الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار

                                                3008 3009 3010 ص: فالحجة للآخرين عليهم في ذلك : أن قوله : "إن شئتما فعلت ولا حق فيها لغني " . أي : أن غناكما يخفى علي ، فإن كنتما غنيين فلا حق لكما فيها ، "وإن شئتما فعلت " لأني لم أعلم بغناكما فمباح لي إعطاؤكما ، وحرام عليكما أخذ ما أعطيتكما إن كنتما تعلمان من حقيقة أموركما في الغنى خلاف ما أرى من ظاهركما الذي استدللت به على فقركما ، فهذا معنى قوله : "إن شئتما فعلت ولا حق فيها لغني " .

                                                وأما قوله : "ولا لقوي مكتسب " فذلك على أنه لا حق فيها للقوي المكتسب من جميع الجهات التي بها يجب الحكم فيها ، فعاد معنى ذلك إلى معنى ما ذكرنا من قوله : "ولا لذي مرة قوي " ، وقد يقال : فلان عالم حقا إذا تكاملت فيه الأسباب التي بها يكون الرجل عالما ، ولا يقال : هو عالم حقا إذا كان دون ذلك وإن كان عالما ، فكذلك لا يقال : فقير حقا إلا لمن تكاملت فيه الأسباب التي يكون بها الفقير فقيرا وإن كان فقيرا ; ولهذا قال لهما : "ولا حق فيها لقوي مكتسب " أي : ولا حق له فيها حتى يكون به من أهلها حقا وهو قوي مكتسب ، ولولا أنه يجوز للنبي - عليه السلام - إعطاؤه للقوي المكتسب إذا كان فقيرا لما قال لهما : إن شئتما فعلت " وهذا أولى ما حملت عليه هذه الآثار ; لأنها إن حملت على ما حملها عليه أهل المقالة الأولى ; ضادت سواها مما قد روي عن رسول الله - عليه السلام - ، فمن ذلك :

                                                ما حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا بشر بن عمر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي حمزة ، عن هلال بن حصن قال : "نزلت دار أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - بالمدينة فضمني وإياه المجلس ، فقال : أصبحوا فات يوم وقد عصب على بطنه حجرا من الجوع ، فقالت له امرأته أو أمه : لو أتيت النبي - عليه السلام - فسألته ، فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه ، وأتاه فلان فسأله فأعطاه ، فقلت : لا والله حتى أطلب ، فطلبت فلم أجد شيئا ، فاستبقت

                                                [ ص: 18 ] إليه وهو يخطب وهو يقول : من استغنى أغناه الله ، ومن استعف أعفه الله ، ومن سألنا إما أن نبذل له وإما أن نواسيه ، ومن استعف عنا واستغنى أحب إلينا ممن سألنا   . قال : فرجعت فما سألت أحدا بعد ، فما زال الله يرزقنا حتى ما أعلم أهل بيت في المدينة أكثر أموالا منا "
                                                .

                                                حدثنا ابن أبي داود ، قال : ثنا محمد بن المنهال ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن هلال بن مرة ، عن أبي سعيد ، قال : "أعوزنا مرة فأتيت النبي - عليه السلام - فذكرت ذلك له ، فقال النبي - عليه السلام - : من استعف أعفه الله ، ومن استغنى أغناه الله ، ومن سألنا أعطيناه . قال : قلت فلأستعففن فيعفني الله ، ولأستغنين فيغنيني الله ، قال : فوالله ما كان إلا أيام حتى إن رسول الله - عليه السلام - قسم زبيبا فأرسل إلينا منه ، ثم قسم شعيرا فأرسل منه ، ثم سالت علينا الدنيا فغرقتنا إلا من عصم الله " .

                                                حدثنا ابن أبي داود ، قال : ثنا محمد ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا هشام ، عن قتادة ، عن هلال بن حصن -أخي بني مرة بن عباد - عن أبي سعيد ، عن النبي - عليه السلام - مثله .

                                                قال ابن أبي داود : هذا هو الصحيح .

                                                قال أبو جعفر -رحمه الله- : فهذا رسول الله - عليه السلام - يقول : "من سألنا أعطيناه " ويخاطب بذلك أصحابه ، وأكثرهم صحيح لا زمانة به إلا أنه فقير ، فلم يمنعهم منها ، فقد دل ذلك على ما ذكرنا ، وفضل من استعف ولم يسأل على من سأل ، فلم يسأله أبو سعيد لذلك ، ولو سأله لأعطاه ، إذ قد كان بذل ذلك له ولأمثاله من الصحابة - رضي الله عنهم - .

                                                التالي السابق



                                                الخدمات العلمية