الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 2656 16 - بَابٌ: مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ الْآيَةُ [التَّوْبَةُ : 120] . 2811 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْسٍ هُوَ -عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ " . [انْظُرْ : 907 - فَتْحَ: 6 \ 29] التوضيح حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ : أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْسٍ -هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبْرٍ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "مَا (اغْبَرَّتَا ) قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ " . الشَّرْحُ : أَمَّا الْآيَةُ : فَقَالَ مُقَاتِلٌ : ذَكَرَ اللَّهُ -جَلَّ وَعَزَّ - الَّذِينَ لَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالَ : مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَوْلُهُ : عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ الثَّعْلَبِيُّ : ظَاهِرُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ : أَمْرٌ . وَ (الْأَعْرَابُ ) سُكَّانُ الْبَوَادِي : مُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ وَأَشْجَعُ وَأَسْلَمُ وَغِفَارٌ . ( أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ) إِذْ غَزَا . قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ : يُكْتَبُ لَهُمْ بِكُلِّ رَوْعَةٍ تَنَالُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (سَبْعِينَ ) أَلْفَ حَسَنَةٍ . قَالَ قَتَادَةُ : هَذَا خَاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا غَزَا بِنَفْسِهِ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ إِلَّا بِعُذْرٍ ، فَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتَخَلَّفَ تَخَلَّفَ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُمَا : هَذِهِ الْآيَةُ لِأَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَآخِرِهَا . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَانَ هَذَا وَأَوَّلُ الْإِسْلَامِ قَلِيلٌ فَلَمَّا كَثُرُوا نَسَخَهَا اللَّهُ ، وَأَبَاحَ التَّخَلُّفَ لِمَنْ شَاءَ فَقَالَ : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التَّوْبَةُ : 122] وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا نَسْخَ ، وَالْأُولَى تُوجِبُ إِذَا نَفَرَ الشَّارِعُ أَوِ احْتِيجَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فَاسْتُنْفِرُوا لَمْ يَسَعْ أَحَدًا التَّخَلُّفُ وَإِذَا بَعَثَ الشَّارِعُ سَرِيَّةً خَلْفَ طَائِفَةٍ ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ ، وَقَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ : قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ نُسِخَ بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ قَوْلَهُ : مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ تَعْرِيضٌ لِمَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ عَنْ تَبُوكَ ، فَهَذَا النَّهْيُ يَتَوَجَّهُ عَلَى كُلِّ مَنِ اسْتُنْفِرَ فَلَمْ يَنْفِرْ خَاصًّا وَعَامًّا ، وَمَنْ لَمْ يُسْتَنْفَرْ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَهُ ، وَالْآيَةُ الَّتِي زَعَمَهَا نَاسِخَةً ; إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الْحَضِّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَالرِّحْلَةِ فِيهِ ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ ، وَحَدِيثُ أَبِي عَبْسٍ سَلَفَ فِي الْجُمُعَةِ ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ بَلْ لَمْ يُخَرِّجْ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي عَبْسٍ فِي "صَحِيحِهِ " شَيْئًا . وَشَيْخُهُ هَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ الْجَيَّانِيُّ : نَسَبَهُ الْأَصِيلِيُّ فِي نُسْخَتِهِ فَقَالَ : ابْنُ مَنْصُورٍ ، وَكَذَا قَالَهُ الْكَلَابَاذِيُّ ، وَجَدُّهُ ابْنُ بَهْرَامٍ أَبُو يَعْقُوبَ الْكَوْسَجُ الْمَرْوَزِيُّ مَاتَ بِنَيْسَابُورَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِسْحَاقُ هَذَا ابْنَ زَيْدٍ الْخَطَّابِيَّ ، سَاكِنَ حَرَّانَ ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْمَوْصِلِيِّ ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ زَيْدٍ الْخَطَّابِيُّ وَكَانَ يَسْكُنُ حَرَّانَ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ ، فَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ الشَّامِيُّ مَاتَ مَا بَيْنَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ . وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ [التَّوْبَةُ : 120] فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِخُطُوَاتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَلْقَوْا قِتَالًا ، فَفَسَّرَ ذَلِكَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ ، أَنَّهُ لَا يَمَسُّ النَّارُ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَهَذَا وَعْدٌ مِنْهُ ، وَهُوَ مُنْجَزٌ لَا يَتَخَلَّفُ ، وَسَبِيلُ اللَّهِ جَمِيعُ طَاعَاتِهِ .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية