الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 2137 بَابٌ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِثْلُهُ فِي النَّوَوِيِّ. وَفِي هَذَا الْبَابِ: حَدِيثُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمٌ ، مُشْتَمِلٌ عَلَى جُمَلٍ مِنَ الْفَوَائِدِ ، وَنَفَائِسَ مِنْ مُهِمَّاتِ الْقَوَاعِدِ. وَهُوَ مِنْ إِفْرَادِ (مُسْلِمٍ) . لَمْ يَرْوِهِ (الْبُخَارِيُّ) فِي صَحِيحِهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، كَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ. قَالَ عِيَاضٌ: وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ ، عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ ، وَأَكْثَرُوا. وَصَنَّفَ فِيهِ (أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ) : جُزْءًا كَبِيرًا. وَخَرَّجَ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ: مِائَةً وَنَيِّفًا وَخَمْسِينَ نَوْعًا. وَلَوْ تَقَصَّى ، لَزِيدَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ: قَرِيبٌ مِنْهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَدْ سَبَقَ الِاحْتِجَاجُ ، بِنُكَتٍ مِنْهُ ، فِي أَثْنَاءِ شَرْحِ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ. وَسَنَذْكُرُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ ، عَلَى تَرْتِيبِهِ. (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) . انْتَهَى. قُلْتُ: وَلَمْ يُورِدْهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: (جَدُّ) ابْنِ تَيْمِيَةَ ، فِي كِتَابِهِ: (الْمُنْتَقَى) . وَأَوْرَدَهُ (الْحَافِظُ) ابْنُ حَجَرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، فِي كِتَابِهِ: (بُلُوغِ الْمَرَامِ) مُخْتَصَرًا. وَشَرَحْتُهُ هُنَاكَ ، فِي شَرْحِي: (مِسْكِ الْخِتَامِ) . وَلَا شَكَّ ، أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ، مِنْ أَجْمَعِ أَحَادِيثِ الْبَابِ. كَأَنَّهُ: مَسْجِدُ الْمَنَاسِكِ ، خَطِيبٌ فِي الْمِحْرَابِ. فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ لَهُ إِلْمَامٌ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ ، وَمَعْرِفَةٌ بِدَقَائِقِ هَذَا الْفَنِّ الشَّرِيفِ ، وَمُسْكَةٍ فِي الْفِقْهِ ، وَهِمَّةٍ فِي اسْتِخْرَاجِ الْمَعَانِي: أَنْ يَعْتَنِيَ بِهِ كُلَّ الِاعْتِنَاءِ. وَيَعْرِفُ قَدْرَهُ فِي الْمَسَائِلِ وَالْأَحْكَامِ، وَمَا لَهُ عَلَيْهِ الِابْتِنَاءُ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. حَدِيثُ الْبَابِ وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ النَّوَوِيِّ ص 170 - 194 ج 8 الْمَطْبَعَةُ الْمِصْرِيَّةُ [حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا: عَنْ حَاتِمٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَعِيلَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ. فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي، فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ أَخِي! سَلْ عَمَّا شِئْتَ. فَسَأَلْتُهُ. وَهُوَ أَعْمَى. وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ (مُلْتَحِفًا بِهَا) . كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ، رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ، مِنْ صِغَرِهَا. وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ، عَلَى الْمِشْجَبِ. فَصَلَّى بِنَا. فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ بِيَدِهِ: "فَعَقَدَ تِسْعًا". فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ. ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجٌّ. فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ. كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ: أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ. فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا (ذَا الْحُلَيْفَةِ) . فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ. فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: "اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ. وَأَحْرِمِي". فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ. ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ. حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ. نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي (بَيْنَ يَدَيْهِ) : مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ. وَ(عَنْ يَمِينِهِ) : مِثْلَ ذَلِكَ. وَ(عَنْ يَسَارِهِ) : مِثْلَ ذَلِكَ. وَ(مِنْ خَلْفِهِ) : مِثْلَ ذَلِكَ. وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا. وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ. وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ. وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ، عَمِلْنَا بِهِ. فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ! لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ". وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلْبِيَتَهُ. قَالَ جَابِرٌ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) : لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ. لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ. حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ: فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا. ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) . فَقَرَأَ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) .فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. فَكَانَ أَبِي يَقُولُ (وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ.) ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا. فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ: فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ. أَنْجَزَ وَعْدَهُ. وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ". ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ. قَالَ مِثْلَ هَذَا (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) . ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ. حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي: سَعَى. حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا: مَشَى. حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ. فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا. حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ. فَقَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي، مَا اسْتَدْبَرْتُ: لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً. فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ. وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً". فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ: وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى. وَقَالَ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ" مَرَّتَيْنِ "لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ". وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ فَاطِمَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) : مِمَّنْ حَلَّ. وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا. وَاكْتَحَلَتْ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا. قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ، لِلَّذِي صَنَعَتْ. مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ. فَأَخْبَرْتُهُ: أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَ: "صَدَقَتْ. صَدَقَتْ. مَاذَا قُلْتُ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟" قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ: "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ، فَلَا تَحِلُّ" قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ "الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ": مِائَةً. قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا. إِلَّا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ: تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ. وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا، حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ، تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ. فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ. إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ: أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ: تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ. وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ. وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا: دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ. كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ. وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ. وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ: رِبَانَا -رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ. فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ. فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ. وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ. وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ: أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ، أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ، فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ: مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي. فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟" قَالُوا: نَشْهَدُ: أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ، وَأَدَّيْتَ، وَنَصَحْتَ. فَقَالَ (بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ) : "اللَّهُمَّ! اشْهَدْ. اللَّهُمَّ؟ اشْهَدْ." ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَذَّنَ. ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ. ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ. وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ. وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ. وَأَرْدَفَ (أُسَامَةَ) خَلْفَهُ. وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا، لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ. وَيَقُولُ (بِيَدِهِ الْيُمْنَى) : "أَيُّهَا النَّاسُ! السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ". كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ، أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَ. حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ. وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ: وَصَلَّى الْفَجْرَ "حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ" بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ. حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ: "وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا" فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ. فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ. فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ، عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ، يَنْظُرُ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ. فَحَرَّكَ قَلِيلًا. ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى، الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا. (مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) . رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ. ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ. وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ. ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ. فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا. ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ. فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: "انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ، لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ". فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ مِنْهُ. ] (وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ ، بِبُدْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) جَمْعُ: " بَدَنَةٍ " بِفَتْحَتَيْنِ. وَهِيَ مِنَ الْإِبِلِ خَاصَّةً ، عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. وَيَشْمَلُ الْبَقَرَ ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (فَوَجَدَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِمَّنْ حَلَّ. وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا ، وَاكْتَحَلَتْ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا.) فِيهِ: إِنْكَارُ الرَّجُلِ عَلَى زَوْجَتِهِ ، مَا رَآهُ مِنْهَا: مِنْ نَقْصٍ فِي دِينِهَا ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، فَأَنْكَرَهُ. (فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا. قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ (بِالْعِرَاقِ) : فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ) . التَّحْرِيشُ: الْإِغْرَاءُ. وَالْمُرَادُ هُنَا: أَنْ يَذْكُرَ لَهُ ، مَا يَقْتَضِي عِتَابَهَا. (لِلَّذِي صَنَعَتْ. مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ. فَأَخْبَرْتُهُ: أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَ: " صَدَقَتْ. صَدَقَتْ. مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ ؟". قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ ! إِنِّي أَهُلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ) . فِيهِ: أَنَّهُ يَجُوزُ: تَعْلِيقُ الْإِحْرَامِ بِإِحْرَامٍ ، كَإِحْرَامِ فُلَانٍ. وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ ، فِي الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ. (قَالَ: " فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ". قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ " الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ ، وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ": مِائَةً. قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ) . الَّذِينَ لَمْ يَسُوقُوا الْهَدْيَ. (كُلُّهُمْ. وَقَصَّرُوا ، إِلَّا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ.) هَذَا أَيْضًا ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْكِتَابِ. وَفِيهِ: إِطْلَاقُ لَفْظِ الْعَامِّ ، وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ. لِأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَحِلَّ ، وَلَمْ تَكُنْ مِمَّنْ سَاقَ الْهَدْيَ. فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (حَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ) : مُعْظَمُهُمْ. (وَالْهَدْيُ) بِإِسْكَانِ الدَّالِ. وَكَسْرِهَا ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ مَعَ الْكَسْرِ. وَتُخَفَّفُ مَعَ الْإِسْكَانِ. وَإِنَّمَا قَصَّرُوا وَلَمْ يَحْلِقُوا، مَعَ أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ ، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا: أَنْ يَبْقَى (شَعْرٌ) يُحْلَقُ فِي الْحَجِّ. فَلَوْ حَلَقُوا ، لَمْ يَبْقَ شَعْرٌ. فَكَانَ التَّقْصِيرُ هُنَا أَحْسَنَ ، لِيَحْصُلَ فِي النُّسُكَيْنِ: إِزَالَةُ شَعْرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ،) وَهُوَ: " الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ". سَبَقَ بَيَانُهُ وَاشْتِقَاقُهُ ، مَرَّاتٍ. وَسَبَقَ أَيْضًا: أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ: أَنَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ ، وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ: أَحْرَمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ، عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَسَبَقَ بَيَانُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ. (تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى ، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ.) أَيْ: أَحْرَمُوا. وَفِي هَذَا: بَيَانُ أَنَّ السُّنَّةَ ، أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ إِلَى مِنًى ، قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ.. وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ. (وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ ، وَالْعَصْرَ ، وَالْمَغْرِبَ ، وَالْعِشَاءَ ، وَالْفَجْرَ.) فِيهِ: بَيَانُ أَشْيَاءَ ; أَحَدُهَا: أَنَّ الرُّكُوبَ (فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ) : أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ. كَمَا أَنَّهُ (فِي جُمْلَةِ الطَّرِيقِ) : أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الصُّورَتَيْنِ: أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ. وَقِيلَ: الْمَشْيُ أَفْضَلُ. وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ فِي جُمْلَةِ الْحَجِّ: الرُّكُوبُ. إِلَّا فِي مَوَاطِنِ الْمَنَاسِكِ ، (وَهِيَ: مَكَّةُ ، وَمِنًى ، وَمُزْدَلِفَةُ ، وَعَرَفَاتٌ) ، وَالتَّرَدُّدُ بَيْنَهَا. وَالثَّانِي: أَنَّ يُصَلِّيَ بِمِنًى ، هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَبِيتَ بِمِنًى ، هَذِهِ اللَّيْلَةَ. وَهِيَ: لَيْلَةُ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا "الْمَبِيتُ" سُنَّةٌ. لَيْسَ بِرُكْنٍ ، وَلَا وَاجِبٍ. فَلَوْ تَرَكَهُ ; فَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ. (ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا) أَيْ: بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ (حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ) . فِيهِ: أَنَّ السُّنَّةَ ، أَنْ لَا يَخْرُجُوا مِنْ مِنًى ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شِعْرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ) . فِيهِ: اسْتِحْبَابُ النُّزُولِ بِنَمِرَةَ ، إِذَا ذَهَبُوا مِنْ مِنًى. لِأَنَّ السُّنَّةَ: أَنْ لَا يَدْخَلُوا عَرَفَاتٍ ، إِلَّا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ. وَبَعْدَ صَلَاتَيِ (الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) جَمِيعًا. فَالسُّنَّةُ: أَنْ يَنْزِلُوا بِنَمِرَةَ. فَمَنْ كَانَ لَهُ (قُبَّةٌ) ضَرَبَهَا. وَيَغْتَسِلُونَ (لِلْوُقُوفِ) : قَبْلَ الزَّوَالِ. فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ ، سَارَ بِهِمُ الْإِمَامُ إِلَى مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَخَطَبَ بِهِمْ خُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. وَيُخَفِّفُ (الثَّانِيَةَ) جِدًّا. فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا: صَلَّى بِهِمُ (الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ) ، جَامِعًا بَيْنَهُمَا. فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ ، عَادَ إِلَى الْمَوْقِفِ. (وَنَمِرَةُ) : اسْمُ مَوْضِعٍ ، قَرِيبَ عَرَفَاتٍ. وَهِيَ: مُنْتَهَى أَرْضِ الْحَرَمِ. وَكَانَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ. قَالَ فِي (الْقَامُوسِ) : (نَمِرَةُ) كَفَرِحَةُ: مَوْضِعٌ بِعَرَفَاتٍ. أَوِ الْجَبَلُ ، الَّذِي عَلَيْهِ أَنْصَابُ الْحَرَمِ ، عَلَى يَمِينِكَ خَارِجًا مِنَ الْمَأْزَمَيْنِ ، تُرِيدُ الْمَوْقِفَ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي (سُبُلِ السَّلَامِ) : " نَمِرَةُ " بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، فَرَاءٌ ، فَتَاءُ تَأْنِيثٍ: مَحَلٌّ مَعْرُوفٌ. انْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا (يَعْنِي: فَتْحَ النُّونِ وَكَسْرَ الْمِيمِ) أَصْلُهَا. وَيَجُوزُ فِيهَا: مَا يَجُوزُ فِي نَظِيرِهَا ، وَهُوَ: (إِسْكَانُ الْمِيمِ) مَعَ فَتْحِ النُّونِ ، وَكَسْرِهَا. وَهِيَ: مَوْضِعٌ بِجَنْبِ عَرَفَاتٍ. وَلَيْسَتْ مِنْ عَرَفَاتٍ. قَالَ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: جَوَازُ الِاسْتِظْلَالِ لِلْمُحْرِمِ بِقُبَّةٍ وَغَيْرِهَا. وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ (لِلنَّازِلِ) . وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ (لِلرَّاكِبِ) . فَمَذْهَبُنَا: جَوَازُهُ. وَبِهِ قَالَ كَثِيرُونَ. وَكَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ. وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ ، فِي مَوْضِعِهَا. وَفِيهِ: جَوَازُ اتِّخَاذِ الْقِبَابِ. وَجَوَازُهَا مِنْ شَعْرٍ. (فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ ; إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ ، عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ. كَمَا كَانَتْ "قُرَيْشٌ" تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.) فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ دِقَّةٌ. يَعْنِي: أَنَّ قُرَيْشًا لَمْ تَشُكَّ ، فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُخَالِفُهُمْ فِي سَائِرِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ ، إِلَّا الْوُقُوفَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا فِي الْمُخَالَفَةِ. بَلْ تَحَقَّقُوا: أَنَّهُ يَقِفُ عِنْدَهُ ، لِأَنَّهُ مِنْ مَوَاقِفِ (الْحُمْسِ) وَأَهْلِ حَرَمِ اللَّهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ: أَنَّ قُرَيْشًا ، كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، تَقِفُ بِالْمَشْعِرِ الْحَرَامِ. وَهُوَ (جَبَلٌ) فِي الْمُزْدَلِفَةِ ، يُقَالُ لَهُ: (قُزَحُ) . وَقِيلَ: إِنَّ (الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) : كُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ. وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ: بِكَسْرِهَا. و كَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ ، يَتَجَاوَزُونَ الْمُزْدَلِفَةَ ، وَيَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ. فَظَنَّتْ قُرَيْشٌ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقِفُ فِي الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، عَلَى عَادَتِهِمْ ، وَلَا يَتَجَاوَزُهُ. فَتَجَاوَزَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَى عَرَفَاتٍ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى: أَمَرَهُ بِذَلِكَ ، فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ أَيْ: سَائِرُ الْعَرَبِ ، غَيْرَ قُرَيْشٍ. وَإِنَّمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، لِأَنَّهَا مِنَ الْحَرَمِ. وَكَانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ ، فَلَا نَخْرُجُ مِنْهُ. (فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) . أَيْ: جَاوَزَ الْمُزْدَلِفَةَ ، وَلَمْ يَقِفْ بِهَا. بَلْ تَوَجَّهَ إِلَى عَرَفَاتٍ. (حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ) . هَذَا مَجَازٌ. وَالْمُرَادُ: قَارَبَ عَرَفَاتٍ. لِأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (فَوَجَدَ الْقُبَّةَ ، قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَنَزَلَ بِهَا.) وَقَدْ سَبَقَ: أَنَّ نَمِرَةَ ، لَيْسَتْ مِنْ عَرَفَاتٍ. وَتَقَدَّمَ: أَنَّ دُخُولَ عَرَفَاتٍ ، قَبْلَ صَلَاتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمِيعًا: خِلَافَ السُّنَّةِ. (حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ ، أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا ، وَبَيَانُهَا ، وَاضِحًا: فِيمَا سَبَقَ. (فَرُحِلَتْ لَهُ) بِتَخْفِيفِ الْحَاءِ. أَيْ جُعِلَ عَلَيْهَا الرَّحْلُ ، وَشُدَّ عَلَى ظَهْرِهَا ، لِيَرْكَبَهَا. (فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي) . هُوَ وَادِي (عُرَنَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ، وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا نُونٌ. وَلَيْسَتْ (عُرَنَةُ) مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ ، عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً ، إِلَّا مَالِكًا فَقَالَ: هِيَ مِنْ عَرَفَاتٍ. (فَخَطَبَ النَّاسَ) . فِيهِ: اسْتِحْبَابُ الْخُطْبَةِ لِلْإِمَامِ ، بِالْحَجِيجِ "يَوْمَ عَرَفَةَ "، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ "سُنَّةٌ " بِاتِّفَاقِ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ. وَخَالَفَ فِيهَا الْمَالِكِيَّةُ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنْ فِي الْحَجِّ ، أَرْبَعُ خُطَبٍ مَسْنُونَةٍ. إِحْدَاهَا: يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. يَخْطُبُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ. وَالثَّانِيَةُ: هَذِهِ الَّتِي بِبَطْنِ عُرَنَةَ ، يَوْمَ عَرَفَاتٍ. وَالثَّالِثَةُ: يَوْمَ النَّحْرِ. وَالرَّابِعَةُ: يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ " وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي ، مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ". قَالُوا: وَكُلُّ هَذِهِ الْخُطَبِ أَفْرَادٌ ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ. إِلَّا الَّتِي يَوْمَ عَرَفَاتٍ ، فَإِنَّهَا خُطْبَتَانِ ، وَقَبْلَ الصَّلَاةِ. قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: وَيُعَلِّمُهُمْ " فِي كُلِّ خُطْبَةٍ مِنْ هَذِهِ ": مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ، إِلَى الْخُطْبَةِ الْأُخْرَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَقَالَ: " إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا. فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ".) أَيْ: مُتَأَكِّدَةُ التَّحْرِيمِ ، شَدِيدَتُهُ. وَفِي هَذَا: دَلِيلٌ لِضَرْبِ الْأَمْثَالِ ، وَإِلْحَاقِ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ ، قِيَاسًا. (أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ.) الْمُرَادُ بِالْوَضْعِ تَحْتَ الْقَدَمِ: إِبْطَالُهُ وَتَرْكُهُ. تَقُولُ الْعَرَبُ "فِي الْأَمْرِ ، الَّذِي لَا يَكَادُ يُرَاجِعُهُ وَيَذْكُرُهُ ": ذَلِكَ تَحْتَ قَدَمِي. (وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ. وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا: دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ. كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ) . قَالَ الْمُحَقِّقُونَ وَالْجُمْهُورُ: وَاسْمُ هَذَا الِابْنِ: إِيَاسُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَقِيلَ: اسْمُهُ: " حَارِثَةُ ". وَقِيلَ: آدَمُ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَقِيلَ: اسْمُهُ: "تَمَامٌ ". وَمِمَّنْ سَمَّاهُ "آدَمَ": الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ. قَالَ عِيَاضٌ: وَرَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ: (دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ) . قَالَ: وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقِيلَ: هُوَ وَهْمٌ. وَالصَّوَابُ: " ابْنِ رَبِيعَةَ ". لِأَنَّ رَبِيعَةَ ، عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَتَأَوَّلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، فَقَالَ: دَمُ رَبِيعَةَ. لِأَنَّهُ وَلِيُّ الدَّمِ. فَنَسَبَهُ إِلَيْهِ. قَالُوا: وَكَانَ هَذَا الِابْنُ الْمَقْتُولُ ، طِفْلًا صَغِيرًا ، يَحْبُو بَيْنَ الْبُيُوتِ. فَأَصَابَهُ حَجَرٌ ، فِي حَرْبٍ " كَانَتْ بَيْنَ بَنِي سَعْدٍ وَبَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرٍ" ، فَمَاتَ. قَالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ. (وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ. وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ ، رِبَانَا: "رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ) . مَعْنَاهُ: الزَّائِدُ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ . قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ ، إِيضَاحٌ. وَإِلَّا ، فَالْمَقْصُودُ: مَفْهُومٌ مِنْ نَفْسِ لَفْظِ الْحَدِيثِ ، لِأَنَّ (الرِّبَا) هُوَ الزِّيَادَةُ. فَإِذَا وَضَعَ الرِّبَا ، فَمَعْنَاهُ: وَضَعَ الزِّيَادَةَ. وَالْمُرَادُ بِالْوَضْعِ: الرَّدُّ وَالْإِبْطَالُ. قَالَ: وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ: إِبْطَالُ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَبُيُوعِهَا الَّتِي لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا قَبْضٌ. وَأَنَّهُ: لَا قِصَاصَ فِي قَتْلِهَا. وَأَنَّ الْإِمَامَ وَغَيْرَهُ: مِمَّنْ يَأْمُرُ بِمَعْرُوفٍ ، أَوْ يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ ، يَنْبَغِي: أَنْ يَبْدَأَ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ ، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى قَبُولِ قَوْلِهِ ، وَإِلَى طِيبِ نَفْسٍ مِنْ قُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ. (فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ. فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ) . هَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ. وَفِي بَعْضِهَا: (بِأَمَانَةِ اللَّهِ) . فِيهِ: الْحَثُّ عَلَى: مُرَاعَاةِ حَقِّ النِّسَاءِ. وَالْوَصِيَّةِ بِهِنَّ. وَمُعَاشَرَتِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ ، فِي الْوَصِيَّةِ بِهِ ، وَبَيَانِ حُقُوقِهِنَّ ، وَالتَّحْذِيرِ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي ذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَدْ جَمَعْتُهَا ، أَوْ مُعْظَمَهَا فِي: (رِيَاضِ الصَّالِحِينَ) . (وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ) . و قِيلَ: مَعْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ . وَقِيلَ: الْمُرَادُ: كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ. وَهِيَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) إِذْ لَا تَحِلُّ مُسْلِمَةٌ لِغَيْرِ مُسْلِمٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِإِبَاحَةِ اللَّهِ. وَالْكَلِمَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الثَّالِثُ ، هُوَ الصَّحِيحُ. وَبِالْأَوَّلِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ: الْإِيجَابُ ، وَالْقَبُولُ. وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا: الْكَلِمَةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا. انْتَهَى. وَأَقُولُ: هَذَا الْأَخِيرُ ، هُوَ الْأَلْصَقُ بِالْمَقَامِ ، وَالْأَوْفَقُ بِالْمَرَامِ. وَلَا مَانِعَ أَيْضًا ، مِنْ إِرَادَةِ الْجَمِيعِ. لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ. وَهَذَا مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ: أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ ، أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ) . قَالَ الْمَازِرِيُّ: قِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ ، أَنْ لَا يَسْتَخْلِيَنَّ بِالرِّجَالِ ، وَلَمْ يُرِدْ زِنَاهَا. لِأَنَّ ذَلِكَ ، يُوجِبُ جَلْدَهَا ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ ، مَعَ مَنْ يَكْرَهُهُ الزَّوْجُ وَمَنْ لَا يَكْرَهُهُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: كَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ ، حَدِيثَ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ. وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ، عَيْبًا وَلَا رِيبَةً عِنْدَهُمْ. فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ ، نُهُوا عَنْ ذَلِكَ. انْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنْ لَا تَأْذَنَ لِأَحَدٍ تَكْرَهُونَهُ ، فِي دُخُولِ بُيُوتِكُمْ ، وَالْجُلُوسِ فِي مَنَازِلِكُمْ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْذُونُ لَهُ: رَجُلًا أَجْنَبِيًّا ، أَوِ امْرَأَةً ، أَوْ أَحَدًا مِنْ مَحَارِمَ الزَّوْجَةِ. فَالنَّهْيُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ. وَهَذَا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهَا لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَأْذَنَ لِرَجُلٍ ، أَوِ امْرَأَةٍ ، وَلَا مَحْرَمٍ ، وَلَا غَيْرِهِ ، فِي دُخُولِ مَنْزِلِ الزَّوْجِ. إِلَّا مَنْ عَلِمَتْ وَظَنَّتْ: أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَكْرَهُهُ. لِأَنَّ الْأَصْلَ: تَحْرِيمُ دُخُولِ مَنْزِلِ الْإِنْسَانِ ، حَتَّى يُوجَدَ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ مِنْهُ ، أَوْ مِمَّنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ ، أَوْ عَرَفَ رِضَاهُ: بِاطِّرَادِ الْعُرْفِ لِذَلِكَ وَنَحْوِهِ. وَمَتَى حَصَلَ الشَّكُّ فِي الرِّضَا ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ شَيْءٌ ، وَلَا وَجَدَتْ قَرِينَةً: لَا يَحِلُّ الدُّخُولُ ، وَلَا الْإِذْنُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. وَأَقُولُ: هَذَا الْمَعْنَى الْأَخِيرُ ، هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ ، الْمُوَافِقُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَكَمْ مِنْ فِتْنَةٍ ، تَوَلَّدَتْ مِنْ عَدَمِ الْعَمَلِ بِهَذَا الْحُكْمِ ، وَتَرْكِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ ، وَصَارَتْ ذَرِيعَةً إِلَى: ضَيَاعِ الضَّيْعَةِ ، وَالْعِرْضِ ، وَالْعَرَضِ. بَلِ انْجَرَّتْ إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَبِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ: غَلَبَ غَالِبُ النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ ، وَآلَ فَسَادُ الْبَيْتِ وَأَهْلِهِ إِلَى مَا آلَ. (فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ ، فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) . وَهُوَ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ الشَّاقُّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ: اضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا ، لَيْسَ بِشَدِيدٍ وَلَا شَاقٍّ. (وَالْبَرْحُ) الْمَشَقَّةُ. (وَالْمُبْرِحُ) بِضَمِّ الْمِيمِ ، وَسُكُونِ الْبَاءِ ، وَكَسْرِ الرَّاءِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: إِبَاحَةُ ضَرْبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ لِلتَّأْدِيبِ. فَإِنْ ضَرَبَهَا: الضَّرْبَ الْمَأْذُونَ فِيهِ ، فَمَاتَتْ مِنْهُ: وَجَبَتْ دِيَتُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبِ. وَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ. (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ: رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) . فِيهِ: وُجُوبُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَكِسْوَتِهَا. وَذَلِكَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَهُ النَّوَوِيُّ. وَتَفْصِيلُ هَذَا الْمُجْمَلِ ، وَتَبْيِينُ هَذَا الْمُشْكَلِ: يَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ بَسِيطٍ. وَقَدْ حَقَّقْتُهُ فِي كِتَابِ: (دَلِيلِ الطَّالِبِ ، عَلَى أَرْجَحِ الْمَطَالِبِ) . وَفِي تَقْيِيدِ هَذَا الْكَلَامِ: (بِالْمَعْرُوفِ) ، فَوَائِدُ جَمَّةٌ. ذَكَرْنَاهَا هُنَالِكَ.

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية