الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 453 79 - بَابٌ 465 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ. [3639، 3805 - فَتْحَ: 1 \ 557] . التوضيح ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ. الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مَتْنًا وَإِسْنَادًا، وَفِي مَنْقَبَةِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ فِيهِ: وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ حَمَّادٌ: أَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ كَانَ أُسَيْدٌ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَعْلِيقُ مَعْمَرٍ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِهِ" مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ، وَتَعْلِيقُ حَمَّادٍ هَذَا وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ فِي "سُنَنِهِ" فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَا ثَابِتٌ فَذَكَرَهُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِهِ" مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ حَمَّادٍ بِهِ، وَفِيهِ: أَضَاءَتْ لَهُمَا عَصَى أَحَدِهِمَا. ثَانِيهَا: الرَّجُلَانِ قَدْ عَرَفْتَهُمَا، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: هُمَا عَبَّادٌ وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ أَوْ أُسَيْدٌ، وَجَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّهُمَا عَبَّادٌ وَأُسَيْدٌ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ التِّينِ فِي بَابِ: عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِبَاقِي الْبَابِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُ، عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِيَدِهِ عُرْجُونٌ فَأَضَاءَ الْعُرْجُونُ. وَفِي "دَلَائِلِ الْبَيْهَقِيِّ" مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي عَبْسٍ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ أَبَا عَبْسٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَنِي حَارِثَةَ، فَخَرَجَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ مَطِيرَةٍ، فَنَوَّرَتْ لَهُ عَصَاهُ حَتَّى دَخَلَ دَارَ بَنِي حَارِثَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَفَرْنَا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَضَاءَتْ أَصَابِعِي حَتَّى جَمَعُوا عَلَيْهَا ظَهْرَهُمْ وَمَا هَلَكَ مِنْهُمْ، وَإِنَّ أَصَابِعِي لِتُنِيرَ، وَفِي لَفْظٍ: نَفَرَتْ دَوَابُّنَا وَنَحْنُ فِي سَفَرٍ.. الْحَدِيثُ. ثَالِثُهَا: قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَيْنِ كَانَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَوْضِعِ جُلُوسِهِ مَعَ الصَّحَابَةِ، فَلَمَّا كَانَ مَعَهُ هَذَانِ فِي عِلْمٍ يَنْشُرُهُ، أَوْ فِي صَلَاةٍ فَأَكْرَمَهُمَا اللَّهُ بِالنُّورِ فِي الدُّنْيَا بِبَرَكَةِ الشَّارِعِ، وَفَضْلِ مَسْجِدِهِ، وَمُلَازَمَتِهِ، وَذَلِكَ آيَةٌ لِلشَّارِعِ وَكَرَامَةٌ لَهُ، وَأَنَّهُ خُصَّ فِي الْآيَاتِ بِمَا لَمْ يُخَصَّ بِهِ مَنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ أُعْطِيَ أَنْ يُكْرَمَ أَصْحَابُهُ بِمِثْلِ هَذَا النُّورِ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ مِنْ خَرْقِ الْعَادَاتِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِيمَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا قُطْبُ الدِّينِ فِي "شَرْحِهِ" وَيَحْتَجُّ بِهِ غَيْرُهُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَرَادَ بِذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَخَتَمَهَا بِقَوْلِهِ: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النُّورُ: 36] إِلَى أَنْ قَالَ: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا [النُّورُ: 38] فَكَانَ هَذَا مِنْ أُولَئِكَ فَهَدَاهُمَا اللَّهُ بِالنُّورِ فِي قُلُوبِهِمْ بَاطِنًا وَرَزَقَهُمْ إِيَّاهُ ظَاهِرًا فِي الظُّلْمَةِ، كَمَا إِنْ كَانَا مِنْ جُمْلَةِ مَنْ كَانَ فِي الْبُيُوتِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ فِي رَفْعِهَا، جَعَلَ اللَّهُ لِتَمَامِ النُّورِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا يَسْتَضِيئَانِ بِهِ فِي مَمْشَاهُمَا مَعَ قَوْلِهِ: "بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ. رَابِعُهَا: فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَلَا شَكَّ فِيهِ. خَامِسُهَا: قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ يَصْلُحُ أَنْ يُتَرْجَمَ لِهَذَا الْحَدِيثِ بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النُّورُ: 40] يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِيهِمَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْتَثْبِتَ مِنْهَا الْمَعْنَى لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ النُّورَ فِي الْمِشْكَاةِ وَالزُّجَاجَةِ: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النُّورُ: 36] ، الْآيَةَ. فَاسْتَدَلَّ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لِمَنْ يُسَبِّحُ فِي تِلْكَ الْمَسَاجِدِ نُورًا فِي قُلُوبِهِمْ، وَنُورًا فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِمْ، وَنُورًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَمَنْ خَلْفِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِ الشَّارِعِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ أَرَاهُمْ بَرَكَةَ نَبِيِّهِ وَكَرَامَتَهُ بِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمَا مِنَ النُّورِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا يَسْتَضِيئَانِ بِهِ فِي مَمْشَاهُمَا مَعَ الْحَدِيثِ السَّالِفِ: "بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ" إِلَى آخِرِ مَا سَلَفَ، وَيُوقِنَانِ أَنَّ كَذَلِكَ يَكُونُ مَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النُّورِ الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بُرْهَانًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى صِدْقِ مَا وَعَدَ بِهِ أَهْلَ الْإِيمَانِ الْمُلَازِمِينَ لِلْبُيُوتِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ. وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الِاحْتِمَالِ السَّالِفِ الَّذِي أَبَادَهُ شَيْخُنَا احْتِمَالًا، وَذَكَرَهُ آخَرُ (... ... ...) فَذَكَرَهُ.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية