صحيح مسلم
263 [ 142 ] وعن أبي موسى ; قال : قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بخمس كلمات ، فقال : إن الله لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور . . . . . . . .
وفي رواية : النار ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه .
رواه أحمد ( 4 \ 395 و 405 ) ، ومسلم ( 179 ) ، وابن ماجه ( 196 ) .
المفهم
[ ص: 409 ] و ( قوله : " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ") النوم عليه محال ; لأن النوم موت ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن نوم أهل الجنة ، فقال : " النوم أخو الموت ، والجنة لا موت فيها " ، وأيضا فإن النوم راحة من تعب التصرف ، وذلك من تعب الأجسام .
و (قوله : " يخفض القسط ويرفعه ") قال ابن قتيبة : القسط : الميزان ، وسمي بذلك ; لأن القسط هو العدل ، وذلك إنما يحصل ويعرف بالميزان في حقوقنا ، وأراد به هاهنا ما يوزن به أعمال العباد المرتفعة إليه ، وأرزاقهم الواصلة إليهم ، كما قال الله تعالى : وما ننزله إلا بقدر معلوم [ الحجر : 21 ] .
و " القسطاس " - بضم القاف وكسرها - : هو أقوام الموازين ، وقيل : أراد بالقسط هنا الوزن الذي هو قسط كل مخلوق ، يخفضه فيقتره ، ويرفعه فيوسعه . وقيل : إن القسط هو العدل نفسه ، ويراد به الشرائع والأحكام ، كما قال الله تعالى : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط [ الحديد : 25 ] ; أي : النصفة في الأحكام والعدل المأمور به في قوله : إن الله يأمر بالعدل والإحسان [ النحل : 90 ] فتارة يرفعه بمعنى : يعليه ويظهره بوجود الأنبياء وأصحابهم وأتباعهم العاملين به ، وتارة يخفضه بمعنى أنه يذهبه ويخفيه بدروس الشرائع ، ورجوع أكثر الناس عن المشي على منهاجها . ويحتمل أن يكون رفعها : قبضها ، كما قال - عليه الصلاة والسلام - في الأمانة : إنها ترفع من القلوب ، وكما قال : " أول ما تفقدون من دينكم الأمانة ، وآخر ما تفقدون منه الصلاة " ، بل كما قال : [ ص: 410 ] " عليكم بالعلم قبل أن يرفع " ، وخفضها إيجادها في الأرض ووضعها ، والله أعلم .
و (قوله : " يرفع إليه عمل النهار قبل الليل ") يعني أن الملائكة الموكلين بنا تحصي علينا عمل اليوم ، فترفعه في آخره لقرب الليل ، وكذلك في الليل ترفعه بقرب النهار ، ولذلك جاء في الرواية الأخرى : " يرفع إليه عمل الليل بالنهار وعمل النهار بالليل " ، فجعل الباء مكان " قبل " . وهذا الحديث كقوله : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " . والهاء في " إليه " عائدة إلى الله تعالى لكن على طريقة حذف المضاف ، والمراد به المحل الذي تنتهي الملائكة إليه بأعمال العباد ، ولعله سدرة المنتهى كما تقدم في حديث الإسراء . وهذا كما تقول : رفع المال إلى الملك ; أي إلى خزائنه . وعلى هذا يحمل قوله تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب [ فاطر : 10 ] .
و ( قوله : تعرج الملائكة والروح إليه [ المعارج : 4 ] ) أي : مقاماتهم في حضرته ، وإنما احتجنا إلى إبداء هذا التأويل ; لئلا يتخيل الجاهل أنه مختص بجهة فوق فيلزمه التجسيم ، ويكفيك مما يدل على نفي الجهة في حقه تعالى : وهو معكم أين ما كنتم [ الحديد : 4 ] وما في معناه .
و (قوله : " حجابه النور أو النار ") الحجاب : هو المانع والساتر ، ومنه سمي المانع من الأمير حاجبا ، وهو مضاف إلى الله تعالى إضافة ملك [ ص: 411 ] واختراع ، أو إضافة تشريف ، والمحجوب به العباد . وهو النور الذي بهر بصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حيث قال : " نور أنى أراه " ، وهو المعني بقوله في سدرة المنتهى : " فغشيها ألوان لا أدري ما هي " . وأما البارئ تعالى ، فيستحيل عليه أن يحيط به حجاب ; إذ يلزم منه أن يكون مقدرا محصورا ، فيحتاج إلى مقدر ومخصص ، ويلزم منه حدوثه . وفي التحقيق أن الحجاب في حقوقنا الموانع التي تقوم بنا عند وجود هذه الحوائل ; كالجسم الكثيف والشديد النور .
و (قوله : " لو كشفها ") الضمير عائد على النار أو الأنوار ، و " الحجاب " ; بمعنى : الحجب ، والسبحات جمع سبحة ، وأصلها جمال الوجه وبهاؤه ، ثم يعبر عنها عن العظمة والجلال ، وفي العين والصحاح : سبحات وجه ربنا جلاله . والهاء في " بصره " عائدة على الله تعالى على أحسن الأقوال ، وهو الذي عاد عليه ضمير " وجهه " ، وكذلك ضمير " خلقه " .
ومعنى الكلام : أن الله تعالى لو كشف عن خلقه ما منعهم به من رؤيته في الدنيا لما أطاقوا رؤيته ، ولهلكوا من عند آخرهم ، كما قال الله تعالى : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا [ الأعراف : 143 ] . ويفيد أن تركيب هذا الخلق وضعفهم في هذه الدار لا يحتمل رؤية الله فيها ، فإذا أنشأهم الله للبقاء وقواهم ، حملوا ذلك .
وقد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث وأبعدوا ، لا سيما من قال : إن الهاء في " وجهه " تعود على المخلوق ، فإنه يحيل مساق الكلام ويخل بالمعنى . والأشبه ما ذكرناه ، أو التوقف كما قال السلف : " اقرؤوها كما جاءت) ، يعنون المشكلات ، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى .


