الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 364 12 - بَابٌ: مَا يُذْكَرُ فِي الْفَخِذِ وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَرْهَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْفَخِذُ عَوْرَةٌ". [2832] وَقَالَ أَنَسٌ: حَسَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَخِذِهِ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثٌ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يُخْرَجَ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: غَطَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي. [فَتْحَ: 1 \ 478] . 371 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ حَسَرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ قَالَهَا ثَلَاثًا. قَالَ: وَخَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ- قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا- وَالْخَمِيسُ. يَعْنِي: الْجَيْشَ، قَالَ: فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، فَجُمِعَ السَّبْيُ، فَجَاءَ دِحْيَةُ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ. قَالَ: "اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً". فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ! لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ. قَالَ: "ادْعُوهُ بِهَا". فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا". قَالَ: فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَزَوَّجَهَا. فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللُّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرُوسًا، فَقَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ". وَبَسَطَ نِطَعًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ- قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ السَّوِيقَ- قَالَ: فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [2944، 2945، 2991، 3367، 3647، 4083، 4084، 4197، 4198، 4199، 4200، 4201، 4211، 4212، 4213، 5085، 5086، 5159، 5169، 5387، 5425، 5528، 6363، 7333، 3085، 3086، 5968، 6185 - مُسْلِمٍ: 1365 - فَتْحَ: 1 \ 479] . التوضيح سَاقَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ أَحَادِيثَ مُعَلَّقَةً وَمُسْنَدَةً فَقَالَ: وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَرْهَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْفَخِذُ عَوْرَةٌ". وَقَالَ أَنَسٌ: حَسَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَخِذِهِ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثٌ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يُخْرَجَ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: غَطَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي. ثُمَّ أَسْنَدَ حَدِيثَ أَنَسٍ السَّالِفَ. الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: التَّعْلِيقُ الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَرْهَدٍ (ع) وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "خِلَافِيَّاتِهِ" وَ"سُنَنِهِ" فِيهَا: هَذِهِ أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ يُحْتَجُّ بِهَا، وَخَالَفَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّهَا سَاقِطَةٌ وَاهِيَةٌ، وَلَيْسَ كَمَا ذَكَرَ كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي تَخْرِيجِي لِأَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ. أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ: فَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ"، وَذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَمَّا حَدِيثُ جَرْهَدٍ فَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي "مُوَطَّئِهِ" وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طُرُقٍ وَحَسَّنَهُ مَرَّةً وَزَادَ مَرَّةً أَنَّهُ غَرِيبٌ، وَقَالَ مَرَّةً: مَا أَرَى إِسْنَادَهُ بِمُتَّصِلٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ فِي "تَهْذِيبِهِ": الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَهُوَ كَاشِفٌ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَاهِيَةُ الْأَسَانِيدِ، لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهَا حُجَّةٌ فِي الدِّينِ. وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ بِالْأَمْرِ بِتَغْطِيَةِ الْفَخِذِ، وَالنَّهْيِ عَنْ كَشْفِهَا أَخْبَارٌ صِحَاحٌ. الثَّانِي: جَرْهَدٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَهُوَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَهْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سِلَامَانَ بْنِ أَسْلَمَ، شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَقِيلَ: جَرْهَدُ بْنُ خُوَيْلِدٍ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ قُتِلَ أَبَوْهُ بِأُحُدٍ وَأَوْصَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الثَّالِثُ: حَكَى الْخَطِيبُ فِي "مُبْهِمَاتِهِ" فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "غَطِّ فَخِذَكَ، فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ" ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: جَرْهَدٌ هَذَا، ثَانِيهَا: قَبِيصَةُ بْنُ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيُّ، ثَالِثُهَا: مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ الْعَدَوِيُّ. الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مُوسَى غَطَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ) هَذَا أَسْنَدَهُ فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَائِطًا، وَأَمَرَنِي بِحِفْظِ بَابِهِ، فَذَكَرَ مَجِيءَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، الْحَدِيثَ. ثُمَّ قَالَ: (قَالَ حَمَّادٌ: ثَنَا عَاصِمٌ) وَسَاقَ إِسْنَادَهُ قَالَ: (وَزَادَ فِيهِ عَاصِمٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَاعِدًا فِي مَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ قَدِ انْكَشَفَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ أَوْ رُكْبَتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ غَطَّاهُمَا). فَحَمَّادٌ الْأَوَّلُ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ كَمَا تَرَاهُ مُصَرَّحًا بِهِ، وَالثَّانِي: جَاءَ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ أَنَّهُ ابْنُ سَلَمَةَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ خَلَفٌ فِي "أَطْرَافِهِ"، وَأَمَّا الطَّبَرَانِيُّ فَسَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَلَفْظُهُ: كَانَ مَكْشُوفَ السَّاقَيْنِ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهِ كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ، أَوْ سَاقَيْهِ، فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ وَسَوَّى ثِيَابَهُ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ كَاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي "الْمَعْرِفَةِ": وَالَّذِي رُوِيَ فِي قِصَّةِ عُثْمَانَ: وَكَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ أَوْ سَاقَيْهِ حَتَّى دَخَلَ، مَشْكُوكٌ فِيهِ. قُلْتُ: وَوَهَّمَ الدَّاوُدِيُّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَدْخَلَ بَعْضُ الرُّوَاةِ حَدِيثًا فِي حَدِيثٍ، إِنَّمَا أَبُو بَكْرٍ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ مُنْكَشِفٌ فَخِذُهُ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ غَطَّى فَخِذَهُ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، فَإِنْ وَجَدَنِي فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَبْلُغْ حَاجَتَهُ" وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: فَقَالَ: "أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ"، وَفِي "مُسْنَدِ أَحْمَدَ" مِنْ حَدِيثِهَا أَيْضًا: "أَلَّا أَسْتَحِي مِنْهُ، وَاللَّهِ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَسْتَحِي مِنْهُ". قُلْتُ: فَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْحَيَاءُ، جُوزِيَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ فِعْلِهِ. الْخَامِسُ: قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) إِلَى آخِرِهِ. هَذَا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَفِي الْجِهَادِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. السَّادِسُ: حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا أَخْرَجَ بَعْضَهُ فِي الْأَذَانِ كَمَا سَتَعْلَمُهُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي النِّكَاحِ، وَالْمَغَازِي. وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: (غَزَا خَيْبَرَ) كَانَتْ فِي جُمَادَى الْأُولَى، سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ ذَا الْحَجَّةِ وَبَعْضَ الْمُحَرَّمِ، وَخَرَجَ فِي نَفْسِهِ عَازِمًا إِلَى خَيْبَرَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ السُّنَّةِ السَّادِسَةِ إِلَّا شَهْرٌ وَأَيَّامٌ، وَرَوَى مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَلْخِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى خَيْبَرَ، فَصَامَ طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ، وَأَفْطَرَ آخَرُونَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ: فَلَمْ يَعِبْ إِلَى آخِرِهِ. ثَانِيهَا: صَلَاةُ الْغَدَاةِ، فِيهِ جَوَازُ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ، وَكَرِهَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. ثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: (وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ) فِيهِ: الْإِرْدَافُ إِذَا كَانَتْ مُطِيقَةً، وَفِيهِ غَيْرُ مَا حَدِيثٍ، وَفِيهِ جُزْءٌ لِابْنِ مَنْدَهِ الْحَافِظِ، كَمَا تَقَدَّمَ. رَابِعُهَا: قَوْلُهُ: (فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ) فِيهِ: جَوَازُ مِثْلِ ذَلِكَ، وَلَا تَنْخَرِمُ بِهِ الْمُرُوءَةُ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْحَاجَةِ أَوِ الرِّيَاضَةِ أَوْ لِلتَّدْرِيبِ عَلَى الْقِتَالِ. خَامِسُهَا: قَوْلُهُ: (ثُمَّ حَسَرَ الْإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي لِأَنْظُرُ إِلَى بَيَاضٍ فَخِذِهِ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّهُ كَانَ لِلزَّحْمَةِ أَوْ لِلْإِجْرَاءِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِذَلِكَ، وَرَفْعِ نَظَرِ أَنَسٍ عَلَيْهِ فَجْأَةً لَا قَصْدًا، وَكَذَا يُجَابُ بِهَذَا عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَفِي ابْنِ مَاجَهْ: وَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْرِعًا قَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، وَقَدْ حَسَرَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: "أَبْشِرُوا.. " الْحَدِيثَ. وَحَاصِلُ مَا فِي عَوْرَةِ الرَّجُلِ عِنْدَنَا خَمْسَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَلَيْسَا عَوْرَةً، وَهُوَ صَحِيحُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَقَالَ بِهِ زُفَرُ وَمَالِكٌ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: قَوْلُهُمْ: الْفَخِذُ عَوْرَةٌ عَلَى مَعْنَى الْقُرْبِ وَالْمُجَاوَزَةِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُمَا عَوْرَةٌ، كَالرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَثَالِثُهَا: السُّرَّةُ دُونَ الرُّكْبَةِ. رَابِعُهَا: عَكَسُهُ، وَعَلَّلَ صَاحِبُ "الْمُفِيدِ" مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الرُّكْبَةَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ عَظْمِ الْفَخِذِ وَالسَّاقِ، فَغَلَبَ الْحَظْرُ احْتِيَاطًا. خَامِسُهَا: لِلْإِصْطَخْرِيِّ: الْقُبْلُ وَالدُّبُرُ فَقَطْ، وَهُوَ شَاذٌّ، وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ حَكَاهَا عَنْهُ فِي "الْمُغْنِي" قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَدَاوُدَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ، وَابْنِ حَزْمٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ: لَوْ كَانَتْ عَوْرَةً لَمَا كَشَفَهَا اللَّهُ مِنْ رَسُولِهِ الْمُطَهَّرِ الْمَعْصُومِ مِنَ النَّاسِ، وَلَا أَرَاهَا أَنَسًا وَلَا غَيْرَهُ وَهُوَ تَعَالَى عَصَمَهُ فِي حَالِ صِبَاهُ حِينَ نَقْلِهِ الْحِجَارَةَ إِلَى الْكَعْبَةِ، أَيْ: كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي مُسْلِمٍ قَالَ: ضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ فَخِذِي وَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ فَضَرَبَ فَخِذِي كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ، وَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ كَمَا سَأَلْتَنِي فَضَرَبَ فَخِذِي كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ وَقَالَ: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا" الْحَدِيثَ، فَلَوْ كَانَتِ الْفَخِذُ عَوْرَةً لَمَا مَسَّهَا الشَّارِعُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ وَلَا الْبَاقِي إِذْ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدِهِ عَلَى ذَكَرِ إِنْسَانٍ عَلَى الثِّيَابِ وَلَا حَلْقَةَ دُبُرِهِ عَلَى الثِّيَابِ، وَعَلَى بَدَنِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَلَى الثِّيَابِ الْبَتَّةَ، وَقَدْ مَنَعَ الشَّارِعُ الْقَوْدَ مِنَ الْكَسْعَةِ، وَهُوَ ضَرْبٌ بَيْنَ الْإِلْيَتَيْنِ عَلَى الثِّيَابِ بِبَاطِنِ الْقَدَمِ، وَقَالَ: "دَعَوْهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ" ثُمَّ وَهَّمَ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ بِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، وَقَدْ سَلَفَتْ مُنَاقَشَتُهُ فِي ذَلِكَ. وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" أَنَّ حَمْزَةَ صَعَّدَ النَّظَرَ إِلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ. وَفِي أَبِي دَاوُدَ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ عَلَى وِرْكِهِ مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ، فَلَوْ كَانَ الْوِرْكُ عَوْرَةً لَمَا كَشَفَهَا لِلْحَجَّامِ. قُلْتُ: ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ وَهُوَ جَائِزٌ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا رَوَيْنَا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: رَأَيْتُ الصِّدِّيقَ وَاقِفًا عَلَى قَزَحٍ يُكَلَّمُ النَّاسَ، وَإِنِّي لِأَنْظُرَ إِلَى فَخِذِهِ قَدِ انْكَشَفَ. وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَتَى أَنَسٌ إِلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْهِ. وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفٍ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ" وَفِي "مُسْنَدِ أَحْمَدَ" مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لِلْحُسَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ: ارْفَعْ قَمِيصَكَ عَنْ بَطْنِكَ حَتَّى أُقَبِّلَ حَيْثُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ فَرَفَعَ قَمِيصَهُ، فَقَبَّلَ سُرَّتَهُ. قُلْتُ: وَأَمَّا حَدِيثُ: إِنَّمَا تَحْتَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ مِنَ الْعَوْرَةِ، وَحَدِيثُ: مَا فَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنَ الْعَوْرَةِ وَمَا أَسْفَلَ مِنَ السُّرَّةِ مِنَ الْعَوْرَةِ، وَحَدِيثُ: عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إِلَى رُكْبَتِهِ، وَحَدِيثُ: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ، وَحَدِيثُ: السُّرَّةُ عَوْرَةُ، فَلَا يُقَاوِمُ مَا فِي الصَّحِيحِ؛ لِاشْتِمَالِ بَعْضِهَا عَلَى ضَعْفٍ وَبَعْضِهَا عَلَى إِعْضَالٍ، وَمِنَ الْغَرِيبِ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ: الْفَخِذُ عَوْرَةٌ إِلَّا فِي الْحَمَّامِ. وَقَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ صَلَّى مَكْشُوفَ الْفَخِذِ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. مُرَادُهُ: أَهْلُ مَذْهَبِهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُرَجِّحُ حَدِيثُ جَرْهَدٍ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ -يَعْنِي: الْمُعَارِضَةَ- لَهُ قَضَايَا مُعَيَّنَةٌ فِي أَوْقَاتٍ وَأَحْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا مِنَ الِاحْتِمَالِ مَا لَا يَتَطَرَّقُ بِحَدِيثِ جَرْهَدٍ، فَإِنَّهُ أَعْطَى حُكْمًا كُلِّيًّا فَكَانَ أَوْلَى بِبَيَانٍ ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْوَقَائِعَ تَحْتَمِلُ خُصُوصِيَّةَ الشَّارِعِ بِذَلِكَ، أَوِ الْبَقَاءَ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، أَوْ كَانَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حُكِمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَوْرَةٌ. سَادِسُهَا: قَوْلُهُ: ("اللَّهُ أَكْبَرُ") فِيهِ اسْتِحْبَابُ الذِّكْرِ وَالتَّكْبِيرِ عِنْدَ الْحَرْبِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الْأَنْفَالُ: 45]. سَابِعُهَا: قَوْلُهُ: ("خَرِبَتْ خَيْبَرُ") أَيْ: صَارَتْ خَرَابًا، وَقِيلَ: ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْخَبَرِيَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ، أَوْ عَلَى جِهَةِ الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ عَلَى جِهَةِ التَّفَاؤُلِ، لَمَّا رَآهُمْ خَرَجُوا بِمِسَاحِيِّهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، وَذَلِكَ مِنْ آلَاتِ الْخَرَابِ وَالْحَرْبِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ لِقَوْلِهِ: "إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ". وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنَ اسْمِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ أَعْلَمَهُ بِذَلِكَ. وَالسَّاحَةُ: النَّاحِيَةُ وَالْجِهَةُ وَالْفِنَاءُ، وَأَصْلُهَا الْفَضَاءُ بَيْنَ الْمَنَازِلِ، وَفِيهِ: جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ فِي مِثْلِ هَذَا السِّيَاقِ بِالْقُرْآنِ، وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ مِنْهَا: فَجَعَلَ يَطْعَنُ فِي الْأَصْنَامِ وَيَقُولُ: "جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ" وَيُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى ضَرْبِ الْأَمْثَالِ فِي الْمُحَاوَرَاتِ وَالْمَزْحِ وَلَغْوِ الْحَدِيثِ. وَسَاءَ: مِنَ السُّوءِ. وَالْمُنْذِرُ: مَنْ أَبْلَغَ الْإِنْذَارَ وَهُوَ التَّخْوِيفُ بِالْإِخْبَارِ عَنِ الْمَكْرُوهِ. ثَامِنُهَا: قَوْلُهُ: قَالَهَا ثَلَاثًا يُؤْخَذُ فِيهِ أَنَّ الثَّلَاثَ كَثِيرٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا . تَاسِعُهَا: قَوْلُهُ: قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ السَّالِفُ فِي إِسْنَادِهِ، وَالْخَمِيسُ يَعْنِي: الْجَيْشَ، يَجُوزُ رَفْعُ الْخَمِيسِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِمْ: مُحَمَّدٌ، وَنُصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وَسُمِّيَ الْجَيْشُ خَمِيسًا؛ لِأَنَّهُ يُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ: الْقَلْبُ، وَالْمَيْمَنَةُ، وَالْمَيْسَرَةُ، وَالْجَنَاحَانِ، وَقِيلَ: الْمُقَدِّمَةُ، وَالسَّاقَةُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُخَمِّسُ مَا وَجَدَهُ، قَالَهُ ابْنُ سِيدَهْ. وَعِبَارَةُ الْهَرَوِيِّ: لِأَنَّهُ يُخَمِّسُ الْغَنَائِمَ، وَضَعَّفَهُ الْأَزْهَرِيُّ بِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ كَانَ مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَخْمِيسٌ. عَاشِرُهَا: قَوْلُهُ: (فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً): هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، أَيْ: قَهْرًا لَا صُلْحًا، يَعْنِي: أَوَّلَ حُصُونِهِمْ، وَبَعْضُ حُصُونِهَا أُصِيبُ صُلْحًا، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَنْ تَسْلِيمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَطَاعَةٍ بِلَا قِتَالِ، وَنَقَلَهُ عَنِ الْقَزَّازِ فِي "جَامِعِهِ". قُلْتُ: هُوَ إِذَنْ مِنَ الْأَضْدَادِ، قَالَ ثَعْلَبٌ: أَخَذْتُ الشَّيْءَ عَنْوَةً أَيْ: قَهْرًا فِي عُنْفٍ، وَأَخَذْتُهُ عَنْوَةً أَيْ: صُلْحًا فِي رِفْقٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالصَّحِيحُ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ كُلِّهَا عَنْوَةٌ مَغْلُوبٌ عَلَيْهَا بِخِلَافٍ فَدَكَ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: اخْتُلِفَ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ هَلْ كَانَ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا أَوْ جَلَا أَهْلَهَا عَنْهَا بِغَيْرِ قِتَالٍ أَوْ بَعْضُهَا صُلْحًا وَبَعْضُهَا جَلَا عَنْهُ أَهْلُهُ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ تَدُلُّ السُّنَنُ الْوَارِدَةُ، وَيَنْدَفِعُ التَّضَادُّ عَنِ الْأَحَادِيثِ. وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِشَوَاهِدِهِ فِي ذِكْرِ خَيْبَرَ وَفِي كِتَابِ النِّكَاحِ. الْحَادِي عَشَرَ: دِحْيَةُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا. وَصْفِيَّةُ قِيلَ: كَانَ اسْمُهَا قَبْلَ السَّبْيِ زَيْنَبَ، فَسُمِّيَتْ بَعْدَ السَّبْيِ وَالِاصْطِفَاءِ صَفِيَّةَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا اسْمُهَا قَبْلَهُ، وَوَالِدُهَا: حُيَيٌّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا. الثَّانِي عَشَرَ: ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ اسْتِرْجَاعَ الشَّارِعِ صَفِيَّةَ مِنْ دِحْيَةَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاهَا لَهُ كَانَ هِبَةً مِنْهُ لَهَا، فَاسْتَشْكَلَ عَلَيْهِ اسْتِرْجَاعُهُ لَهَا فَأَخَذَ يَعْتَذِرُ عَنْهُ بِأَعْذَارٍ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَزَالَ إِشْكَالَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ أَنَّ صَفِيَّةَ إِنَّمَا صَارَتْ لِدِحْيَةَ فِي مِقْسَمِهِ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، وَقَوْلُهُ: ("خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ") يَتْبَعُ قَوْلَهُ: إِنَّهَا صَارَتْ إِلَيْهِ فِي مِقْسَمِهِ، تَقْدِيرُهُ: أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ: خُذْ بِطَرِيقِ الْقِسْمَةِ، وَفَهِمَ دِحْيَةُ ذَلِكَ بِقَرَائِنَ، أَوِ التَّصْرِيحُ لَمْ يَنْقُلْهُ الرَّاوِي، فَلَمْ يَأْخُذْهَا إِلَّا بِالْقِسْمَةِ، ثُمَّ إِنَّ الشَّارِعَ حَصَلَ عِنْدَهُ مَا حَصَلَ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مَنْ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَأَنَّهَا مِنْ وَلَدِ هَارُونَ، وَمَنْ بَيْتِ الرِّيَاسَةِ، فَإِنَّهَا مَنْ بَيْتِ سَيِّدِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ مَعَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجَمَّالِ الْمُرَادِ لِكَمَالِ اللَّذَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى كَثْرَةِ النِّكَاحِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى كَثْرَةِ النَّسْلِ، وَإِلَى جَمَالِ الْوَلَدِ لَا الشَّهْوَةُ النَّفْسَانِيَّةُ، فَإِنَّهُ مَعْصُومٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْمَازِرِيِّ وَغَيْرِهِ: يَحْتَمِلُ مَا جَرَى مَعَ دِحْيَةَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رَدَّ الْجَارِيَةَ بِرِضَاهُ، وَأَذِنَ لَهُ فِي غَيْرِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي جَارِيَةٍ مِنْ حَشْوِ السَّبْيِ لَا أَفْضَلُهُنَّ، فَلِمَا رَأَى الشَّارِعُ أَنَّهُ أَخَذَ أَنْفَسَهُنَّ وَأَجْوَدَهُنَّ نَسَبًا وَشَرَفًا وَجَمَالًا آثَرَ ضَمِّهَا؛ لِئَلَّا يَتَمَيَّزَ دِحْيَةُ بِهَا وَيَنْتَهِكَ مَرْتَبَتَهَا، فَقَطَعَ الشَّارِعُ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ، وَعَوَّضَهُ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ، فَاشْتَرَاهَا الشَّارِعُ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، وَالْمُرَادُ: حَصَلَتْ بِالْإِذْنِ فِي أَخْذِ جَارِيَةٍ لِيُوَافِقَ بَاقِيَ الرِّوَايَاتِ، فَأَعْطَاهُ بَدَلَهَا سَبْعَةَ أَرْؤُسٍ تَطْبِيبًا لِقَلْبِهِ لَا أَنَّهُ جَرَى عَقْدُ بَيْعٍ، ثُمَّ هَذَا الْإِعْطَاءُ لِدِحْيَةَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْفِيلِ. فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ. فَظَاهِرٌ، وَإِنْ قُلْتَ: إِنَّهُ مِنْ تَخْمِيسِ الْخُمْسِ يَكُونُ هَذَا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ مَيَّزَ أَوْ قَبْلَهُ، وَيَحْسَبُ مِنْهُ. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، وَحَكَى الْقَاضِي مَعْنَى بَعْضِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنَّ صَفِيَّةَ كَانَتْ فَيْئًا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةَ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، وَهُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ كَانُوا صَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَكْتُمُوا كَنْزًا، فَإِنْ كَتَمُوهُ فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ كَنْزِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ فَكَتَمُوهُ وَقَالُوا: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ، ثُمَّ عَثَرَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ فَانْتَقَضَ عَهْدُهُمْ فَسَبَاهُمْ. ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ، فَصَفِيَّةُ مِنْ سَبْيِهِمْ، فَهِيَ فَيْءٌ لَا يُخَمَّسُ بَلْ يَفْعَلُ فِيهِ الْإِمَامُ مَا رَأَى. وَهَذَا تَفْرِيعٌ مِنْهُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ الْفَيْءَ لَا يُخَمَّسُ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُخَمَّسُ كَالْغَنِيمَةِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَزَوَّجَهَا. فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ! مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا). فِيهِ: اسْتِحْبَابُ عِتْقِ السَّيِّدِ أَمَتَهُ وَيَتَزَوَّجُهَا، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ لَهُ أَجْرَيْنِ، كَمَا أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقَ ثَابِتٌ وَقَتَادَةُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَعْتَقَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، قَالَ قَتَادَةُ فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ جَعَلَ، فَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ أَحْمَدُ وَالْحَسَنُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَلَا يَجِبُ لَهَا مَهْرٌ غَيْرَهُ، وَتَبِعَهُمُ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: هُوَ سُنَّةٌ فَاضِلَةٌ، وَنِكَاحٌ صَحِيحٌ، وَصَدَاقٌ صَحِيحٌ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَهِيَ حُرَّةٌ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ، وَلَوْ أَبَتْ أَنْ تَزَوَّجَهُ بَطَلَ عِتْقُهَا، وَفِي هَذَا خِلَافٌ مُتَأَخِّرٌ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَزُفَرُ وَمَالكٌ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَاللَّيْثُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِتْقُ الْأَمَةِ صَدَاقَهَا. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ: إِنْ فَعَلَ فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَهِيَ حُرَّةٌ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا إِنْ أَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: تَسْعَى لَهُ فِي قِيمَتِهَا. وَقَالَ مَالِكٌ وَزُفَرُ: لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا. اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ، وَرَوَى ابْنُ حَزْمٍ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمْ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَهَا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا وَيَكُونَ عِتْقُهَا صَدَاقَهَا لَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ، وَمِمَّنْ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَزُفَرُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ أَعْتَقَهَا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَقَبِلَتْ عَتَقَتْ، وَلَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ، بَلْ لَهُ عَلَيْهَا قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِعِتْقِهَا مَجَّانًا، فَإِنْ رَضِيَتْ وَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَهْرٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ فَلَهُ عَلَيْهَا الْقِيمَةُ وَلَهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى قِيمَتِهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ مَعْلُومَةً لَهُ وَلَهَا صَحَّ الصَّدَاقُ، وَلَا تَبْقَى لَهُ عَلَيْهَا قِيمَةٌ وَلَا لَهَا عَلَيْهِ صَدَاقٌ، وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ الصَّدَاقُ كَمَا لَوْ كَانَتْ مَعْلُومَةً؛ لَأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الْمُسَامَحَةِ وَالتَّخْفِيفِ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ: لَا يَصِحُّ الصَّدَاقُ، بَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ. ثُمَّ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ وَخَلْقٍ جَوَازُ الْعِتْقِ عَلَى أَنْ يَكُونَ عِتْقُهَا صَدَاقَهَا، وَيُلْزِمُهَا ذَلِكَ، وَيَصِحُّ الصَّدَاقُ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَتَأَوَّلَهُ الْآخَرُونَ بِأَنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا تَبَرُّعًا بِلَا عِوَضٍ وَلَا شَرْطٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا بِلَا صَدَاقٍ وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهُ بِلَا مَهْرٍ لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ يُعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا فَقَبِلَتْ فَلَزِمَهَا الْوَفَاءُ بِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا عَلَى قِيمَتِهَا وَكَانَتْ مَجْهُولَةً، وَلَا يَجُوزُ هَذَا وَلَا الَّذِي قَبْلَهُ لِغَيْرِهِ بَلْ هُمَا مِنَ الْخَصَائِصِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيمَا حَكَاهُ الْمُنْذِرِيُّ: قَوْلُهُ: جَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. هُوَ مِنْ قَوْلِ أَنَسٍ لَمْ يُسْنِدْهُ فَلَعَلَّهُ تَأْوِيلٌ مِنْهُ إِذْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا صَدَاقٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، أَوْ يَكُونَ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ أَعْتَقَهَا فَهَذَا نِكَاحٌ بِلَا صَدَاقٍ. وَأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا إِلَّا وَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ صِحَّةِ الْعِتْقِ لَهَا، وَذَلِكَ الْعِتْقُ الَّذِي صَحَّ لَهَا شَرْطَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِهِ هُوَ صَدَاقُهَا، وَقَدِ اسْتَوْفَتْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهَا شَيْءٌ فَتَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ. فَإِنْ قُلْتَ: ثَوَابُ الْعِتْقِ مَعْلُومٌ فَكَيْفَ فَوَّتَهُ حَيْثُ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ النِّكَاحِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ دِينَارٍ؟ فَالْجَوَابُ: كَمَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ مَلِكٍ، وَمِثْلُهَا لَا يَصِحُّ فِي الْمَهْرِ إِلَّا بِالْكَثِيرِ، وَلَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُرْضِيهَا، وَلَا أَنْ يُقَصِّرَ بِهَا فَجَعَلَ صَدَاقَهَا نَفْسَهَا، وَذَلِكَ عِنْدَهَا أَشْرَفُ مِنَ الْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ. فَائِدَةٌ: رَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ نَافِعٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ جُوَيْرِيَةَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ، قَالُوا: وَابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى بِذَلِكَ، فَمُحَالٌ أَنْ يَتْرُكَ مَا يَرَى إِلَّا لِفَضْلِ عِلْمٍ عِنْدِهِ بِذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنَ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ الْجَارِيَةَ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا: كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ. ثُمَّ رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَجْعَلَ مَعَ عِتْقِهَا شَيْئًا. الرَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا كَانَ- بِالطَّرِيقِ): جَاءَ فِي "الصَّحِيحِ": فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ فَحَلَّتْ فَبَنَى بِهَا. وَالسَّدُّ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا: وَهُوَ جَبَلُ الرَّوْحَاءِ، وَالرَّوْحَاءُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَمْدُودٌ: قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ مِنْ عَمَلِ الْفَرْعِ لِمُزَيْنَةَ، عَلَى نَحْوِ أَرْبَعِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ أَوْ نَحْوَهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: أَقَامَ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ خَيْبَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَعْرَسَ بِهَا، وَكَانَتْ فِيمَنْ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَقَامَ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبْنِي بِصَفِيَّةَ. الْخَامِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ) وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ أَرْسَلَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَصْنَعُهَا وَتُهَيِّئُهَا، قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَتُعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا، أَيْ: تَسْتَبْرِئُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مَسْبِيَّةً يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا. وَتَجْهِيزُهَا: تَزْيِينُهَا وَتَجْمِيلُهَا عَلَى جَارِي عَادَةِ الْعَرُوسِ. السَّادِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ): فِيهِ الزِّفَافُ فِي اللَّيْلِ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا نَهَارًا؛ فَفِيهِ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ. السَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: ("مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ") كَذَا هُوَ فِي الْبُخَارِيِّ بِغَيْرِ نُونٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ رِوَايَتُنَا، وَفِي بَعْضِهَا: "فَلْيَجِئْنِي بِهِ"، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَطْلُوبِيَّةِ الْوَلِيمَةِ لِلْعُرْسِ وَأَنَّهَا بَعْدَ الدُّخُولِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَتَجُوزُ قَبْلَهُ وَبُعْدَهُ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَقِيلَ: وَاجِبَةٌ. الثَّامِنَ عَشَرَ: فِيهِ إِدْلَالُ الْكَبِيرِ عَلَى أَصْحَابِهِ وَطَلَبُ طَعَامِهِمْ فِي نَحْوِ هَذَا، وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِأَصْحَابِ الزَّوْجِ وَجِيرَانِهِ مُسَاعَدَتُهُ فِي الْوَلِيمَةِ بِطَعَامٍ مِنْ عِنْدِهِمْ. التَّاسِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (وَبَسَطَ نِطْعًا): هُوَ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الطَّاءِ عَلَى أَفْصَحِ اللُّغَاتِ، وَفَتْحُ النُّونِ وَكَسْرُهَا مَعَ فَتْحِ الطَّاءِ وَإِسْكَانِهَا، وَجَمْعُهُ نُطُوعٌ وَأَنْطَاعٌ وَأَنْطُعٌ. الْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: (فَحَاسُوا حَيْسًا): الْحَيْسُ: فَصِيحٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، طَعَامٌ يُتَّخَذُ مِنَ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ، وَقَدْ يُجْعَلُ عِوَضَ الْأَقِطِ الدِّبْسُ، وَالْقَتِيتُ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الْحَيْسُ: الْأَقِطُ، يُخْلَطُ بِالتَّمْرِ وَالسَّمْنِ، وَحَاسَهُ حَيْسًا وَحَيَّسَهُ: خَلَطَهُ. قَالَ: وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهُ... وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحَيْسُ: الْخَلْطُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَيْسُ، قَالَ الرَّاجِزُ: السَّمْنُ وَالتَّمْرُ مَعًا ثُمَّ الْأَقِطُ... الْحَيْسُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ كَذَا السُّنَّةُ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ سِيدَهْ فَقَالَ فِي "مُخَصَّصِهِ": التَّمْرُ وَالسَّمْنُ جَمِيعًا وَالْأَقِطُ وَفِي "الْغَرِيبَيْنِ": هُوَ ثَرِيدٌ مِنْ أَخْلَاطٍ. وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْفَارِسِيُّ فِي "مَجْمَعِهِ". وَفِيهِ: أَنَّ الْوَلِيمَةَ تُجْعَلُ بِذَلِكَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: (فَكَانَتْ وَلِيمَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -)، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَاةٍ. خَاتِمَةٌ: مِنْ تَرَاجِمَ الْبُخَارِيِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: بَابُ مَا يُحْقَنُ بِالْأَذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ، وَلَفْظُهُ فِيهِ: كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا (دَعَا عَلَيْهِمْ). الْحَدِيثُ. وَزَعَمَ الْمُهَلَّبُ أَنَّ الدَّمَ إِنَّمَا يُحْقَنُ بِالْأَذَانِ لِأَنَّ فِيهِ الشَّهَادَةَ بِالتَّوْحِيدِ، وَالْإِقْرَارَ بِالرَّسُولِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَهَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، وَعِلْمُ مَا الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ دَاعِي الْإِسْلَامِ، فَكَانَ يُمْسِكُ عَنْ هَؤُلَاءِ؛ لِيَعْلَمَ إِنْ كَانُوا (مُجِيبِينَ) لِلدَّعْوَةِ أَمْ لَا؛ وَلَيْسَ يَلْزَمُ الْيَوْمَ الْأَئِمَّةَ أَنْ يَكُفُّوا عَمَّنْ بَلَّغَتْهُ الدَّعْوَةُ لِكَيْ يَسْمَعُوا أَذَانًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ عِنَادُ أَهْلِ الْحَرْبِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُنْتَهَزَ الْفُرْصَةُ فِيهِمْ.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية