الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 4788 5076 - وَقَالَ أَصْبَغُ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ . فَسَكَتَ عَنِّي ، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ " . [فَتْحَ: 9 \ 177 ] . التوضيح ذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا : حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا . وَفِي لَفْظٍ : لَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ -يَعْنِي : النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عُثْمَانَ ، وَلَوْ أَجَازَ لَهُ التَّبَتُّلَ لَاخْتَصَيْنَا . وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا . ثَانِيهَا : حَدِيثُ قَيْسٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - : كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ . . الْحَدِيثُ سَلَفَ قَرِيبًا وَسَيَأْتِي . ثَالِثُهَا : وَقَالَ أَصْبَغُ : أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ ، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ . فَسَكَتَ عَنِّي ، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَسَكَتَ عَنِّي ، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَسَكَتَ عَنِّي ، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ " . الشَّرْحُ : الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : كَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ : (وَقَالَ أَصْبَغُ . . ) إِلَى آخِرِهِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُودٍ وَخَلَفٌ ، وَخَالَفَ ذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ وَالطَّرْقِيُّ فَقَالَا : رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَصْبَغَ . وَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَرَوَاهُ عَنِ الْقَاسِمِ ، ثَنَا الرَّمَادِيُّ ، ثَنَا أَصْبَغُ بِهِ . وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الطَّرْقِيِّ : أَصْبَغُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَغَيْرُ جَيِّدٍ ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ فِي الْبُخَارِيِّ شَيْخًا اسْمُهُ أَصْبَغُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، بَلْ وَلَا فِي بَاقِي السِّتَّةِ ، وَإِنَّمَا هَذَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ وَرَّاقُ ابْنِ وَهْبٍ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ . وَقَالَ : الْأَوْزَاعِيُّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . ثَانِيهَا : الْعَنَتُ بِالتَّحْرِيكِ : الْحَمْلُ عَلَى الْمَكْرُوهِ ، وَقَدْ عَنَتْ يَعْنَتُ ، وَأَعْنَتَهُ غَيْرُهُ . فَالْعَنَتُ : الْإِثْمُ ، وَقَدْ عَنَتَ : اكْتَسَبَ إِثْمًا ، وَالْعَنَتُ : الْفُجُورُ وَالزِّنَا وَكُلُّ أَمْرٍ شَاقٍّ ، ذَكَرَهُ فِي "الْمُنْتَهَى " وَفِي "التَّهْذِيبِ " : الْإِعْنَاتُ : تَكْلِيفُ غَيْرِ الطَّاقَةِ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : أَصْلُهُ التَّشْدِيدُ . ثَالِثُهَا : التَّبَتُّلُ : الِانْقِطَاعُ عَنِ النِّسَاءِ وَتَرْكُ النِّكَاحِ انْقِطَاعًا إِلَى الْعِبَادَةِ ، وَأَصْلُهُ الْقَطْعُ ، وَمِنْهُ فَاطِمَةُ الْبَتُولُ ، وَمَرْيَمُ الْبَتُولُ ; لِانْقِطَاعِهِمَا عَنْ نِسَاءِ زَمَانِهِمَا دِينًا وَفَضْلًا وَرَغْبَةً فِي الْآخِرَةِ ، وَصَدَقَةٌ بَتْلَةٌ . أَيْ : مُنْقَطِعَةٌ عَنْ مَالِكِهَا . قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَالتَّبَتُّلُ الَّذِي أَرَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ هُوَ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ النِّسَاءِ : وَالطِّيبِ وَكُلِّ مَا يُلْتَذُّ بِهِ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ مُطْلَقًا ، قَالَ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَةُ [الْمَائِدَةُ : 87 ] الْآيَةُ . وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ . وَقَوْلُ أَبِي زَيْدٍ : التَّبَتُّلُ : الْعُزُوبَةُ . يُرِيدُ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ التَّبَتُّلِ . رَابِعُهَا : إِنْ قِيلَ : مِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ التَّبَتُّلِ عَنِ النِّسَاءِ : جَوَازُ الِاخْتِصَاءِ ، وَهُوَ قَطْعُ عُضْوَيْنِ شَرِيفَيْنِ بِهِمَا قِوَامُ النَّسْلِ ، وَرُبَّمَا أَفْضَى بِصَاحِبِهِ إِلَى الْهَلَاكِ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالِاتِّفَاقِ ؟ فَالْجَوَابُ : إِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ مِنْ حَيْثُ أَنَّ مُطْلَقَ التَّبَتُّلِ يَتَضَمَّنُهُ ، (وَكَأَنَّ قَائِلَ الْحَقِيقِيَّ ) الَّذِي يُؤْمَنُ مَعَهُ شَهْوَةُ النِّسَاءِ : هُوَ الْخِصَاءُ ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ بِأَكْثَرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَالْأَلَمُ الْعَظِيمُ مُغْتَفَرٌ فِي جَنْبِ صِيَانَةِ الدِّينِ ، فَقَدْ يُغْتَفَرُ الْأَلَمُ الْعَظِيمُ فِي جَنْبِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ كَقَطْعِ الْيَدِ لِلْأَكَلَةِ ، وَكَالْكَيِّ وَالْبَطِّ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَدَعْوَى إِفْضَائِهِ إِلَى الْهَلَاكِ غَالِبًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ ، بَلْ وُقُوعُ الْهَلَاكِ مِنْهُ نَادِرٌ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، وَخِصَاءُ الْبَهَائِمِ يَشْهَدُ لِذَلِكَ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ تَقْدِيرُ مَا وَقَعَ لِسَعْدٍ ، وَلَا يُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْيَوْمَ ، بَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ يَمْشِي عَلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ : (لَاخْتَصَيْنَا ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ سَعْدٌ : لَمَنَعْنَا أَنْفُسَنَا مَنْعَ الْمُخْتَصِي ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ . قَالَ الْمُهَلَّبُ : وَإِنَّمَا نَهَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنِ التَّبَتُّلِ وَالتَّرْغِيبِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مُكَاثِرٌ بِهِمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَنَّهُ فِي الدُّنْيَا يُقَاتِلُ بِهِمْ طَوَائِفَ الْكُفَّارِ ، وَفِي آخِرِ الزَّمَانِ يُقَاتِلُونَ الدَّجَّالَ ، فَأَرَادَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يُكَثِّرَ النَّسْلَ . قُلْتُ : وَإِذَا كَانَ التَّبَتُّلُ الَّذِي لَا جِنَايَةَ فِيهِ عَلَى النَّفْسِ إِنَّمَا هُوَ مَنْعُهَا عَنِ الْمُبَاحِ لَهَا ، فَمَنْعُهَا مَا فِيهِ جِنَايَةٌ عَلَيْهَا بِإِيلَامِهَا -وَهُوَ الْخِصَاءُ - أَحْرَى أَنْ يَكُونَ مَنْهِيًّا عَنْهُ ، وَثَبَتَ أَنَّ قَطْعَ شَيْءٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ حَرَامٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ : "أَرْبَعَةٌ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ وَأَمَّنَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ ، الَّذِي يُخْصِي نَفْسَهُ عَنِ النِّسَاءِ . . " الْحَدِيثُ ، فَهُوَ مُنْكَرٌ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي "عِلَلِهِ " . وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَا رُوِيَ : "خَيْرُكُمْ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ الْخَفِيفُ الْحَاذُ الَّذِي لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدَ " ، فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ بَلْ مَوْضُوعٌ ، وَكَذَا قَوْلُ حُذَيْفَةَ : إِذَا كَانَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فَلَأَنْ يُرَبِّيَ أَحَدُكُمْ جَرْوَ كَلْبٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُرَبِّيَ وَلَدًا . وَمِمَّا يُوهِنُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِذَلِكَ لَبَطَلَ النَّسْلُ وَالْجِهَادُ وَالدِّينُ ، وَغَلَبَ أَهْلُ الْكُفْرِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَرْبِيَةِ الْكِلَابِ . فَرْعٌ : قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : وَلَيْسَ النِّكَاحُ فَرْضًا عَلَى النِّسَاءِ : لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ [النُّورُ : 60 ] الْآيَةُ ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي الْخَبَرِ الثَّابِتِ : "الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ " فَذَكَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - "الْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعٍ شَهِيدَةٌ " ، قَالَ : وَ [هِيَ ] الَّتِي تَمُوتُ فِي نِفَاسِهَا . "وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِكْرًا لَمْ تَطْمِثْ " . وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ ، فَالنِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ . وَحَدِيثُ عَلِيٍّ : "ثَلَاثٌ لَا تُؤَخِّرْهَا " مِنْهَا : "الْأَيْمُ إِذَا وَجَدَتْ كُفُؤًا " . وَلِلْحَاكِمِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : "مَا مِنْ شَيْءٍ خَيْرٍ لِامْرَأَةٍ مِنْ زَوْجٍ أَوْ قَبْرٍ " وَلِابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ "النِّسَاءِ " مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : زَوِّجُوا أَوْلَادَكُمْ إِذَا بَلَغُوا وَلَا تَحْمِلُوا آثَامَهُمْ . وَعَنْ خُلَيْدِ بْنِ دَعْلَجٍ قَالَ : قَالَ الْحَسَنُ : بَادِرُوا بِبَنَاتِكُمُ التَّزْوِيجَ . وَلِلْخَلَّالِ فِي "عِلَلِهِ " عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكِّيِّ رَفَعَهُ : "مِسْكِينَةٌ مِسْكِينَةٌ امْرَأَةٌ لَيْسَتْ لَهَا زَوْجٌ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً مِنَ الْمَالِ ؟ قَالَ : "وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً مِنَ الْمَالِ " وَقَالَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي الرَّجُلِ . قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : هَذَا مُرْسَلٌ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "الْأَوْسَطِ " أَيْضًا . فَصْلٌ : يَنْعَطِفُ عَلَى مَا مَضَى : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ طَيِّبَاتِ الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَنَاكَحِ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ بِإِحْلَالِ ذَلِكَ لَهَا بَعْضَ الْخَبَثِ وَالْمَشَقَّةِ أَوْ أَمِنَهُ ; وَذَلِكَ لِرَدِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - التَّبَتُّلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا فَضْلَ فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ ، وَأَنَّ الْفَضْلَ وَالْبِرَّ إِنَّمَا هُوَ فِي فِعْلِ مَا نَدَبَ عِبَادَهُ إِلَيْهِ ، وَعَمِلَ بِهِ رَسُولُهُ وَسَنَّهُ لِأُمَّتِهِ ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى مِنْهَاجِهِ الْأَئِمَّةُ الرَّاشِدُونَ ; إِذْ كَانَ خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيَهُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ خَطَأُ مَنْ آثَرَ لِبَاسَ الشَّعَرِ وَالصُّوفِ عَلَى لِبَاسِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ إِذَا قَدَرَ عَلَى لُبْسِ ذَلِكَ مِنْ حِلِّهِ ، وَآثَرَ أَكْلَ الْفُولِ وَالْعَدَسِ عَلَى أَكْلِ خُبْزِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ ، وَتَرَكَ أَكْلَ اللَّحْمِ وَالْوَدَكِ ; حَذَرًا مِنْ عَارِضِ الْحَاجَةِ إِلَى النِّسَاءِ ، فَإِنْ ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّ الْفَضْلَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ، قُلْنَا : لِمَا فِي لِبَاسِ الْخَشِنِ وَأَكْلِهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَى النَّفْسِ وَصَرْفِ فَضْلِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْقِيمَةِ إِلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْإِنْسَانِ بِالنَّفْسِ إِصْلَاحُهَا وَعَوْنُهَا لَهُ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهَا ، وَلَا شَيْءَ أَضَرَّ لِلْجِسْمِ مِنَ الْمَطَاعِمِ الرَّدِيئَةِ ; لِأَنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِعَقْلِهِ وَمُضْعِفَةٌ لِأَدَوَاتِهِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ سَبَبًا إِلَى طَاعَاتِهِ . فَصْلٌ : وَفِيهِ : أَنَّ خِصَاءَ بَنِي آدَمَ حَرَامٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّبَتُّلَ إِذَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَلَا جِنَايَةَ فِيهِ عَلَى النَّفْسِ غَيْرَ مَنْعِهِ الْمُبَاحَ ، فَمَنْعُهَا مَا لَهُ فِيهِ جِنَايَةٌ عَلَيْهَا بِإِيلَامِهَا وَتَعْذِيبِهَا بِقَطْعِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ مَنْهِيًّا عَنْهُ ، فَثَبَتَ بِهَا أَنَّ قَطْعَ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ حَرَامٌ ، كَمَا أَسْلَفْنَاهُ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرَ خَلْقِ اللَّهِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النَّسْلِ وَتَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ ، وَأَمَّا غَيْرُ الْآدَمِيِّ فَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ فَكَذَلِكَ ، كَمَا قَالَهُ الْبَغْوِيُّ ، وَأَمَّا الْمَأْكُولُ فَيَجُوزُ فِي صِغَرِهِ دُونَ كِبَرِهِ . فَصْلٌ : وَقَوْلُهُ : ("فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ" ) . وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ : "اقْتَصِرْ " . بَدَلَ : "اخْتَصِ " . وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فُصِّلَتْ : 40 ] لِأَنَّهُ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الزَّجْرِ . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : لَيْسَ بِأَمْرٍ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى : إِنْ فَعَلْتَ أَوْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ الْقَدَرِ ، وَقَدْ رَأَيْنَا بَعْضَ جُهَّالِ الْأَحْدَاثِ يَزْهَدُ فِي صِبَاهُ ، فَلَمَّا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ الْعُزُوبَةُ جَبَّ نَفْسَهُ ، وَبَعْضُهُمْ جَبَّهَا قَالَ : بِحَيَائِهِ مِنْ رَبِّهِ . فَانْظُرْ مَا يَصْنَعُ الْجَهْلُ بِأَهْلِهِ ، فَأَوَّلُ مَا يُقَالُ لِهَذَا : لَيْسَ لَكَ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُقَالُ مَا أَذِنَ لَهُ ، بَلْ قَدْ حَرَّمَهُ ثُمَّ يَنْبَغِي أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ هَذَا الْأَمْرَ لِحِكْمَةٍ وَهِيَ إِيجَادُ النَّسْلِ ، فَمَنْ تَسَبَّبَ فِي قَطْعِهِ فَقَدْ ضَادَّ الْحِكْمَةَ ، ثُمَّ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَى الرَّجُلِ خَلْقُهُ رَجُلًا وَلَمْ يُجْعَلِ امْرَأَةً ، فَإِذَا جَبَّ نَفْسَهُ اخْتَارَ النَّقْصَ عَلَى التَّمَامِ ، فَلَوْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ النَّارَ مَعَ مُكَابَدَتِهِ فِي الْعَاجِلَةِ شِدَّةً لَا تُوصَفُ ، وَمَنْعِ نَفْسِهِ لَذَّةً وَوُجُودَ وَلَدٍ يُذْكَرُ بِهِ أَوْ يُثَابُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ نَسَبُهُ مُتَّصِلًا مِنْ آدَمَ إِلَيْهِ فَتَسَبَّبَ بِقَطْعِ ذَلِكَ الْمُتَّصِلِ مَعَ تَشْوِيهِهِ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ يُعَدُّ لَهُ بِمَا رَجَاهُ ، فَإِنَّ قَطْعَ الْآلَةِ لَا يُزِيلُ مَا فِي الْقَلْبِ مِنَ الشَّهْوَةِ بَلْ يُزَادُ أَضْعَافًا فِيمَا ذَكَرَهُ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ "الْحَيَوَانِ " وَكِتَابِ "الْخِصْيَانِ " ، وَالْعَجِيبُ مِنَ الْمُتَزَهِّدِ الَّذِي قَالَ : إِنَّهُ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ مِمَّا وَضَعَهُ اللَّهُ فِيهِ ، فَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَضَعْ هَذَا فِي نَفْسِهِ . فَصْلٌ : وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِثْبَاتُ الْقَدَرِ ، وَأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَفْعَلُ بِاخْتِيَارِهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ . فَصْلٌ : قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ : (ثُمَّ أُرْخِصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ بِالثَّوْبِ ) . يَعْنِي : الْمُتْعَةَ الَّتِي كَانَتْ حَلَالًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالْعِدَّةِ وَالْمِيرَاثِ وَالصَّدَقَاتِ .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية