الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 1896 ص: وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ مِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ; فَقَالُوا: بَلِ السُّنَّةُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ بِالنَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّى، وَيُصَلِّيَ بِهِمْ هُنَاكَ رَكْعَتَيْنِ وَيَجْهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ فَيَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَأَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رِدَاؤُهُ ثَقِيلًا لَا يُمْكِنُهُ قَلْبُهُ كَذَلِكَ، أَوْ يَكُونُ طَيْلَسَانًا فَيَجْعَلُ الشِّقَّ الْأَيْمَنَ مِنْهُ عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْسَرِ، وَالشِّقَّ الْأَيْسَرَ مِنْهُ عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْمَنِ. شرح معاني الآثار ش: أَيْ خَالَفَ الْقَوْمَ الْمَذْكُورِينَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ، وَأَرَادَ بِهِمُ: الثَّوْرِيَّ وَمَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا وَجَمَاهِيرَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: بَلِ السُّنَّةُ ... إِلَى آخِرِهِ. قَوْلُهُ: "هُنَاكَ" أَيْ فِي الْمُصَلَّى. قَوْلُهُ: "فَيَجْعَلُ ... " إِلَى آخِرِهِ تَفْسِيرٌ لِتَحْوِيلِ الرِّدَاءِ. قَوْلُهُ: "أَوْ يَكُونُ طَيْلَسَانًا" بِفَتْحِ الطَّاءِ وَاللَّامِ، وَفِي "الْعُبَابِ": الطَّيْلَسَانُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَاحِدُ الطَّيَالِسَةِ، وَالْهَاءُ فِي الْجَمْعِ لِلْعُجْمَةِ; لِأَنَّهُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَصْلُهُ: قَالَشَانُ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الطَّيْلَسَانُ مَعْرُوفٌ بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا، وَالْفَتْحُ أَعْلَى، وَالْجَمْعُ: طَيَالِسُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الطَّيْلَسُ: الطَّيْلَسَانُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الطَّلْسُ -بِالْفَتْحِ-: الطَّيْلَسَانُ الْأَسْوَدُ، وَالطِّلْسُ -بِالْكَسْرِ-: الذِّئْبُ الْأَمْعَطُ. وَصِفَةُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ: أَنْ يُكَبِّرَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كَتَكْبِيرِ الْعِيدِ سَبْعًا فِي الْأُولَى وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَدَاوُدَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ; وَذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : "وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ". وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ، يُكَبِّرُونَ فِيهَا سَبْعًا وَخَمْسًا". وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ . وَلَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَقَالَتِ الْحَنَابِلَةُ: يُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، كَقَوْلِهِمْ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ. وَلَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ إِلَّا أَنَّهَا لَا تُقَامُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَالْأَوْلَى فِعْلُهَا فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْخُرُوجُ إِلَيْهَا عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ لَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِعْلُهَا فِيهِ. وَالسُّنَّةُ أَنْ يَجْهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، فَإِنْ قَرَأَ فِيهَمَا بِـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ فَحَسَنٌ وَبِذَلِكَ وَرَدَ الْأَثَرُ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ فِيهَا خُطْبَةً بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَطَبَنَا". وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَخْطُبُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمْرَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبَانَ ابْنِ عُثْمَانَ ، وَهِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ . وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا لِوُرُودِ الْأَخْبَارِ بِكِلَا الْأَمْرَيْنِ. وَالرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ، وَإِنَّمَا يَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ. وَأَمَّا تَحْوِيلُ الرِّدَاءِ فَإِنَّ صِفَتَهُ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَصِفَتُهُ بِأَنْ يَجْعَلَ مَا عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ وَمَا عَلَى الْيَسَارِ عَلَى الْيَمِينِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَهِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَمَالكٍ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَأَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ، وَيَجْعَلُ مَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: يَجْعَلُ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ وَالشَّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّدَاءِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُسَنُّ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، فَلَا يُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّدَاءِ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ. وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ: أَنَّ تَحْوِيلَ الرِّدَاءِ مُخْتَصٌّ بِالْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ . وَفِي "التَّلْوِيحُ شَرْحُ الْبُخَارِيِّ": وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ مَتَى يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: "إِذَا فَرَغَ مِنَ الْخُطْبَةِ"، وَرُوِيَ عَنْهُ: "فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ"، وَعَنْهُ أَيْضًا: "فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ". وَقَالَ ابْنُ بَزْيَزَةَ عَنْ مَالِكٍ: يُحَوِّلُ قَبْلَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَأَنْكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ سَلَّامٍ مِنْ قُدَمَاءِ عُلَمَاءِ الْأَنْدَلُسِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا هُوَ سُنَّةٌ يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُونَ. وَقَالَ اللَّيْثُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ وَهْبٍ: يَقْلِبُ الْإِمَامُ وَحْدَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ. وَعَنْ مَالِكٍ: إِذَا حَوَّلَ الْإِمَامُ حَوَّلَ النَّاسُ قُعُودًا. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ تَحْوِيلٌ. وَقِيلَ: يُحَوِّلُ النَّاسُ قِيَامًا كَالْإِمَامِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: قَلْبُهُ عَلَى جِهَةِ التَّفَاؤُلِ بِتَحْوِيلِ الْحَالِ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ بَزْيَزَةَ: ذَكَرَ أَهْلُ الْآثَارِ أَنَّ رِدَاءَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ طُولُهُ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَشِبْرًا، فِي عَرْضِ ذِرَاعَيْنِ وَشِبْرٍ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ طُولُهُ سِتَّةَ أَذْرُعٍ فِي ثَلَاثَةٍ وَشِبْرٍ وَإِزَارُهُ مِنْ نَسْجِ عَمَّانَ طُولُهُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَشِبْرٌ فِي عَرْضِ ذِرَاعٍ وَشِبْرٍ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: حَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: هَذِهِ أَمَارَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْفَأْلِ، فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ الْفَأْلِ أَنْ لَا يَكُونَ يُقْصَدُ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: حَوِّلْ رِدَاءَكَ لِيَتَحَوَّلَ حَالُكَ. فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّ رِدَاءَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَقَطَ فَرَدَّهُ، وَكَانَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا. قِيلَ لَهُ: الرَّاوِي الْمُشَاهِدُ لِلْحَالِ أَعْرَفُ، وَقَدْ قَرَنَهُ بِالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَالدُّعَاءِ، فَدَلَّ أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية