الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 3667 ص: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رَوَيْتُمْ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ خِلَافَ هَذَا ، فَرَوَيْتُمْ عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَفْرَدَ الْحَجَّ ، . وَرَوَيْتُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ، ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْحَجِّ" وَرَوَيْتُمْ عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَفْرَدَ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ" قِيلَ لَهُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى مَعْنًى لَا يُخَالِفُ مَعْنَى مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِفْرَادُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ ، إِنَّمَا أَرَادَتْ بِهِ إِفْرَادَ الْحَجِّ فِي وَقْتِ مَا أَحْرَمَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ ، فَأَرَادَتْ أَنَّهُ لَمْ يَخْلِطْهُ فِي وَقْتِ إِحْرَامِهِ بِهِ بِإِحْرَامٍ بِعُمْرَةٍ كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ لَا حَجَّةَ مَعَهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَعْنِي مَقْرُونَيْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَلَمْ تَذْكُرْ فِي ذَلِكَ التَّمَتُّعَ ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ قَدْ كَانُوا أَحْرَمُوا بِالْعُمْرَةِ أَحْرَمُوا بَعْدَهَا بِحَجَّةٍ ، لَيْسَ حَدِيثُهَا هَذَا يَنْفِي مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ، وَأَنَّهَا قَالَتْ : وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْحَجِّ مُفْرَدًا فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحَجُّ الْمُفْرَدُ بَعْدَ عُمْرَةٍ قَدْ كَانَتْ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ مُفْرَدَةً ، فَيَكُونُ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، ثُمَّ أَحْرَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَجَّةٍ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، حَتَّى تَتَّفِقَ هَذِهِ الْآثَارُ وَلَا تَتَضَادَّ ، فَأَمَّا مَعْنَى مَا رَوَتْ أُمُّ عَلْقَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَفْرَدَ الْحَجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي وَقْتِ إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ كَمَا فَعَلَ مَنْ كَانَ مَعَهُ ، وَلَكِنَّهُ اعْتَمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ . شرح معاني الآثار ش: لَمَّا كَانَتْ أَحَادِيثُ عَائِشَةَ - رِضَى اللَّهِ عَنْهَا - فِي هَذَا الْبَابِ مُتَعَارِضَةً ظَاهِرًا ، وَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِيمَا ذَكَرَهُ يَتَأَتَّى فِيهَا سُؤَالٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمُقَالَتَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِصُورَةِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَهُمَا ظَاهِرَانِ ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : الِاضْطِرَابُ عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِهَا هَذَا فِي الْحَجِّ عَظِيمٌ ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْجِيهِ الرِّوَايَاتِ فِيهِ ، وَدَفَعَ بَعْضُهُمْ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الْجَمْعَ بَيْنَهَا ، وَرَامَ قَوْمٌ الْجَمْعَ فِي بَعْضِ مَعَانِيهَا ، رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : أَلَا تَعْجَبُ مِنِ اخْتِلَافِ عُرْوَةَ وَالْقَاسِمِ ؟ قَالَ الْقَاسِمُ : أَهَلَّتْ عَائِشَةُ بِالْحَجِّ وَقَالَ عُرْوَةُ : أَهَلَّتْ بِالْعُمْرَةِ . وَذَكَرَ الْحَارِثُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي الْحَجِّ : لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو : يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي رَفْضِ الْعُمْرَةِ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ فِي أَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا : أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا ، وَغَيْرَ ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي "الْمُحَلَّى" : حَدِيثُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مُنْكَرٌ وَخَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّقَطِيُّ ، نَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُسْلِمٍ الْخُتَّلِيُّ ، نَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْجَوْهَرِيُّ السُّدَّانِيُّ ، نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَثْرَمُ ، نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . . . فَذَكَرَ حَدِيثَ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ . . " الْحَدِيثَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : أَيْشٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعَجَبِ ؟ هَذَا خَطَأٌ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : فَقُلْتُ لَهُ : الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِخِلَافِهِ . قَالَ أَحْمَدُ : نَعَمْ ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ . انْتَهَى . وَفِي "التَّمْهِيدِ" : دَفَعَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ عُلَيَّةَ حَدِيثَ عُرْوَةَ هَذَا ، وَقَالُوا : هُوَ غَلَطٌ لَمْ يُتَابِعْ عُرْوَةَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ عَائِشَةَ ، وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : قَدْ أَجْمَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْقَاسِمَ وَالْأَسْوَدَ وَعُرْوَةَ عَلَى أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ مُحْرِمَةً بِحَجَّةٍ لَا بِعُمْرَةٍ ، فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ عُرْوَةَ غَلَطٌ ، وَقَالَ عِيَاضٌ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ عَائِشَةَ فِيمَا أَحْرَمَتْ بِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَفِي رِوَايَةٍ : أَحْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ، وَفِي أُخْرَى : فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَلَمْ أُهِلَّ إِلَّا بِعُمْرَةٍ ، وَفِي أُخْرَى : خَرَجْنَا لَا نُرِيدُ إِلَّا الْحَجَّ ، وَفِي أُخْرَى : لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ ، وَفِي أُخْرَى : مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ ، وَالْكُلُّ صَحِيحٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ : وَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : نُرَجِّحُ أَنَّهَا كَانَتْ مُحْرِمَةً بِحَجٍّ ، لِأَنَّهَا رِوَايَةُ عَمْرَةَ وَالْأَسْوَدِ وَالْقَاسِمِ ، وَعَلَّلُوا رِوَايَةَ عُرْوَةَ فِي الْعُمْرَةِ ، وَرَجَّحُوا رِوَايَةَ غَيْرِهِ عَلَى رِوَايَتِهِ ، لِأَنَّ عُرْوَةَ قَالَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْهُ : حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ : "أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ لَهَا : دَعِي عُمْرَتَكِ" فَدَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ الْحَدِيثَ مِنْهَا .

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية