الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 263 [ 142 ] وَعَنْ أَبِي مُوسَى ; قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ، حِجَابُهُ النُّورُ . . . . . . . . وَفِي رِوَايَةٍ : النَّارُ ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ( 4 \ 395 وَ 405 ) ، وَمُسْلِمٌ ( 179 ) ، وَابْنُ مَاجَهْ ( 196 ) . المفهم وَ ( قَوْلُهُ : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ") النَّوْمُ عَلَيْهِ مُحَالٌ ; لِأَنَّ النَّوْمَ مَوْتٌ ، كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ سُئِلَ عَنْ نَوْمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ : " النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ ، وَالْجَنَّةُ لَا مَوْتَ فِيهَا " ، وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّوْمَ رَاحَةٌ مِنْ تَعَبِ التَّصَرُّفِ ، وَذَلِكَ مِنْ تَعَبِ الْأَجْسَامِ . وَ (قَوْلُهُ : " يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ ") قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : الْقِسْطُ : الْمِيزَانُ ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْقِسْطَ هُوَ الْعَدْلُ ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ وَيُعْرَفُ بِالْمِيزَانِ فِي حُقُوقِنَا ، وَأَرَادَ بِهِ هَاهُنَا مَا يُوزَنُ بِهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ الْمُرْتَفِعَةُ إِلَيْهِ ، وَأَرْزَاقُهُمُ الْوَاصِلَةُ إِلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [ الْحِجْرِ : 21 ] . وَ " الْقِسْطَاسُ " - بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا - : هُوَ أَقْوَامُ الْمَوَازِينِ ، وَقِيلَ : أَرَادَ بِالْقِسْطِ هُنَا الْوَزْنَ الَّذِي هُوَ قِسْطُ كُلِّ مَخْلُوقٍ ، يُخَفِّضُهُ فَيُقَتِّرُهُ ، وَيَرْفَعُهُ فَيُوَسِّعُهُ . وَقِيلَ : إِنَّ الْقِسْطَ هُوَ الْعَدْلُ نَفْسُهُ ، وَيُرَادُ بِهِ الشَّرَائِعُ وَالْأَحْكَامُ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [ الْحَدِيدِ : 25 ] ; أَيِ : النَّصَفَةُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْعَدْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [ النَّحْلِ : 90 ] فَتَارَةً يَرْفَعُهُ بِمَعْنَى : يُعْلِيهِ وَيُظْهِرُهُ بِوُجُودِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَصْحَابِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمُ الْعَامِلِينَ بِهِ ، وَتَارَةً يُخَفِّضُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُذْهِبُهُ وَيُخْفِيهِ بِدُرُوسِ الشَّرَائِعِ ، وَرُجُوعِ أَكْثَرِ النَّاسِ عَنِ الْمَشْيِ عَلَى مِنْهَاجِهَا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَفْعُهَا : قَبْضَهَا ، كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْأَمَانَةِ : إِنَّهَا تُرْفَعُ مِنَ الْقُلُوبِ ، وَكَمَا قَالَ : " أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الْأَمَانَةُ ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْهُ الصَّلَاةُ " ، بَلْ كَمَا قَالَ : " عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ " ، وَخَفْضُهَا إِيجَادُهَا فِي الْأَرْضِ وَوَضْعُهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَ (قَوْلُهُ : " يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ ") يَعْنِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْمُوَكَّلِينَ بِنَا تُحْصِي عَلَيْنَا عَمَلَ الْيَوْمِ ، فَتَرْفَعُهُ فِي آخِرِهِ لِقُرْبِ اللَّيْلِ ، وَكَذَلِكَ فِي اللَّيْلِ تَرْفَعُهُ بِقُرْبِ النَّهَارِ ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : " يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ " ، فَجَعَلَ الْبَاءَ مَكَانَ " قَبْلَ " . وَهَذَا الْحَدِيثُ كَقَوْلِهِ : " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ " . وَالْهَاءُ فِي " إِلَيْهِ " عَائِدَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَكِنْ عَلَى طَرِيقَةِ حَذْفِ الْمُضَافِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَحَلُّ الَّذِي تَنْتَهِي الْمَلَائِكَةُ إِلَيْهِ بِأَعْمَالِ الْعِبَادِ ، وَلَعَلَّهُ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ . وَهَذَا كَمَا تَقُولُ : رُفِعَ الْمَالُ إِلَى الْمَلِكِ ; أَيْ إِلَى خَزَائِنِهِ . وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [ فَاطِرٍ : 10 ] . وَ ( قَوْلُهُ : تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [ الْمَعَارِجِ : 4 ] ) أَيْ : مَقَامَاتُهُمْ فِي حَضْرَتِهِ ، وَإِنَّمَا احْتَجْنَا إِلَى إِبْدَاءِ هَذَا التَّأْوِيلِ ; لِئَلَّا يَتَخَيَّلَ الْجَاهِلُ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِجِهَةِ فَوْقُ فَيَلْزَمُهُ التَّجْسِيمُ ، وَيَكْفِيكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْجِهَةِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [ الْحَدِيدِ : 4 ] وَمَا فِي مَعْنَاهُ . وَ (قَوْلُهُ : " حِجَابُهُ النُّورُ أَوِ النَّارُ ") الْحِجَابُ : هُوَ الْمَانِعُ وَالسَّاتِرُ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَانِعُ مِنَ الْأَمِيرِ حَاجِبًا ، وَهُوَ مُضَافٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَةَ مِلْكٍ وَاخْتِرَاعٍ ، أَوْ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ ، وَالْمَحْجُوبُ بِهِ الْعِبَادُ . وَهُوَ النُّورُ الَّذِي بَهَرَ بَصَرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، حَيْثُ قَالَ : " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ " ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ فِي سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى : " فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ " . وَأَمَّا الْبَارِئُ تَعَالَى ، فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أَنْ يُحِيطَ بِهِ حِجَابٌ ; إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا مَحْصُورًا ، فَيَحْتَاجُ إِلَى مُقَدَّرٍ وَمُخَصَّصٍ ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ حُدُوثُهُ . وَفِي التَّحْقِيقِ أَنَّ الْحِجَابَ فِي حُقُوقِنَا الْمَوَانِعُ الَّتِي تَقُومُ بِنَا عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الْحَوَائِلِ ; كَالْجِسْمِ الْكَثِيفِ وَالشَّدِيدِ النُّورِ . وَ (قَوْلُهُ : " لَوْ كَشَفَهَا ") الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى النَّارِ أَوِ الْأَنْوَارِ ، وَ " الْحِجَابُ " ; بِمَعْنَى : الْحَجْبُ ، وَالسُّبُحَاتُ جَمْعُ سُبْحَةٍ ، وَأَصْلُهَا جَمَالُ الْوَجْهِ وَبَهَاؤُهُ ، ثُمَّ يُعَبَّرُ عَنْهَا عَنِ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ ، وَفِي الْعَيْنِ وَالصِّحَاحِ : سُبُحَاتِ وَجْهِ رَبِّنَا جَلَالُهُ . وَالْهَاءُ فِي " بَصَرِهِ " عَائِدَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَحْسَنِ الْأَقْوَالِ ، وَهُوَ الَّذِي عَادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ " وَجْهِهِ " ، وَكَذَلِكَ ضَمِيرُ " خَلْقِهِ " . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ كَشَفَ عَنْ خَلْقِهِ مَا مَنَعَهُمْ بِهِ مِنْ رُؤْيَتِهِ فِي الدُّنْيَا لَمَا أَطَاقُوا رُؤْيَتَهُ ، وَلَهَلَكُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [ الْأَعْرَافِ : 143 ] . وَيُفِيدُ أَنَّ تَرْكِيبَ هَذَا الْخَلْقِ وَضَعْفَهُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ لَا يُحْتَمَلُ رُؤْيَةَ اللَّهِ فِيهَا ، فَإِذَا أَنْشَأَهُمُ اللَّهُ لِلْبَقَاءِ وَقَوَّاهُمْ ، حَمَلُوا ذَلِكَ . وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَبْعَدُوا ، لَا سِيَّمَا مَنْ قَالَ : إِنَّ الْهَاءَ فِي " وَجْهِهِ " تَعُودُ عَلَى الْمَخْلُوقِ ، فَإِنَّهُ يُحِيلُ مَسَاقَ الْكَلَامِ وَيُخِلُّ بِالْمَعْنَى . وَالْأَشْبَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، أَوِ التَّوَقُّفُ كَمَا قَالَ السَّلَفُ : " اقْرَؤُوهَا كَمَا جَاءَتْ) ، يَعْنُونَ الْمُشْكِلَاتِ ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية