الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 2692 41 - بَابٌ: هَلُ يُبْعَثُ الطَّلِيعَةُ وَحْدَهُ 2847 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : نَدَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ -قَالَ صَدَقَةُ : أَظُنُّهُ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ، ثُمَّ نَدَبَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ، ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا ، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ " . [انْظُرْ : 2846 - مُسْلِمٍ: 2415 - فَتْحَ: 6 \ 53] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَيْضًا ، عَنْ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ : نَدَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ -قَالَ صَدَقَةُ : أَظُنُّهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ - فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا ، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ " . الشَّرْحُ : حَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا يَأْتِي فِي الْخَنْدَقِ أَيْضًا ، وَفِي النَّسَائِيِّ : قَالَ وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ : أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ : لَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ " فَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ فَذَهَبَ الزُّبَيْرُ ، فَجَاءَ بِخَبَرِهِمْ ثُمَّ اشْتَدَّ الْأَمْرُ ، أَيْضًا قَالَ : "مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِهِمْ " فَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ ، فَذَهَبَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ اشْتَدَّ الْأَمْرُ أَيْضًا فَقَالَ : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيَّ وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ " ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ حَدِيثِ وَهْبٍ هَذَا ، وَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ : الْحَوَارِيُّ : النَّاصِرُ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ : قَالَ قَتَادَةُ : الْحَوَارِيُّ : الْوَزِيرُ . وَلَهُ مِنْ طَرِيقٍ ثَانٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيَّ وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ " أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْهُ ، (بِهِ ) . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا مَا ذَكَرْنَا ، وَالْمَشْهُورُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا فَتْحُ الدِّينِ الْيَعْمُرِيُّ أَنَّ الَّذِي تَوَجَّهَ لِيَأْتِيَ بِخَبَرِ الْقَوْمِ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ، كَمَا رَوَيْنَا عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ قَالَ -يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمَّ يَرْجِعُ " يَشْتَرِطُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجْعَةَ : "أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ " فَمَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْجَزَعِ وَالْبَرْدِ ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ دَعَانِي فَلَمْ يَكُنْ (لِي ) بُدٌّ مِنَ الْقِيَامِ حِينَ دَعَانِي فَقَالَ : "يَا حُذَيْفَةُ اذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَذَكَرَ ابْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ خُرُوجَ حُذَيْفَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَمَشَقَّةَ ذَلِكَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "قُمْ فَحَفِظَكَ اللَّهُ مِنْ أَمَامِكَ وَمِنْ خَلْفِكَ ، وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيْنَا " فَقَامَ حُذَيْفَةُ مُسْتَبْشِرًا بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَأَنَّهُ احْتَمَلَ احْتِمَالًا فَمَا شَقَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ فِيهِ . وَعِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ : فَقَبَضَ حُذَيْفَةُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ عَنْ يَمِينِهِ فَقَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ وَعَلَى يَدِ آخَرَ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَعَلَ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَفْطَنَ لَهُ فَبَدَرَهُمْ بِالْمَسْأَلَةِ ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِي خَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ . إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : مَا تَرْجَمَ لَهُ وَهُوَ فَضْلُ الطَّلِيعَةِ وَبَعْثُهَا وَحْدَهَا ، وَأَنَّ الطَّلِيعَةَ تَسْتَحِقُّ اسْمَ النُّصْرَةِ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّاهُ حَوَارِيَّ . وَالطَّلِيعَةُ : مَنْ يُبْعَثُ لِيَطَّلِعَ عَلَى الْعَدُوِّ . وَالْحَوَارِيُّ : النَّاصِرُ أَوِ الْوَزِيرُ كَمَا سَلَفَ ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مَنْ نَصَرَ نَبِيًّا ، وَبِهِ سُمِّيَ أَصْحَابُ عِيسَى بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ لِقَوْمِهِ : مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ [آلُ عِمْرَانَ : 52] فَلَمْ يُجِبْ غَيْرُهُمْ فَكَذَلِكَ لَمَّا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ ؟ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُجِبْهُ غَيْرُ الزُّبَيْرِ ، فَشَبَّهَهُ بِالْحَوَارِيِّينَ أَنْصَارِ عِيسَى ، وَسَمَّاهُ بِاسْمِهِمْ ، وَإِذَا اتَّضَحَ أَنَّهُ نَاصِرٌ فَأَجْرُهُ أَجْرُ الْمُقَاتِلِ الْمُدَافِعِ . وَمِنْ ثَمَّ قَالَ مَالِكٍ : إِنَّ طَلِيعَةَ اللُّصُوصِ تُقْتَلُ مَعَهَا وَإِنْ لَمْ تَقْتُلْ وَلَمْ تَسْلُبْ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ : لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ . وَقِيلَ : الْحَوَارِيُّ : الْخَالِصُ مِنَ الْأَصْحَابِ وَقِيلَ : سُمِّيَ أَصْحَابُ عِيسَى بِذَلِكَ لِشِدَّةِ بَيَاضِ ثِيَابِهِمْ . وَقِيلَ : كَانُوا قَصَّارِينَ ، وَكُلُّ مَا بَيَّضْتَهُ فَقَدْ حَوَّرْتَهُ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَمَعْنَى "حَوَارِيِّ الزُّبَيْرُ " أَنَّهُ مُخْتَصٌّ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي وَمُفَضَّلٌ ; وَسُمِّيَ خُبْزَ الْحَوَارِيِّ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْخُبْزِ ، أَوْ لِبَيَاضِهِ . قَالَ الدَّاوُدِيُّ : وَلَا أَعْلَمُ رَجُلًا جَمَعَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَوَيْهِ إِلَّا الزُّبَيْرَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يَقُولُ لَهُ : "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي " ، وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ لِغَيْرِهِمَا : "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي " أَوْ "فَدَتْكَ أُمِّي " وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِلتَّبْجِيلِ لَيْسَ عَلَى الدُّعَاءِ وَلَا عَلَى الْخَبَرِ . وَكَانَ الزُّبَيْرُ مِنْ أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ ، وَكَانَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لِلَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ، مَاتَ يَوْمَ الْجَمَلِ ; قُتِلَ وَهُوَ مُنْصَرِفٌ ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ، قَتَلَهُ ابْنُ جُرْمُوزٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ، وَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : "بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ " ، كُنْيَتُهُ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ يَلْتَقِي فِي النَّسَبِ الشَّرِيفِ فِي قُصَيٍّ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَشَرَةِ بَعْدَ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَقْرَبَ نَسَبًا مِنْهُ . ثَانِيهَا : فِيهِ شَجَاعَةُ الزُّبَيْرِ وَتَقَدُّمُهُ وَفَضْلُهُ ، وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي ، فَضَبَطَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ (حَوَارِيَّ ) كَمُصْرِخِيِّ ، وَضَبَطَهُ أَكْثَرُهُمْ بِكَسْرِهَا . وَمَعْنَى : (انْتَدَبَ ) : أَجَابَ ، فَفِيهِ الْأَدَبُ مِنَ الْإِمَامِ فِي النَّدْبِ إِلَى الْقِتَالِ وَالْمَخَاوِفِ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ : قُمْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ . فَيَلْزَمُ الرَّجُلَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الْآيَةُ [الْأَنْفَالُ : 24] . ثَالِثُهَا : زَعَمَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ "الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ " وَنَهْيُهُ أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ ، وَلَيْسَ كَمَا زُعِمَ فَلَا تَعَارُضَ ; كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُهَلَّبُ ; لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا جَاءَ فِي الْمُسَافِرِ وَحْدَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَأْنَسُ بِصَاحِبٍ وَلَا يَقْطَعُ طَرِيقَهُ بِمُحَدِّثٍ يُهَوِّنُ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ السَّفَرِ ، كَالشَّيْطَانِ الَّذِي لَا يَأْنَسُ بِأَحَدٍ وَيَطْلُبُ الْوَحِيدَ لِيُغْوِيَهُ بِتِذْكَارِ قِتْلَةٍ وَ (تَزْيِينِ ) شَهْوَةٍ ، حَضًّا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصُّحْبَةِ وَالْمُرَافَقَةِ ; لِقَطْعِ الْمَسَافَةِ وَطَيِّ بِعِيدِ الْأَرْضِ بِطَيِّبِ الْحِكَايَةِ وَحُسْنِ الْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْمُؤْنَةِ ، وَقِصَّةُ الزُّبَيْرِ بِضِدِّ هَذَا بَعَثَهُ طَلِيعَةً مُتَجَسِّسًا عَلَى قُرَيْشٍ مَا يُرِيدُونَهُ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَتَعَرَّفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ طَلِيعَةٍ لَكَانَ أَسْلَمَ وَأَخَفَّ ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَسُنَّ لَنَا جَوَازَ الْغَرَرِ فِي ذَلِكَ لِمَنِ احْتَسَبَ نَفْسَهُ وَسَخَى بِهَا فِي نَفْعِ الْمُسْلِمِينَ وَحِمَايَةِ الدِّينِ ، وَمَنْ خَرَجَ فِي مِثْلِ هَذَا الْخَطِيرِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَمْ يُعْطِ الشَّيْطَانَ أُذُنَهُ فَيُصْغِي إِلَى خُدَعِهِ ، بَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَمُؤْنِسٌ ، وَهَذَا . أَلَا تَرَى تَثْبِيتَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ حِينَ نَادَى أَبُو سُفْيَانَ فِي الْمُشْرِكِينَ لِيَعْرِفَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ جَلِيسَهُ (قَالَ الزُّبَيْرُ لِمَنْ قَرُبَ : [مَنْ] أَنْتَ ؟ فَسَبَقَ بِحُضُورِ ذِهْنِهِ إِلَى ) مَا لَوْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ جَلِيسُهُ لَكَانَ سَبَبَ فَضِيحَتِهِ ، كَذَا قَالَ : إِنَّهُ الزُّبَيْرُ ، وَإِنَّمَا هُوَ حُذَيْفَةُ حِينَ سَارَ إِلَى قُرَيْشٍ فِي الْأَحْزَابِ مُتَحَسِّسًا -كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ كَمَا سَلَفَ - وَلَوْ أَرْسَلَ مَعَهُ غَيْرَهُ لَكَانَ أَقْرَبَ إِلَى أَنْ يُعْثَرَ عَلَيْهِمَا ، فَالْوَحْدَةُ فِي هَذَا هِيَ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ ، وَفِي الْمُسَافِرِ هِيَ الْعَوْرَةُ الْبَيِّنَةُ ، وَلِكُلِّ وَجْهٍ مِنَ الْحِكْمَةِ غَيْرُ وَجْهِ الْآخَرِ لِتَبَايُنِ الْقِصَصِ وَاخْتِلَافِ الْمَعَانِي . وَحَمَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَلَى مَنْ لَا يَهُولُهُ هَوْلٌ ، أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ سَعْدًا بَنَى قَصْرًا أَرْسَلَ شَخْصًا وَحْدَهُ لِيَهْدِمَهُ . - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ سَرِيَّةً وَحْدَهُ ، وَبَعَثَ عُمَرَ وَابْنَ أُمَيَّةَ وَحْدَهُ عَيْنًا ، وَلِابْنِ سَعْدٍ : أَرْسَلَ سَالِمَ بْنَ عُمَيْرٍ سَرِيَّةً وَحْدَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ كَذَلِكَ فَمَمْنُوعٌ مِنَ السَّفَرِ وَحْدَهُ خَشْيَةً عَلَى عَقْلِهِ أَوْ يَمُوتُ فَلَا يَدْرِي خَبَرَهُ أَحَدٌ وَلَا يَشْهَدُهُ أَحَدٌ ، كَمَا قَالَ عُمَرُ : أَرَأَيْتُمْ إِذَا سَارَ وَحْدَهُ وَمَاتَ مَنْ أَسْأَلُ عَنْهُ ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ نَهْيَ تَأْدِيبٍ وَإِرْشَادٍ إِلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى . وَحَدِيثُ "الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ ، وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ، وَعَزَاهُ ابْنُ التِّينِ إِلَى رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي "جَامِعِ مُخْتَصَرِهِ " ، قَالَ : وَذَكَرَهُ مَالِكٍ فِي "مُوَطَّئِهِ " عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : وَقِيلَ : أَخْبَارُ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَاهِيَةٌ لَمْ يَسْمَعْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ . قُلْتُ : مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . وَسَفَرُ الْوَاحِدِ مُبَاحٌ لِتَوْجِيهِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعُيُونُ وَالطَّوَالِعُ وِحْدَانًا ، قَالَ : وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ ، وَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ " ، ثُمَّ نَقَلَ عَنِ الشَّيْخِ : أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُرِيدُ فِي السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ . وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِيمَا سَيَأْتِي بَابَ : السَّيْرُ وَحْدَهُ ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ : "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ " ، وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي دُخُولِهِ فِيهِ فَقَالَ : لَا أَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ كَيْفَ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ وَهُوَ عَجِيبٌ ، فَدُخُولُهُ ظَاهِرٌ ، وَفِي "مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : خَرَجَ (رَجُلَانِ ) مِنْ خَيْبَرَ فَتَبِعَهُ رَجُلَانِ وَرَجُلٌ يَتْلُوهُمَا يَقُولُ : ارْجِعَا حَتَّى أُدْرِكَهُمَا فَرَدَّهُمَا ثُمَّ قَالَ : إِنَّ هَذَيْنِ شَيْطَانَانِ فَأَقْرِأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ السَّلَامَ ، وَأَعْلِمْهُ أَنَّ فِي جَمْعِ صَدَقَاتِنَا لَوْ كَانَتْ تَصْلُحُ لَهُ لَبَعَثْنَاهَا إِلَيْهِ . فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدَّثَهُ نَهَى عِنْدَ ذَلِكَ عَنِ الْوَحْدَةِ ، ثُمَّ قَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ . قُلْتُ : فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ . وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ السَّالِفِ ، وَقَالَ لِرَجُلٍ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَقَالَ لَهُ : "مَا صَحِبْتَ ؟ " فَقَالَ : مَا صَحِبْتُ أَحَدًا . . ذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ . فَائِدَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ لُغَوِيَّةٌ : فِي حَقِيقَةِ السَّرِيَّةِ وَالْغَزْوِ وَغَيْرِهِمَا ذَكَرَهَا الْمَسْعُودِيُّ فِي كِتَابِ "التَّنْبِيهِ وَالْإِشْرَافِ " : فَالسَّرَايَا : مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْخَمْسِمِائَةِ ، وَالسَّرِيَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ لَيْلًا ، وَبِالنَّهَارِ سَارِبَةٌ وَمِنْهُ : وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرَّعْدُ : 10] . وَمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ فَهِيَ الْمَنَاسِرُ . وَمَا بَلَغَ ثَمَانِمِائَةٍ فَهُوَ الْجَيْشُ الْقَلِيلُ . وَمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ آلَافٍ فَهُوَ الْجَحْفَلُ . وَمَا بَلَغَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَهُوَ الْجَيْشُ الْجَرَّارُ . وَإِذَا افْتَرَقَتِ السَّرَايَا وَالسَّوَارِبُ بَعْدَ خُرُوجِهَا فَمَا كَانَ دُونَ الْأَرْبَعِينَ فَهِيَ الْجَرَائِدُ ، وَمَا كَانَ مِنَ الْأَرْبَعِينَ إِلَى دُونِ الثَّلَاثِمِائَةِ فَهِيَ الْمَقَانِبُ ، وَمَا كَانَ مِنَ الثَّلَاثِمِائَةِ إِلَى دُونِ الْخَمْسِمِائَةِ فَهِيَ الْجَمَرَاتُ . وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْأَرْبَعِينَ إِذَا تَوَجَّهُوا الْعُصْبَةَ وَرَأَى قَوْمٌ أَنَّ الْمَقْنَبَ مِثْلُ الْمَنْسَرِ ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ رَجُلًا إِلَى الْأَرْبَعِينَ وَذَكَرُوا لَهُ شَاهِدًا . وَالْكَتِيبَةُ : مَا جُمِعَ وَلَمْ يَنْتَشِرْ . وَالْحَصِيرَةُ : يُغْزَى بِهِمْ دُونَ الْعَشَرَةِ فَمَنْ دُونَهُمْ . وَالْهَبْطَةُ : جَمَاعَةٌ يُغْزَى بِهِمْ وَلَيْسُوا بِجَيْشٍ . وَالْأَرْعَنُ : الْجَيْشُ الْكَبِيرُ الَّذِي مِثْلَ الْجَبَلِ . وَالْخَمِيسُ : الْجَيْشُ الْعَظِيمُ . وَالْجَرَّارُ : الَّذِي لَا يَسِيرُ إِلَّا زَحْفًا . وَالْبَحْرُ : أَكْبَرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْجَيْشِ إِذَا عَظُمَ وَثَقُلَ .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية