الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 2753 84 - بَابٌ: مَنْ عَلَّقَ سَيْفَهُ بِالشَّجَرِ فِي السَّفَرِ عِنْدَ الْقَائِلَةِ 2910 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِيِ سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَخْبَرَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَلَ نَجْدٍ ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَفَلَ مَعَهُ ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَتِيرِ الْعِضَاهِ ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ ، وَنِمْنَا نَوْمَةً ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ : " إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا ، فَقَالَ : مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقُلْتُ : اللَّهُ " ، ثَلَاثًا ; وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ [2913 ، 4134 ، 4135 ، 4136 - مُسْلِمٍ: 843 - فَتْحَ: 6 \ 96] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَلَ نَجْدٍ ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَفَلَ مَعَهُ ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ عَلَّقَ سَيْفَهُ بِشَجَرَةٍ وَذَكَرَ قِصَّةَ الْأَعْرَابِيِّ مَعَهُ . ثُمَّ تَرْجَمَ لَهُ بَعْدَ بَابِ : تَفَرُّقُ النَّاسِ عَنِ الْإِمَامِ عِنْدَ الْقَائِلَةِ وَالِاسْتِظْلَالُ بِالشَّجَرِ ، ثُمَّ سَاقَهُ أَيْضًا . وَفِي لَفْظٍ : كَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْعَرَبِ أَرَادُوا أَنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَرْسَلُوا هَذَا الْأَعْرَابِيَّ (وَيَتْلُو ) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الْآيَةُ [الْمَائِدَةُ : 11] . قَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ مُسَدَّدٌ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ : اسْمُ الرَّجُلِ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا طَلَبْنَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْظَمَ شَجَرَةٍ وَأَظَلَّهَا ، قَالَ : فَنَزَلْنَا تَحْتَ شَجَرَةٍ ، فَجَاءَ رَجُلٌ وَأَخَذَ سَيْفَهُ وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ يَعْصِمُكَ مِنِّي ؟ قَالَ : "اللَّهُ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [الْمَائِدَةُ : 67] وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّ أَحَدًا كَانَ يَحْرُسُهُ ، بِخِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ (أَمْرِهِ ) ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَ : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . وَرَوَى الْوَاحِدِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحِمَّانِيِّ عَنِ النَّضْرِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحْرَسُ ، فَكَانَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ يُرْسِلُ مَعَهُ كُلَّ يَوْمٍ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ ، فَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ قَالَ : "يَا عَمَّاهُ ، إِنَّ اللَّهَ عَصَمَنِي مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ " قَالَ : وَقَالَتْ عَائِشَةُ : سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ : "أَلَا رَجُلٌ صَالِحٌ يَحْرُسُنِي " فَجَاءَ سَعْدٌ وَحُذَيْفَةُ ، فَنَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنْ قُبَّةِ أَدَمٍ فَقَالَ : "انْصَرِفَا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ " . وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ : فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِ الْأَعْرَابِيِّ ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ يَدِهِ وَقَالَ : "مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ " فَقَالَ : كُنْ خَيْرَ آخِذٍ . قَالَ : "فَتُسْلِمُ ؟ " قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ أُعَاهِدُكَ عَلَى أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ ، وَلَا أَكُونُ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ . فَخَلَّى سَبِيلَهُ ، فَأَتَى أَصْحَابَهُ ، فَقَالَ : جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ . إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ ; فَهُنَا أُمُورٌ : أَحَدُهَا : كَانَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ قَبْلَ نَجْدٍ كَمَا سَلَفَ وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : قَبْلَ أُحُدٍ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَتِهِ إِلَى غَطَفَانَ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ صَفَرَ . وَقِيلَ : فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذِي أَمْرٍ ، وَسَمَّاهَا الْوَاقِدِيُّ غَزْوَةَ أَنْمَارٍ ، وَيُقَالُ : كَانَ ذَلِكَ فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَزَعَ ثَوْبَيْهِ وَنَشَرَهُمَا عَلَى شَجَرَةٍ لِيَجِفَّا مِنْ مَطَرٍ كَانَ أَصَابَهُ ، وَاضْطَجَعَ تَحْتَهَا ، فَقَالَ الْكُفَّارُ لِدُعْثُورٍ -وَكَانَ سَيِّدَهُمْ وَكَانَ شُجَاعًا - قَدِ انْفَرَدَ مُحَمَّدٌ فَعَلَيْكَ بِهِ . فَأَقْبَلَ وَمَعَهُ صَارِمٌ حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِهِ ، فَقَالَ : مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "اللَّهُ " فَدَفَعَ جِبْرِيلُ فِي صَدْرِهِ ، فَوَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : "مَنْ يَمْنَعُكَ أَنْتَ الْيَوْمَ مِنِّي ؟ " فَقَالَ : لَا أَحَدَ . فَقَالَ : "قُمْ فَاذْهَبْ لِشَأْنِكَ " فَلَمَّا وَلَّى قَالَ : أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي . فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "أَنَا أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكَ " ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدُ . وَفِي لَفْظٍ : وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّكَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ . قُلْتُ : فَيَجُوزُ تَعَدُّدُ الْوَاقِعَةِ . وَذَكَرَهَا الْحَاكِمُ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَلَعَلَّهُ أَشْبَهُ ; لِأَنَّهُ قِيلَ : (إِنَّ [نُزُولَ] ) آيَةِ الْعِصْمَةِ كَانَ بَعْدَ بِنَائِهِ بِصَفِيَّةَ أَوْ لَيْلَةَ الْبَنَّاءِ . ثَانِيهَا : (اسْمُهُ ) غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ كَمَا سَلَفَ ، وَسَمَّاهُ الْخَطِيبُ غَوْرَكٌ بِالْكَافِ بَدَلَ الثَّاءِ ، وَلِلْخَطَّابِيِّ : غُوَيْرِثٌ بِالتَّصْغِيرِ . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ مَضْبُوطٌ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ، قَالَ : وَصَوَابُهُ بِالْمُعْجَمَةِ . وَقَالَ الْجَيَّانِيُّ : هُوَ فَوْعَلٌ مِنَ الْغَرَثِ ، وَهُوَ الْجُوعُ . ثَالِثُهَا : قَدْ أَسْلَفْنَا أَنَّ جِبْرِيلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَعَهُ فِي صَدْرِهِ فَوَقَعَ السَّيْفُ . وَعِنْدَ الْخَطَّابِيِّ : لَمَّا هَمَّ بِقَتْلِهِ أَخَذَتْهُ الزُّلْخَةُ : يَعْنِي : رَجْفًا فِي صُلْبِهِ ، فَنَدَرَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ . رَابِعُهَا : مَعْنَى : "اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ " أَيِ : اسْتَلَّهُ بِسُرْعَةٍ ، وَأَصْلُهُ مِنْ خَرَطْتُ الْعُودَ أَخْرُطُهُ وَأَخْرِطُهُ خَرْطًا ، ذَكَرَهُ الْقَزَّازُ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ : سَلَّهُ . وَقَوْلُهُ : ("وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا " ) أَيْ : جَرَّدَهُ ، وَمِثْلُهُ مُصْلَتٌ : مُخْرَجٌ مِنْ جَفْنِهِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي "شَرْحِ مُخْتَصَرِهِ " : قَوْلُهُ : "وَالسَّيْفُ صَلْتٌ فِي يَدِهِ " رُوِيَ بِرَفْعِ : "صَلْتٌ " وَنَصْبِهِ ، فَمَنْ رَفَعَهُ جَعَلَهُ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ السَّيْفُ ، وَ"فِي يَدِهِ " مُتَعَلِّقٌ بِهِ ، وَمَنْ نَصَبَ جَعَلَ الْخَبَرَ فِي الْمَجْرُورِ وَنَصَبَ صَلْتًا عَلَى الْحَالِ أَيْ مُصْلَتًا ، وَالْمَشْهُورُ فَتْحُ لَامِ "صَلَتٌ " . وَذَكَرَ الْقُتْبِيُّ أَنَّهَا تُكْسَرُ فِي لُغَةٍ . وَقَالَ ابْنُ عُدَيْسٍ : ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ صَلْتًا وَصُلْتًا بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ . أَيْ : مُجَرَّدًا . يُقَالُ : سَيْفٌ صَلْتٌ وَ (مُنْصَلِتٌ ) وَإِصْلِيتٌ : مُتَجَرِّدٌ مَاضٍ . وَقَوْلُهُ : ("فَشَامَ السَّيْفَ " ) أَيْ : أَغْمَدَهُ ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا فِي اللُّغَةِ عَلَى سَلِّهِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا : أَغْمَدَهُ ، وَغَمَدَهُ وَأَغْمَدَهُ بِمَعْنَى . قَالَ الْمُبَرِّدُ : هُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ ، سَلَّهُ وَأَغْمَدَهُ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ أَيْضًا . خَامِسُهَا : فِي هَذَا نَزَلَ : اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ الْآيَةُ [الْمَائِدَةُ : 11] كَمَا سَلَفَ . وَقِيلَ : فِيهِ نَزَلَتْ : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [الْفَتْحُ : 24] (وَعُورِضَ هَذَا بِقَوْلِهِ : بِبَطْنِ مَكَّةَ ) وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي بَطْنِ مَكَّةَ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ . وَقَوْلُهُ : ("مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ " ) اسْتِفْهَامٌ مَشُوبٌ بِالنَّفْيِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : لَا مَانِعَ (لِي مِنْكَ ) . فَلَمْ يُبَالِ بِقَوْلِهِ ، وَلَا عَرَّجَ عَلَيْهِ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ . سَادِسُهَا : فِي فَوَائِدِهِ فِيهِ كَمَا قَالَ الْمُهَلَّبُ : أَنَّ تَعْلِيقَ السَّيْفِ وَالسِّلَاحِ فِي الشَّجَرِ صِيَانَةً لَهَا مِنَ الْأَمْرِ الْمَعْمُولِ بِهِ . وَفِيهِ : أَنَّ تَعْلِيقَهَا عَلَى بُعْدٍ مِنْ صَاحِبِهَا مِنَ الْغَرَرِ لَا سِيَّمَا فِي الْقَائِلَةِ وَاللَّيْلِ ، لِمَا وَصَلَ إِلَيْهِ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ مِنْ سَيْفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَفِيهِ : تَفَرُّقُ النَّاسِ عَنِ الْإِمَامِ فِي الْقَائِلَةِ ، وَطَلَبُهُمُ الظِّلَّ وَالرَّاحَةَ ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَبْقَى مَعَهُ مَنْ يَحْرُسُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ ضَمِنَ لِنَبِيِّهِ الْعِصْمَةَ ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، قَالَ : وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ . ثُمَّ سَاقَ مَا أَسْلَفْنَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ . وَفِيهِ : أَنَّ حِرَاسَةَ الْإِمَامِ فِي الْقَائِلَةِ وَاللَّيْلِ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى النَّاسِ ، وَأَنَّ تَضْيِيعَهُ مِنَ الْمُنْكَرِ وَالْخَطَأِ . وَفِيهِ : جَوَازُ نَوْمِ الْمُسَافِرِ إِذَا أَمِنَ ، وَفِي تَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ هُنَا مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُجَاهِدَ إِذَا أَمِنَ نَامَ وَوَضَعَ سِلَاحَهُ ، وَإِنْ خَافَ اسْتَوْفَزَ . وَفِيهِ : دُعَاءُ الْإِمَامِ لِأَتْبَاعِهِ إِذَا أَنْكَرَ شَخْصًا ، وَشَكْوَى مَنْ أَنْكَرَهُ إِلَيْهِمْ . وَفِيهِ : تَرْكُ الْإِمَامِ مُعَاقَبَةَ مَنْ جَفَا عَلَيْهِ وَتَوَعَّدَهُ إِنْ شَاءَ ، وَالْعَفْوُ عَنْهُ إِنْ أَحَبَّ . وَفِيهِ : صَبْرُ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحِلْمُهُ وَصَفْحُهُ عَنِ الْجُهَّالِ . وَفِيهِ : شَجَاعَتُهُ وَبَأْسُهُ وَثَبَاتُ نَفْسِهِ وَيَقِينُهُ أَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ، فَلَمَّا شَاهَدَ الرَّجُلُ تِلْكَ الْقُوَى الَّتِي فَارَقَ بِهَا عَادَةَ النَّاسِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ تَحَقَّقَ صِدْقَهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ بِضَرَرٍ ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْخَوَارِقِ لِلْعَادَةِ ، فَإِنَّهُ عَدُوٌّ مُتَمَكِّنٌ ، بِيَدِهِ سَيْفٌ مَشْهُورٌ ، وَمَوْتٌ حَاضِرٌ ، وَلَا تَغَيَّرَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَالٌ ، وَلَا جَزَعَ ، وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ - . فَائِدَةٌ : الدُّؤَلِيُّ فِي إِسْنَادِ الْبَابَيْنِ بِضَمِّ الدَّالِّ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ (نِسْبَةٌ إِلَى ) [الدِّيلِ مِنْ كِنَانَةَ ، وَاسْمُهُ :] سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ . قَالَ الْأَخْفَشُ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ : جَاءَ حَرْفٌ وَاحِدٌ شَاذٌّ عَلَى وَزْنِ فُعَلٍ وَهُوَ الدُّؤَلُ ، وَهُوَ دُوَيْبَةٌ صَغِيرَةٌ تُشْبِهُ ابْنَ عُرْسٍ ، وَبِهَا سُمِّيَتْ قَبِيلَةُ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ ، وَهِيَ مِنْ كِنَانَةَ ، إِلَّا أَنَّكَ تَقُولُ : الدُّؤَلِيُّ فَتُفْتَحُ ، اسْتَثْقَلُوا كَسْرَتَيْنِ بَعْدَ ضَمَّةٍ وَيَاءِ النَّسَبِ . وَقَالَ سِيبَوَيْهِ : لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي الْأَسْمَاءِ وَلَا فِي الصِّفَاتِ بِنْيَةٌ عَلَى وَزْنِ فُعَلٍ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ بِنْيَةِ الْفِعْلِ .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية