الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 2760 2917 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطَرَّتْ أَيْدِيَهُمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا ، فَكُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَتِهِ اْتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ ، وَكُلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ " . فَسَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : "فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا تَتَّسِعُ " . [انْظُرْ : 1443 - مُسْلِمٍ: 1021 - فَتْحَ: 6 \ 99] التوضيح ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي قُبَّتِهِ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ . . " إِلَى أَنْ قَالَ : وَهُوَ فِي الدِّرْعِ . وَقَالَ وُهَيْبٌ : ثَنَا خَالِدٌ : يَوْمَ بَدْرٍ . وَحَدِيثَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ . وَقَالَ يَعْلَى : ثَنَا الْأَعْمَشُ وَقَالَ : رَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ . وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا (جُبَّتَانِ ) مِنْ حَدِيدٍ . . " إِلَى آخِرِهِ . الشَّرْحُ : التَّعْلِيقُ الْأَوَّلُ سَلَفَ مُسْنَدًا . وَقَوْلُهُ : وَقَالَ وُهَيْبٌ : ثَنَا خَالِدٌ (يَوْمَ بَدْرٍ . أَسْنَدَهُ فِي التَّفْسِيرِ فَقَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ وُهَيْبٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ ) ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّتِهِ يَوْمَ بَدْرٍ . . الْحَدِيثُ . وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ شَهِدَهَا . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ بِزِيَادَةٍ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ الْآيَةُ [الْأَنْفَالُ : 8] . وَمُحَمَّدٌ (هَذَا ) الَّذِي أَخْرَجَ عَنْهُ فِي التَّفْسِيرِ لَعَلَّهُ الذُّهْلِيُّ . قَالَ الْجَيَّانِيُّ : كَذَا فِي رِوَايَتِنَا عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيِّ ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ غَيْرَ مَنْسُوبٍ . وَذَكَرَهُ أَبُو نَصْرٍ وَلَمْ يَنْسُبْهُ قَالَ : وَسَقَطَ ذِكْرُهُ جُمْلَةً مِنْ نُسْخَةِ ابْنِ السَّكَنِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ : وَلَعَلَّهُ الذُّهْلِيُّ . وَقَالَ ابْنُ طَاهِرٍ فِي تَرْجَمَةِ عَفَّانَ : رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ ، وَرَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، وَإِسْحَاقَ غَيْرِ مَنْسُوبٍ ، وَمُحَمَّدٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ عَنْهُ . وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنِ الصَّغَانِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى عَنْهُ . وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقَمَرِ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، ثَنَا خَالِدٌ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ . يُرِيدُ بِإِسْحَاقَ هَذَا ابْنَ شَاهِينَ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَإِنْ كَانَ إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ رَوَى أَيْضًا عَنْ خَالِدٍ الطَّحَّانِ ، لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ مَا رَوَى عَنْهُ فِي "صَحِيحِهِ " . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ سَلَفَ قَرِيبًا فِي الرَّهْنِ ، وَفِي الْبَيْعِ أَيْضًا . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ سَلَفَ فِي الزَّكَاةِ . إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ ; فَالْكَلَامُ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : فِي قَوْلِهِ : ("احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ " ) دَلَالَةٌ عَلَى تَحْبِيسِ السِّلَاحِ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكِ فِي تَحْبِيسِ مَا عَدَا الْعَقَارَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ جَعَلَ الْخَيْلَ كَالْعَقَارِ . ثَانِيهَا : قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ : (حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) . أَيْ : يَكْفِيكَ . قَالَ الْقَزَّازُ : وَمِنْهُ يُقَالُ : حَسْبُ -سَاكِنُ الْبَاءِ - وَإِنَّمَا الْمَعْنَى يَكْفِيكَ كَمَا قُلْتُ . وَمَعْنَى (أَلْحَحْتَ ) : دَاوَمْتَ الدُّعَاءَ ، يُقَالُ : أَلَحَّ السَّحَابُ بِالْمَطَرِ : دَامَ . ثَالِثُهَا : قَدْ يُشْكِلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ ، وَذَلِكَ إِذَا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَاشِدُ رَبَّهُ مِنْ إِنْجَازِ الْوَعْدِ ، وَيُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ وَالصِّدِّيقُ يُسَكِّنُهُ وَيَقُولُ : (حَسْبُكَ فَقَدْ أَلْحَحْتَ ) . فَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ حَالَهُ فِي الثِّقَةِ بِرَبِّهِ وَالطُّمَأْنِينَةِ إِلَى رَبِّهِ أَرْفَعُ مِنْ حَالِ الشَّارِعِ ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ التِّينِ ، وَالْمَعْنَى فِي مُنَاشَدَتِهِ وَإِلْحَاحِهِ فِي الدُّعَاءِ الشَّفَقَةُ عَلَى قُلُوبِ أَصْحَابِهِ ، وَتَقْوِيَةُ قُلُوبِهِمْ إِذْ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَشْهَدٍ شَهِدُوهُ فِي لِقَاءِ الْعَدُوِّ ، وَكَانَ فِي صَحَابَتِهِ قِلَّةٌ وَعَدُوُّهُمْ أَضْعَافٌ مِنْ عُدَّتِهِمْ ، فَابْتَهَلَ فِي الدُّعَاءِ وَأَلَحَّ لِتَسْكِينِ نُفُوسِهِمْ إِذْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ وَسِيلَتَهُ مَقْبُولَةٌ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : (كُفَّ عَنِ الْمَسْأَلَةِ ) . إِذْ عَلِمَ أَنَّهُ اسْتُجِيبَ لَهُ مِمَّا وَجَدَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْمِنَّةِ وَالْقُوَّةِ حَتَّى قَالَ لَهُ هَذَا الْقَوْلَ ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ تِلَاوَتُهُ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ الْآيَةُ [الْقَمَرُ : 45] . رَابِعُهَا : قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ : ("إِلَى تَرَاقِيهِمَا " ) ; لِأَنَّهُ عِنْدَ الصَّدْرِ ، وَهُوَ مَسْلَكُ الْقَلْبِ ، وَهُوَ يَأْمُرُ الْمَرْءَ وَيَنْهَاهُ . خَامِسُهَا : فِيهِ مَا تَرْجَمَ لَهُ ، وَهُوَ اتِّخَاذُ الدِّرْعِ وَالْقِتَالُ بِهِ . وَفِيهِ : دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ نُفُوسَ الْبَشَرِ لَا يَرْتَفِعُ الْخَوْفُ عَنْهَا وَالْإِشْفَاقُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ كَانَ وَعَدَهُ اللَّهُ بِالنَّصْرِ ، وَهُوَ الْوَعْدُ الَّذِي نَشَدَهُ ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ أَلْقَى السَّحَرَةُ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ ، فَأَخْبَرَ عَنْهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ نَاصِرُهُ ، وَأَنَّهُ مَعَهُمَا يَسْمَعُ وَيَرَى : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى [طَهَ : 67] وَإِنَّمَا هِيَ طَوَارِقُ مِنَ الشَّيْطَانِ يُخَوِّفُ بِهَا النُّفُوسَ وَيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ . وَقَوْلُهُ : ("اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ " ) أَيِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِنْجَازَ وَعْدِكَ وَإِتْمَامَهُ بِإِظْهَارِ دِينِكَ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ الَّذِي قَضَيْتَ بِظُهُورِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَشِئْتَ أَنْ يَعْبُدَكَ أَهْلُهُ وَلَمْ تَشَأْ أَلَّا تُعْبَدَ ، فَتَمِّمْ مَا شِئْتَ كَوْنَهُ ، فَإِنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِكَ . وَقَوْلُهُ : ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [الْقَمَرُ : 45] فِيهِ : تَأْنِيسُ مَنِ اسْتَبْطَأَ مَا وَعَدَهُ اللَّهُ (بِهِ ) مِنَ النَّصْرِ بِالْبُشْرَى لَهُمْ بِهَزْمِ حِزْبِ الشَّيْطَانِ ، وَتَذْكِيرُهُمْ مِمَّا يُثَبِّتُهُمْ بِهِ مِنْ كِتَابِهِ تَعَالَى . وَفِيهِ : فَضْلُ الصِّدِّيقِ وَيَقِينُهُ بِصِدْقِ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ صِدِّيقًا .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية