الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 180 182 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لَحِاجَةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. [203، 206، 363، 388، 2918، 4421، 5798، 5799 - مُسْلِمٍ: 274 - فَتْحَ: 1 \ 285] التوضيح حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ عَدَلَ إِلَى الشِّعْبِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ. قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: "الْمُصَلَّى أَمَامَكَ". هَذَا الْحَدِيثُ سَلَفَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، وَاشْتَهَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَرَوَاهُ عَنْهُ يَزِيدُ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَاللَّيْثُ، وَرَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ وَغَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ: (فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ) هُوَ مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَهُوَ رَدٌّ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا نَهَيَا أَنْ يُسْتَقَى لَهُمَا الْمَاءُ لِوُضُوئِهِمَا، وَقَالَا: نَكْرَهُ أَنْ يُشْرِكَنَا فِي الْوُضُوءِ (أَحَدٌ)، وَرَوَيَا ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنَ عُمَرَ: مَا أُبَالِي أَعَانَنِي رَجُلٌ عَلَى طَهُورِي أَوْ عَلَى رُكُوعِي وَسُجُودِي. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَبَّ عَلَى يَدَيْ عُمَرَ الْوُضُوءَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ خِلَافُ مَا ذُكِرَ عَنْهُ. رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَشِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْكُبُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ الْمَاءَ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ، وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا خَالَفَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ; لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَيْفَعُ وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَالْحَدِيثُ عَنْ عَلِيٍّ لَا يَصِحُّ; لِأَنَّ رِوَايَةَ النَّضْرِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الْجَنُوبِ، عَنْ عَلِيٍّ، وَهُمَا غَيْرُ حُجَّةٍ فِي الدِّينِ فَلَا يُعْتَدُّ بِنَقْلِهِمَا، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ بِالَّذِي يُبِيحُ لِابْنِ عَبَّاسٍ صَبَّ الْمَاءِ عَلَى يَدَيْهِ لِلْوُضُوءِ إِذْ ذَاكَ أَقْرَبُ لِلْمَعُونَةِ مِنَ اسْتِقَاءِ الْمَاءِ لَهُ. وَمُحَالٌ أَنْ يَمْنَعَ عُمَرُ اسْتِقَاءَ الْمَاءِ لَهُ وَيُبِيحُ صَبَّ الْمَاءِ عَلَيْهِ لِلْوُضُوءِ، مَعَ سَمَاعِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكَرَاهِيَةَ لِذَلِكَ، وَمِمَّنْ كَانَ يَسْتَعِينُ عَلَى وُضُوئِهِ بِغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ. قَالَ الْحَسَنُ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُصَبُّ عَلَيْهِ مِنْ إِبْرِيقٍ، وَفَعَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ. وَقَالَ أَبُو الضُّحَى: لَا بَأْسَ لِلْمَرِيضِ أَنْ تُوَضِّئَهُ الْحَائِضُ. قَالَ غَيْرُهُ: وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَضِّئَهُ غَيْرُهُ; لِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ الْمُتَوَضِّئَ اغْتِرَافُ الْمَاءِ مِنَ الْإِنَاءِ لِأَعْضَائِهِ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ غَيْرُهُ; بِدَلِيلِ صَبِّ أُسَامَةَ الْمَاءَ عَلَى الشَّارِعِ لِوُضُوئِهِ، وَالِاغْتِرَافُ بَعْضُ عَمَلِ الْوُضُوءِ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ سَائِرُ الْوُضُوءِ. وَهَذَا مِنْ بَابِ الْقُرُبَاتِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَهَا الرَّجُلُ عَنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْمَرِيضِ الِاسْتِعَانَةُ فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى عَنْهُ إِذَا لَمْ يُسْتَطِعْ، دَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْوُضُوءِ بِخِلَافِ حُكْمِ الصَّلَاةِ. قُلْتُ: وَأَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ اسْتِدْعَاءُ صَبٍّ، إِنَّمَا فِيهِ إِقْرَارُهُ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِيضَأَةٍ; فَقَالَ: "اسْكُبِي" فَسَكَبْتُ فَذَكَرَتْ وُضُوءَهُ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ"، وَقَالَ: الشَّيْخَانِ لَمْ يَحْتَجَّا بِابْنِ عَقِيلٍ، وَهُوَ مُسْتَقِيمُ الْحَدِيثِ، مُقَدَّمٌ فِي الشَّرَفِ. وَجَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ فِي كَلَامِهِ عَلَى أَبْوَابِ الْبُخَارِيِّ: (قَاسَ) الْبُخَارِيُّ تَوْضِئَةَ الْغَيْرِ لَهُ عَلَى صَبِّهِ عَلَيْهِ؛ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي مَعْنَى الْإِعَانَةِ عَلَى أَدَاءِ الطَّاعَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ فِي الصَّبِّ أَيْضًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالْمَغَازِي أَيْضًا كَمَا سَتَعْلَمُهُ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الطَّهَارَةِ أَيْضًا، وَهُوَ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، رَوَاهُ عَنْهُ وَلَدَاهُ عُرْوَةُ وَحَمْزَةُ، وَغَيْرُهُمَا، وَاشْتَهَرَ عَنْ عُرْوَةَ أَيْضًا فَمَنْ دُونَهُ. ثَانِيهَا: فِيهِ مِنْ لَطَائِفِ الْإِسْنَادِ رِوَايَةُ أَرْبَعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ مِنْ يَحْيَى إِلَى عُرْوَةَ. ثَالِثُهَا: الْمُغِيرَةُ (ع) هَذَا أَمِيرُ الْكُوفَةِ مَرَّاتٍ، ثَقَفِيٌّ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ. عَنْهُ: بَنُوهُ، أَحْصَنَ خَلْقًا مِنَ النِّسَاءِ ثُلْثُمِائَةٍ أَوْ أَلْفُ امْرَأَةٍ، وَبِرَأْيِهِ وَدَهَائِهِ يُضْرَبُ الْمَثَلُ، وَهُوَ مِنَ الْأَفْرَادِ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ عَنْ سَبْعِينَ سَنَةً. وَوَلَدُهُ عُرْوَةُ (ع) وَلِيَ الْكُوفَةَ عَنْ أَبِيهِ. وَنَافِعٌ (ع) شَرِيفٌ مُفْتِي، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ. وَسَعْدُ (ع) بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ قَاضِي الْمَدِينَةِ، ثِقَةٌ، إِمَامٌ، يَصُومُ الدَّهْرَ وَيَخْتِمُ كُلَّ يَوْمٍ. مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَيَحْيَى سَلَفَ التَّعْرِيفُ بِهِ. وَعَبْدُ الْوَهَّابِ (ع) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ الْحَافِظُ، أَحَدُ أَشْرَافِ الْبَصْرَةِ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ: اخْتَلَطَ بِأَخَرَةٍ. وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. وَعَمْرُو (ع) بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْفْلَّاسُ أَحَدُ الْأَعْلَامِ الْحُفَّاظِ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ. رَابِعُهَا: فِقْهُهُ ظَاهِرٌ لِمَا تُرْجِمَ لَهُ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فِيهِ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية