الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                                      التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

                                                                                                                                                                                                                                      المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      التَّفْسِيرُ: قَالَ قَتَادَةُ : مَعْنَى اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أَيْ: مِنَ الْوَقَائِعِ فِي مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَمَا خَلْفَكُمْ : مِنَ الْآخِرَةِ. ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ: مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ : الْآخِرَةُ، وَ وَمَا خَلْفَكُمْ : الدُّنْيَا. وَقِيلَ: مَعْنَى مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ : مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، وَمَا خَلْفَكُمْ : مَا لَمْ تَعْمَلُوهُ بَعْدُ. وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ; وَالتَّقْدِيرُ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ أَعْرَضُوا، وَدَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ. وَقَوْلُهُ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : قَالَ الْحَسَنُ : يَعْنِي: الْيَهُودَ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارٌ عَنْهُمْ: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ : يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً. وَقَوْلُهُ: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ قِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْكُفَّارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْكُفَّارِ. وَقَوْلُهُ: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ أَيْ: مَا يَنْتَظِرُونَ إِلَّا الْقِيَامَةَ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُمْ، [فَيَمُوتُونَ فِي مَكَانِهِمْ] وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُوصُوا، وَلَا أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى أَهْلِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ : لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا. وَقَوْلُهُ: فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ الْأَجْدَاثِ} الْقُبُورِ، وَاحِدُهَا: (جَدَثٌ) وَيُقَالُ فِيهِ: (جَدَفٌ) بِالْفَاءِ. وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى {يَنْسِلُونَ} . وَقَوْلُهُ: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذَا مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، صَدَّقُوا الرُّسُلَ لَمَّا عَايَنُوا مَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ، فَيَقُولُ لَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ . وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ لِلْكُفَّارِ. الْأَعْمَشُ: رُوِيَ أَنَّ الْعَذَابَ يُكَفُّ عَنْهُمْ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ; قَالُوا: يَا وَلْيَنَا، مَنْ بَعَثْنَا مِنْ مَرْقَدِنَا؟ وَقِيلَ: إِنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: {هَذَا} وَيُبْتَدَأُ: مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ عَلَى مَعْنَى: مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ حَقٌّ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : شُغُلُهُمُ افْتِضَاضُ الْأَبْكَارِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهُمْ فِي شُغُلٍ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {فَاكِهُونَ}: ذَوُو فَاكِهَةٍ، وَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَرِحُونَ، وَقِيلَ: نَاعِمُونَ. وَ {فَكِهُونَ} بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي قَوْلِ قَتَادَةَ: مُعْجَبُونَ. أَبُو زَيْدٍ: يُقَالُ: (رَجُلٌ فَكِهٌ) إِذَا كَانَ طَيِّبَ النَّفْسِ ضَحُوكًا. الْفَرَّاءُ: {فَكِهُونَ} وَ {فَاكِهُونَ} بِمَعْنًى; كَمَا يُقَالُ: {حَذِرُونَ} وَ {حَاذِرُونَ} [الشُّعَرَاءِ: 56]. وَقَوْلُهُ: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ : (الظِّلَالُ): جَمْعُ (ظِلٍّ) أَوْ جَمْعُ (ظُلَّةٍ) وَمَنْ قَرَأَ: {فِي ظُلَلٍ} فَهُوَ جَمْعُ (ظُلَّهٍ) لَا غَيْرُ. وَقَوْلُهُ: وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ : مَعْنَى {يَدَّعُونَ}: يَتَمَنَّوْنَ، مِنَ (الدُّعَاءِ) أَيْ: مَنِ ادَّعَى بِشَيْءٍ أُعْطِيَهُ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: أَنَّ مَنِ ادَّعَى مِنْهُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ طَبَعَهُمْ عَلَى أَلَّا يَدَّعِيَ أَحَدُهُمْ إِلَّا مَا يُحْسِنُ أَنْ يَدَّعِيَهُ. وَقَوْلُهُ: سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ أَيْ: وَلَهُمْ سَلَامٌ يَسْمَعُونَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. الْفَرَّاءُ: لَهُمْ ذَلِكَ سَلَامٌ; أَيْ: مُسَلَّمٌ. الزَّجَّاجُ : {سَلَامٌ}: بَدَلٌ مِنْ (مَا) أَيْ: وَلَهُمْ أَنْ يُسَلِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ. وَقَوْلُهُ: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ : قَالَ قَتَادَةُ : أَيِ: اعْتَزِلُوا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: امْتَازُوا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَوْلُهُ: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ; وَالْمَعْنَى: أَلَمْ أَتَقَدَّمْ إِلَيْكُمْ; فَأُوصِيَكُمْ؟ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَيْ: خَلْقًا كَثِيرًا. وَقَوْلُهُ: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ الْآيَةَ: رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ يَتَكَلَّمُ مِنَ الْإِنْسَانِ -إِذَا خُتِمَ عَلَى فَمِهِ- فَخِذُهُ الْيُسْرَى». وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: إِنِّي لَأَحْسَبُ أَنَّ أَوَّلَ مَا يَنْطِقُ مِنْهُ فَخِذُهُ الْيُمْنَى. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمَعْنَى: لَأَعْمَيْنَاهُمْ عَنِ الْهُدَى [فَلَا يَهْتَدُونَ أَبَدًا إِلَى الطَّرِيقِ الْحَقِّ. الْحَسَنُ : الْمَعْنَى: لَتَرَكْنَاهُمْ عُمْيًا، يَتَرَدَّدُونَ; فَالْمَعْنَى: لَأَعْمَيْنَاهُمْ] فَلَا يُبْصِرُونَ طَرِيقًا إِلَى تَصَرُّفِهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلَا غَيْرِهَا، وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ. وَقَوْلُهُ: فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ : قَالَ الْحَسَنُ : أَيْ: لَأَقْعَدْنَاهُمْ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَمْضُوا أَمَامَهُمْ، وَلَا يَرْجِعُوا وَرَاءَهُمْ. ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمَعْنَى: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَهْلَكْنَاهُمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: لَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي اجْتَرَؤُوا فِيهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. ابْنُ سَلَّامٍ: هَذَا كُلُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَطْمِسُ اللَّهُ عَلَى أَعْيُنِهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ. وَقَوْلُهُ: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ يَعْنِي: أَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى حَالِ الْهَرَمِ الَّذِي يُشْبِهُ حَالَ الصِّبَا، قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَيْ: وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَهُ، وَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَمًا مِنْ أَعْلَامِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِئَلَّا تَدْخُلَ الشُّبْهَةُ عَلَى مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ، فَيَظُنَّ أَنَّهُ قَوِيٌّ عَلَى الْقُرْآنِ بِمَا فِي طَبْعِهِ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى إِنْشَاءِ الشِّعْرِ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِمُلْحِدٍ عَلَى هَذَا بِمَا يَتَّفِقُ الْوَزْنُ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الرَّسُولِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لِأَنَّ مَا وَافَقَ وَزْنُهُ وَزْنَ الشِّعْرِ، وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ إِلَى الشِّعْرِ; لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَلَوْ كَانَ شِعْرًا لَكَانَ كُلُّ مَنْ نَطَقَ بِمَوْزُونٍ مِنَ الْعَامَّةِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ وَزْنَ الشِّعْرِ شَاعِرًا، وَقَدْ بَسَطْتُ الْقَوْلَ فِي هَذَا فِي "الْجَامِعِ". وَقَوْلُهُ: {لِتُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} أَيْ: حَيَّ الْقَلْبِ، عَنْ قَتَادَةَ، وَ[قِيلَ: الْمَعْنَى: لِتُنْذِرَ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية