الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 3681 3682 3683 ص: فَقَالَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْقِرَانَ : إِنَّمَا قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ" عَلَى الدُّعَاءِ مِنْهُ لَهُ لَا عَلَى تَصْوِيبِهِ إِيَّاهُ فِي فِعْلِهِ وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى جِهَةِ الدُّعَاءِ : أَنَّ فَهْدًا حَدَّثَنَا قَالَ : ثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَشُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَقِيقٌ ، قَالَ : ثَنَا الصُّبَيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ : " كُنْتُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِنَصْرَانِيَّةٍ فَلَمَّا أَسْلَمْتُ لَمْ آلُ أَنْ أَجْتَهِدَ ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ جَمِيعًا فَمَرَرْتُ بِالْعُذَيْبِ بِسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ ، فَسَمِعَانِي وَأَنَا أُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : أَبِهِمَا جَمِيعًا ؟ وَقَالَ الْآخَرُ : دَعْهُ فَإِنَّهُ أَضَلُّ مِنْ بَعِيرِهِ ؛ قَالَ : فَانْطَلَقْتُ وَكَأَنَّ بَعِيرِي عَلَى عُنُقِي فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : إِنَّهُمَا لَمْ يَقُولَا شَيْئًا ، هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " . حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، قَالَ : ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : ثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنِ الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ ، قَالَ : "أَهْلَلْتُ بِهِمَا جَمِيعًا فَمَرَرْتُ بِسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ 5 وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ ، فَعَابَا ذَلِكَ عَلَيَّ فَلَمَّا قَدِمْتُ [عَلَى] عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : لَمْ يَقُولَا شَيْئًا هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - . فَدَلَّ قَوْلُهُ : "هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ" بَعْدَ قَوْلِهِ : "إِنَّهُمَا لَمْ يَقُولَا شَيْئًا" أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ عَلَى التَّصْوِيبِ مِنْهُ لَا عَلَى الدُّعَاءِ . شرح معاني الآثار ش: الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْقِرَانَ هُمُ الطَّائِفَةُ الَّذِينَ ذَكَرُوا فِي الْفَرِيقَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : لَمَّا اسْتَدَلَّتْ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الثَّالِثَةِ بِمَا رُوِيَ عَنْ صُبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْقِرَانِ : لَا دَلَالَةَ لِذَلِكَ عَلَى الْقِرَانِ وَلَا عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ لِأَنَّ قَوْلَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - "هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ" دُعَاءٌ مِنْهُ لَهُ عَلَى أَنْ يَهْدِيَهُ [اللَّهُ] لِسُنَّةِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَيْثُ تَرَكَ السُّنَّةَ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَوَّبَ فِعْلَهُ ذَلِكَ ، أَعْنِي جَمْعَهُ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ فِي إِهْلَالِهِ فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ ، عَلَى الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْقِرَانَ بَيَانُهُ : أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : "هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ" بَعْدَ قَوْلِهِ : "إِنَّهُمَا لَمْ يَقُولَا شَيْئًا" يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ مِنَ الصَّبِيِّ صَوَابًا وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ سُنَّةُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُ دُعَاءً لَهُ إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ لَمَا قَالَ : "إِنَّهُمَا لَمْ يَقُولَا شَيْئًا" فَإِنْكَارُهُ عَلَيْهِمَا قَوْلَهُمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ : "هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ" هُوَ الْإِخْبَارُ عَلَى مَعْنَى أَنَّكَ أَتَيْتَ بِمَا هُوَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ هُوَ الدُّعَاءَ الَّذِي هُوَ الْإِنْشَاءُ . ثُمَّ إِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ طَرِيقَيْنِ صَحِيحَيْنِ : الْأَوَّلُ : عَنْ فَهْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ . . إِلَى آخِرِهِ . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" : عَنْ يَحْيَى عَنِ الْأَعْمَشِ . . . بِمِثْلِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَرِيبٍ . الثَّانِي : عَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَةَ بْنِ الصَّلْتِ السَّدُوسِيِّ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ شَيْخِ الْجَمَاعَةِ غَيْرَ ابْنِ مَاجَهْ . وَأَخْرَجَهُ فِي "مُسْنَدِهِ" . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيَنَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - الْمَعْنَى - قَالَا : ثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، قَالَ : قَالَ الصُّبَيُّ بْنُ مَعْبَدٍ : "كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمْتُ ، فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِي يُقَالُ لَهُ : هُذَيْمُ بْنُ ثُرْمُلَةَ ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا هَنَا ، إِنِّي حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ ، وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ فَكَيْفَ لِي بِأَنْ أَجْمَعَهُمَا ؟ فَقَالَ : اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، فَأَهْلَلْتُ بِهِمَا مَعًا جَمِيعًا ، فَلَمَّا أَتَيْتُ الْعُذَيْبَ لَقِيتُ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ وَزَيْدَ بْنَ صُوحَانَ وَأَنَا أُهِلُّ بِهِمَا مَعًا ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ ، قَالَ : فَكَأَنَّمَا أُلْقِيَ عَلَيَّ جَبَلٌ ، حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا ، وَإِنِّي أَسْلَمْتُ ، وَأَنَا حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ ، وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ ، فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي فَقَالَ لِي : اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، وَإِنِّي أَهْلَلْتُ بِهِمَا مَعًا ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : "ذَهَبْتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - " . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُ وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا . قَوْلُهُ : "لَمْ آلُ أَنْ أَجْتَهِدَ" أَيْ لَمْ أُقَصِّرْ فِي الِاجْتِهَادِ وَ "أَنْ" مَصْدَرِيَّةٌ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : "أَلَّا يَأْلُوَ" أَيْ قَصَّرَ وَفُلَانٌ لَا يَأْلُوكَ نُصْحًا فَهُوَ آلٍ وَالْمَرْأَةُ : آلِيَةٌ وَجَمْعُهَا : أَوَالٍ . قَوْلُهُ : "بِالْعُذَيْبِ" بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ : مَاءٌ لِبَنِي تَيْمٍ إِذَا خَرَجْتَ عَنِ الْقَادِسِيَّةِ تُرِيدُ مَكَّةَ وَالْعُذَيْبُ أَوَّلُ الْبَادِيَةِ قَالَهُ يَاقُوتٌ فِي الْمُشْتَرَكِ . قَوْلُهُ : " سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ" وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : سَلْمَانُ الْخَيْلِ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَلِي الْخُيُولَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالْكُوفَةِ ، يُقَالُ : إِنَّ لَهُ صُحْبَةً وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ التَّابِعِينَ ، وَكَانَ رَجُلًا يَأْتِي الْحَجَّ كُلَّ سَنَةٍ ، وَهُوَ أَوَّلُ قَاضٍ اسْتُقْضِيَ بِالْكُوفَةِ ، مَكَثَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يَأْتِيهِ خَصْمٌ وَكَانَ قَدِ اسْتَقْضَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمَئِذٍ ، قُتِلَ [بِبَلَنْجَرَ] سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَقِيلَ : تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَقِيلَ : ثَلَاثِينَ وَقِيلَ : إِحْدَى وَثَلَاثِينَ . وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ - بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - صَحَابِيٌّ قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ لَهُ صُحْبَةً وَلَكِنَّهُ مِمَّنْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُسْلِمًا قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ سَنَةَ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ عَبْدِ الْقَيْسِ يَوْمَئِذٍ . وَ"هُذَيْمٌ" بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ .

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية