةً مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . وَلَمْ يَمْنَعْهَا إِلَّا مَنْ شَذَّ . وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ : الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ . وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ وَمَنْ بَعْدَهُ . وَقِيلَ : الْعِلَّةُ : التَّشَبُّهُ بِالْأَعَاجِمِ . وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ ، لِثُبُوتِ الْوَعِيدِ لِفَاعِلِهِ . وَمُجَرَّدُ التَّشَبُّهِ لَا يَصِلُ إِلَى ذَلِكَ . انْتَهَى كَلَامُهُ " رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى " ، وَمَا أَبْلَغَهُ وَأَخْصَرَهُ وَأَحَقَّهُ بِالْقَبُولِ وَأَقُولُ : لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى إِبْدَاءِ الْعِلَلِ ، فِي أَحْكَامِ الشَّارِعِ . بَلِ الَّذِي عَلَيْنَا تَسْلِيمُهَا؛ نَعْلَمُ عِلَلَهَا أَمْ لَا نَعْلَمُ . وَالْقَصْرُ عَلَى الْمَوَارِدِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، هُوَ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا . وَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّارِعَ كَانَ يَعْلَمُ : أَنَّ أَوَانِيَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ . وَلَكِنْ لَمْ يَنْهَ إِلَّا عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ خَاصَّةً . فَعَلِمْنَا : أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَقْصُورٌ عَلَى ذَلِكَ فَقَطْ ، وَلَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الِاسْتِعْمَالَاتِ الْأُخْرَى . وَمِنْ شِيمَةِ النَّوَوِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ) : حِكَايَاتُ الْإِجْمَاعَاتِ ، عَلَى غَالِبِ الْمَسَائِلِ وَالْأَحْكَامِ . وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ : حَدِيثُ خُرَافَةٍ . وَالْبَحْثُ فِي ذَلِكَ يَطُولُ جِدًّا . انْظُرْ كِتَابَ " إِرْشَادِ الْفُحُولِ ، إِلَى تَحْقِيقِ الْحَقِّ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ " : يَتَّضِحُ عَلَيْكَ مَسْأَلَةُ الْإِجْمَاعِ، وَمَا قِيلَ فِيهَا ، وَمَا هُوَ الْحَقُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ . وَلَا تَغْتَرُّ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْحُكَاةِ لِلْإِجْمَاعَاتِ ، فَهُوَ مِنْ جِنْسِ تُرَّهَاتِ الْبَسَابِسِ. وَقَدْ صَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوَائِلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ التَّفْرِيعَاتِ ، وَالِاسْتِدْلَالِ بِنَحْوِ تِلْكَ الْإِجْمَاعَاتِ وَالْقِيَاسَاتِ ؛ الَّتِي لَيْسَتْ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ الدِّينِ الْمُبِينِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية