الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 3700 3701 ص: وَقَدْ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ قَرَنَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : ثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَرْبَعَ عُمَرٍ : عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعُمْرَتَهُ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ وَعُمْرَتَهُ فِي الْجِعْرَانَةِ ، وَعُمْرَتَهُ مَعَ حَجَّتِهِ وَحَجَّ حَجَّةً وَاحِدَةً" . . شرح معاني الآثار ش: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ مَا خَلَا ابْنَ شَيْبَةَ وَيَحْيَى بْنَ يَحْيَى شَيْخَ الشَّيْخَيْنِ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ : ثَنَا النُّفَيْلِيُّ وَقُتَيْبَةُ قَالَا : ثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : "اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَرْبَعَ عُمَرٍ : عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالثَّانِيَةَ حِينَ تَوَاطَئُوا عَلَى عُمْرَةِ قَابِلٍ - قَالَ قُتَيْبَةُ : هِيَ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ - وَالثَّالِثَةَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَالرَّابِعَةَ الَّتِي قَرَنَ مَعَ حَجَّتِهِ" . وَالتِّرْمِذِيُّ : ثَنَا قُتَيْبَةُ ثَنَا دَاوُدُ . . . إِلَى آخِرِهِ "عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْعُمْرَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ قَابِلٍ ، وَعُمْرَةُ الْقَضَاءِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ ، وَالْعُمْرَةُ الثَّالِثَةُ فِي الْجِعْرَانَةِ ، وَالْعُمْرَةُ الرَّابِعَةُ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ" . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَابْنُ مَاجَهْ : ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّافِعِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . . . إِلَى آخِرِهِ ، نَحْوَ رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ مُرْسَلًا ، فَقَالَ : ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : "أَرْبَعَ عُمَرٍ" بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ عُمْرَةٍ . قَوْلُهُ : "عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ" أَيْ إِحْدَاهَا عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَفِي آخِرِهِ هَاءٌ وَهِيَ مَوْضِعٌ بَعْضُهُ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ الْآخَرُ فِي الْحَرَمِ وَهُوَ أَبْعَدُ أَطْرَافِ الْحَرَمِ عَنِ الْبَيْتِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي صَدَّ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ زِيَارَةِ الْبَيْتِ ، وَفِي "الْمَطَالِعِ" : "الْحُدَيْبِيَةُ" بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ ضَبَطَاهَا عَلَى الْمُتْقِنِينَ ، وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ يُشِدِّدُونَهَا وَهِيَ قَرْيَةٌ لَيْسَتْ بِالْكَبِيرَةِ سُمِّيَتْ بِبِئْرٍ هُنَاكَ عِنْدَ مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ وَبَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ تِسْعُ مَرَاحِلَ وَمَرْحَلَةٌ إِلَى مَكَّةَ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَهِيَ بِئْرٌ قَالَ مَالِكٌ : وَهِيَ مِنَ الْحَرَمِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : بَعْضُهَا مِنَ الْحِلِّ ، وَكَانَتْ غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ بِلَا خِلَافٍ . قَوْلُهُ "وَعُمْرَتُهُ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ" أَيِ الثَّانِيَةُ عُمْرَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ وَهِيَ سَنَةُ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى عُمْرَةَ الْقَضَاءِ وَيُقَالُ : [لَهَا] الْقِصَاصُ وَرَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ ، وَيُقَالُ : عُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حُنَيْنٍ إِلَى الْمَدِينَةِ أَقَامَ شَهْرَ رَبِيعٍ وَجَمَادَيْنِ وَرَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَشَوَّالٍ يَبْعَثُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ سَرَايَاهُ ، ثُمَّ خَرَجَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ فِي الشَّهْرِ الَّذِي صَدَّهُ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ مُعْتَمِرًا عُمْرَةَ الْقَضَاءِ مَكَانَ عُمْرَتِهِ الَّتِي صَدُّوهُ عَنْهَا وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ : وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَاقَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ سِتِّينَ بَدَنَةً . وَقَوْلُهُ : "وَعُمْرَتُهُ فِي الْجِعْرَانَةِ" وَكَانَتْ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِسْمَةِ غَنَائِمِ هَوَازِنَ ، وَالْجِعْرَانَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهَا مُسْتَوْفًى . قَوْلُهُ : "وَعُمْرَتُهُ مَعَ حَجَّتِهِ" أَيِ الْعُمْرَةُ الرَّابِعَةُ عُمْرَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَعَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ قَارِنًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ ثُمَّ إِنَّ عُمَرَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ جَمِيعُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إِلَّا مَا جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ وَاحِدَةً مِنْهَا كَانَتْ فِي رَجَبٍ ، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَائِشَةُ - رِضَى اللَّهِ عَنْهَا - فَسَكَتَ وَلَمْ يُرَاجِعْهَا ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ قَوْلِ عَائِشَةَ وَصِحَّةِ رِوَايَتِهَا ، إِذْ لَوْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِمَّا قَالَ لَرَاجَعَهَا فِي ذَلِكَ . وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ : "سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، قُلْتُ : كَمْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ؟ قَالَ : حَجَّةً وَاحِدَةً ، وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ ، عُمْرَتَهُ فِي زَمَنِ الْحُدَيْبِيَةَ وَعُمْرَتَهُ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَعُمْرَتَهُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنِيمَةَ حُنَيْنٍ وَعُمْرَتَهُ مَعَ حَجَّتِهِ" . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ . فَإِنْ قِيلَ : مَا تَقُولُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : "اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ثَلَاثَ عُمَرٍ وَكُلُّ ذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ يُلَبِّي حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ" . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ؟ قُلْتُ : قَالُوا : هَذَا غَرِيبٌ ، وَهَذِهِ الثَّلَاثُ الْعُمَرُ اللَّاتِي وَقَعْنَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مَا عَدَا عُمْرَتَهُ مَعَ حَجَّتِهِ فَإِنَّهَا وَقَعَتْ فِي ذِي الْحِجَّةِ مَعَ حَجَّتِهِ ، وَإِنْ أَرَادَ ابْتِدَاءَ الْإِحْرَامِ بِهِنَّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صُدَّ عَنْهَا وَلَمْ يَفْعَلْهَا ، وَكَانَ نَافِعٌ وَمَوْلَاهُ ابْنُ عُمَرَ يُنْكِرَانِ كَوْنَ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ نَافِعٌ : "وَلَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَلَوِ اعْتَمَرَ لَمْ يَخْفَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ " . وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ نَافِعٍ : "ذَكَرَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ عُمْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنِ الْجِعْرَانَةِ فَقَالَ : لَمْ يَعْتَمِرْ مِنْهَا" وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمَوْلَاهُ نَافِعٍ إِنْكَارُهُمَا عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ ، وَقَدْ أَطْبَقَ النَّقَلَةُ مِمَّنْ عَدَاهُمَا عَلَى رِوَايَةِ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ كُلُّهُمْ ، وَهَذَا أَيْضًا كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" : عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَنْكَرَتْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ قَوْلَهُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ ، فَقَالَتْ : "يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَّا وَهُوَ شَاهِدٌ وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ" .

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية