الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 3849 بَابُ: النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : (بَابُ تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ . إِلَخْ) . حَدِيثُ الْبَابِ وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيُّ ص 35، 36 ج 14 الْمَطْبَعَةُ الْمِصْرِيَّةُ [عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ بِالْمَدَائِنِ. فَاسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ، فَجَاءَهُ دِهْقَانٌ بِشَرَابٍ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَرَمَاهُ بِهِ، وَقَالَ إِنِّي أُخْبِرُكُمْ أَنِّي قَدْ أَمَرْتُهُ أَنْ لَا يَسْقِيَنِي فِيهِ. فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَشْرَبُوا فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَلَا تَلْبَسُوا الدِّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ. فَإِنَّهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ]. السراج الوهاج (الشَّرْحُ) ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( بِالْمَدَائِنِ . فَاسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ ، فَجَاءَهُ دِهْقَانٌ بِشَرَابٍ) . " دِهْقَانٌ" بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى الْمَشْهُورِ . وَحُكِيَ ضَمُّهَا . مِمَّنْ حَكَاهُ : صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَالْمَطَالِعِ . وَحَكَاهُمَا عِيَاضٌ فِي الشَّرْحِ ، عَنْ حِكَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ . وَوَقَعَ فِي نُسَخِ صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ أَوْ بَعْضِهَا : مَفْتُوحًا . وَهَذَا غَرِيبٌ . وَهُوَ زَعِيمُ فَلَّاحِي الْعَجَمِ . وَقِيلَ : زَعِيمُ الْقَرْيَةِ وَرَئِيسُهَا . وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ . وَهُوَ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ . قِيلَ : النُّونُ فِيهِ أَصْلِيَّةٌ . مَأْخُوذٌ مِنَ " الدَّهْقَنَةِ ". وَهِيَ الرِّيَاسَةُ . وَقِيلَ : زَائِدَةٌ . مِنَ " الدَّهْقِ ". وَهُوَ الِامْتِلَاءُ. وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي " دَهْقَنَ " ، لَكِنَّهُ قَالَ : إِنْ جَعَلْتَ نُونَهُ أَصْلِيَّةً ، مِنْ قَوْلِهِمْ " تَدَهْقَنَ الرَّجُلُ . وَلَهُ دَهْقَنَةُ مَوْضِعِ كَذَا ": صَرَفْتَهُ . لِأَنَّهُ " فِعْلَالٌ " . وَإِنْ جَعَلْتَهُ مِنَ " الدَّهْقِ " : لَمْ تَصْرِفْهُ . لِأَنَّهُ " فِعْلَانٌ " . قَالَ عِيَاضٌ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَمَّى بِهِ مَنْ جَمَعَ الْمَالَ ، وَمَلَأَ الْأَوْعِيَةَ مِنْهُ . يُقَالُ : دَهَقَتِ الْمَاءُ ، وَأَدْهَقْتُهُ : إِذَا أَفْرَغْتُهُ . وَدَهَقَ لِي دَهْقَةً مِنْ مَالِهِ : أَيْ أَعْطَانِيهَا . وَأَدْهَقْتُ الْإِنَاءَ : أَيْ مَلَأْتُهُ . قَالُوا : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الدَّهْقَنَةِ وَالدَّهْمَقَةِ . وَهِيَ لِينُ الطَّعَامِ . لِأَنَّهُمْ يُلِينُونَ طَعَامَهُمْ وَعَيْشَهُمْ ، لِسَعَةِ أَيْدِيهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ . وَقِيلَ : لِحَذْقِهِ وَدَهَائِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ فَرَمَاهُ بِهِ) . لِأَنَّهُ كَانَ نَهَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَنْهُ . وَفِيهِ : تَحْرِيمُ الشُّرْبِ فِيهِ ، وَتَعْزِيرُ مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً . لَاسِيَّمَا إِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ نَهْيُهُ عَنْهَا ؛ كَقَضِيَّةِ الدِّهْقَانِ مَعَ حُذَيْفَةَ . ( وَقَالَ : إِنِّي أُخْبِرُكُمْ أَنِّي قَدْ أَمَرْتُهُ ، أَنْ لَا يَسْقِيَنِي فِيهِ) . فِيهِ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُعَزِّرَ الْأَمِيرُ بِنَفْسِهِ : بَعْضَ مُسْتَحِقِّي التَّعْزِيرِ . وَفِيهِ : أَنَّ الْأَمِيرَ وَالْكَبِيرَ ؛ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا صَحِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَلَا يَكُونُ وَجْهُهُ ظَاهِرًا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُنَبَّهَ عَلَى دَلِيلِهِ ، وَسَبَبِ فِعْلِهِ ذَلِكَ . ( فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ ( وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَشْرَبُوا فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) . مَفْهُومُهُ : أَنَّ الْحَرَامَ هُوَ هَذَا الشُّرْبُ . وَكَذَا الْأَكْلُ فِي أَوَانِيهِمَا . وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ . قَالَ فِي النِّيلِ : الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَتِهِمَا ؛ أَمَّا الشُّرْبُ فَبِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْأَكْلُ فَأَجَازَهُ دَاوُدُ ، وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ . وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ . انْتَهَى . أَقُولُ : الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِ : مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ؛ " قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ ، وَلَا الدِّيبَاجَ . وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا . فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ " . قَالَ: وَأَمَّا اتِّخَاذُ الْأَوَانِي بِدُونِ اسْتِعْمَالٍ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِهِ . وَرَخَّصَتْ فِيهِ طَائِفَةٌ . انْتَهَى . وَلَعَلَّ الرُّخْصَةَ هِيَ الْأَصَحُّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَلَا تَلْبَسُوا الدِّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ ، فَإِنَّهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا) . يَعْنِي : أَنَّ الْكُفَّارَ إِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ، وَمَا لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ . وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ ، وَمَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ . وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ : " الْكَفَّارُ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِالْفُرُوعِ". لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِإِبَاحَتِهِ لَهُمْ . وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ الْوَاقِعِ فِي الْعَادَةِ ، أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الدُّنْيَا ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ ، كَمَا هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . ( وَهُوَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . إِنَّمَا جَمَعُ بَيْنَهُمَا ، لِأَنَّهُ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ صَارَ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ فِي هَذَا الْإِكْرَامِ . فَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَبَعْدَهُ فِي الْجَنَّةِ أَبَدًا . وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ : أَنَّهُ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ ، وَيَسْتَمِرُّ فِي الْجَنَّةِ أَبَدًا . قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية