الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 178 180 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟ ". فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ". تَابَعَهُ وَهْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ وَيَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ: "الْوُضُوءُ". [مُسْلِمٍ: 345 - فَتْحَ: 1 \ 284] التوضيح وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ قَدْ أَسْلَفْنَا فِي بَابِ: لَا تُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةُ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، أَنَّ الْغَائِطَ أَصْلُهُ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ، كَانُوا يَنْتَابُونَهُ لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِلْخَارِجِ وَغَلَبَ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْوَضْعِيَّةِ فَصَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، لَكِنْ لَا يُقْصَدُ بِهِ إِلَّا الْخَارِجُ مِنَ الدُّبُرِ فَقَطْ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْقُبُلِ أَيْضًا، وَقَدْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى إِلْحَاقِهِ بِالْغَائِطِ فِي النَّقْضِ، وَالرِّيحُ مُلْحَقٌ بِهِمَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مِنْهَا: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: "حَتَّى تَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ تَجِدَ رِيحًا". قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا أَنَّهُ يَنْقُضُ خُرُوجُ الْغَائِطِ مِنَ الدُّبُرِ، وَالْبَوْلُ مِنَ الْقُبُلِ، وَالرِّيحُ مِنَ الدُّبُرِ، وَالَّذِي. قَالَ: وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ يَنْقُضُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ الْأَرْبَعَةِ. قَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي الدُّودِ يَخْرُجُ مِنَ الدُّبُرِ، فَكَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَالْحَكَمُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ يَرَوْنَ مِنْهُ الْوُضُوءَ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمَالِكٌ: لَا وُضُوءَ فِيهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّخَعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا وُضُوءَ فِي الدَّمِ يَخْرُجُ مِنَ الدُّبُرِ. هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ. وَنَقَلَ أَصْحَابُنَا عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ النَّادِرَ لَا يَنْقُضُ، وَالنَّادِرُ كَالْمَذْيِ يَدُومُ لَا بِشَهْوَةٍ، فَإِنْ كَانَ بِهَا فَلَيْسَ بِنَادِرٍ. وَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْهُ; فَقَالَ: وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ مُعْتَادًا نَاقِضٌ، وَمَا خَرَجَ نَادِرًا عَلَى وَجْهِ الْمَرَضِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، كَالِاسْتِحَاضَةِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَالْحَجَرِ وَالدُّودِ وَالدَّمِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: الْمَذْيُ وَالْبَوْلُ وَالْغَائِطُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ خَرَجُوا مِنَ الدُّبُرِ وَالْإِحْلِيلِ وَالْمَثَانَةِ أَوِ الْبَطْنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْجَسَدِ أَوْ مِنَ الْفَمِ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ; لِعُمُومِ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوُضُوءِ مِنْهَا وَلَمْ يَخُصَّ مَوْضِعًا دُونَ مَوْضِعٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: قَالَ تَعَالَى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [الْمَائِدَةِ: 6] ، وَقَدْ يَكُونُ خُرُوجُ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجَيْنِ. وَقَالَ دَاوُدُ: لَا يَنْقُضُ النَّادِرُ وَإِنْ دَامَ إِلَّا الْمَذْيُ؛ لِلْحَدِيثِ. وَاحْتَجَّ لِمَنْ قَالَ: (لَا يَنْقُضُ النَّادِرُ) بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ" حَدِيثٌ صَحِيحٌ، صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الصَّحِيحِ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ، وَلِأَنَّهُ نَادِرٌ فَلَمْ يَنْقُضْ كَالْقَيْءِ وَكَالْمَذْيِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ الْآتِي فِي الْبَابِ فِي الْمَذْيِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا: فِي الْوَدْيِ الْوُضُوءُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ; وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ السَّبِيلِ فَنَقَضَ كَالرِّيحِ وَالْغَائِطِ; وَلِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْوُضُوءُ بِالْمُعْتَادِ الَّذِي تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَغَيْرُهُ أَوْلَى. وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ: "لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ" أَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَصْرَ نَاقِضِ الْوُضُوءِ فِي ذَلِكَ، بَلِ الْمُرَادُ نَفِيُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ بِالشَّكِّ فِي خُرُوجِ الرِّيحِ. وَأَمَّا حَدِيثُ صَفْوَانَ فَيُبَيِّنُ فِيهِ جَوَازَ الْمَسْحِ وَنَقْضَ مَا يُمْسَحُ بِسَبَبِهِ، وَلَمْ يَقْصِدْ بَيَانَ جَمِيعِ النَّوَاقِضِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَوْفِهَا، أَلَا تَرَاهُ لَمْ يَذْكُرِ الرِّيحَ وَزَوَالَ الْعَقْلِ وَهُمَا مِمَّا يَنْقُضُ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْقَيْءُ فَلِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ فَلَمْ يَنْقُضْ كَالرِّيحِ. وَأَمَّا سَلَسُ الْمَذْيِ فَلِلضَّرُورَةِ؛ وَلِهَذَا نَقُولُ: هُوَ مُحْدِثٌ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ فَرْضَيْنِ، وَلَا يَتَوَضَّأُ قَبْلَ الْوَقْتِ. وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِحَدِيثِ: " الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ" وَهُوَ خَبَرٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا، وَلَا يَثْبُتُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْقُضُ خُرُوجُ الرِّيحِ مِنْ قُبُلِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ. وَوَافَقَنَا أَحْمَدُ عَلَى النَّقْضِ بِهِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ الْقَمْلَةِ: يُعِيدُ الْوُضُوءَ. هَذَا أَسْنَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ فَذَكَرَهُ، وَقَدْ أَسْلَفْنَاهُ عَنْ حِكَايَةِ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَيْضًا. قَالَ الْبُخَارِيُّ: (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ). وَهَذَا الْأَثَرُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْمَعْرِفَةِ" مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ: سُئِلَ جَابِرٌ، فَذَكَرَهُ. قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو شَيْبَةَ قَاضِي وَاسِطٍ، عَنْ يَزِيدَ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَرْفُوعًا. وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي مَتْنِهِ، وَالْمَوْقُوفُ هُوَ الصَّحِيحُ وَرَفْعُهُ ضَعِيفٌ. قُلْتُ: لَا جَرَمَ، اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى الْوَقْفِ، وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَالصَّحِيحُ عَنْ جَابِرٍ خِلَافُهُ، وَفِي لَفْظٍ عَنْ جَابِرٍ: لَا يَقْطَعُ التَّبَسُّمُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُقَرْقِرَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَقَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ. وَهُوَ إِجْمَاعٌ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. وَذَهَبَ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ إِلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَرَهُ حَدَثًا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فِيهَا. وَحَدِيثُ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ وَأَنَسٍ وَعِمْرَانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ضَعَّفَهَا كُلَّهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ يَدُورُ عَلَى أَبِي الْعَالِيَةِ -يَعْنِي مُرْسَلًا - وَهُوَ الصَّوَابُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ أَوْ أَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ; فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ). هَذَا أَسْنَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ هُشَيْمٍ، نَا يُونُسُ عَنْهُ وَذَكَرَهُ أَيْضًا عَنِ الْحَكَمِ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي وَائِلٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ عَلِيٍّ وَمُجَاهِدٍ وَحَمَّادٍ: يُعِيدُ الْوُضُوءَ. وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ: يَجْرِي عَلَيْهِ الْمَاءُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَا ذَكَرَهُ عَنِ الْحَسَنِ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَمُجَاهِدٍ إِيجَابُ الْوُضُوءِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالنَّخَعِيُّ: يَمَسُّهُ الْمَاءُ. وَأَمَّا مَنْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ مِنْ أَوَّلِهِ، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ. ثَانِيهَا: يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ مَكَانَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلِ اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ. ثَالِثُهَا: يَغْسِلُهُمَا إِذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَالْمُزَنِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ. رَابِعُهَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، يُصَلِّي كَمَا هُوَ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ النَّخَعِيِّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ). قَدْ أَسْلَفَهُ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِهِ فِي بَابِ: لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَحَدِيثُهُ السَّالِفُ قَرِيبًا: "لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ" بِمَعْنَاهُ وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ "الطَّهُورِ" بِلَفْظِ: "لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ أَوْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ". قَالَ الْبُخَارِيُّ: (وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ، وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ). وَهَذَا قَدْ أَسْنَدَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرٍ بِهِ مُطَوَّلًا. وَالرَّجُلُ الَّذِي نَزَفَهُ الدَّمُ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَالنَّائِمُ الْمَذْكُورُ فِيهِ هُوَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَالسُّورَةُ الَّتِي قَالَ: (لَمْ أَقْطَعْهَا): الْكَهْفُ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَشْكُوَالَ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: الْأَنْصَارِيُّ: عِمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ عَبَّادٌ، حَكَى ذَلِكَ الْمُنْذِرِيُّ بِزِيَادَةِ أَنَّهُ جَهَرَ بِالسُّورَةِ، عَنِ الْبَيْهَقِيِّ. وَقَوْلُهُ: (فَنَزَفَهُ الدَّمُ)؛ أَيْ: سَالَ دَمُهُ كُلُّهُ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا رَوَيْنَاهُ، وَالَّذِي عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ نَزَفَ دَمُهُ؛ أَيْ: سَالَ كُلُّهُ، عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَضُبِطَ هَذَا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَالنُّونِ. كَذَا ذَكَرَهُ. وَفِي "الْمُحْكَمِ": أَنْزَفَتْ هِيَ: نُزِحَتْ، يَعْنِي: الْبِئْرَ. وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: نَزَفْتُ الْبِئْرَ وَأَنْزَفَتْ هِيَ. جَاءَ مُخَالِفًا لِلْعَادَةِ. وَقَالَ ابْنُ طَرِيفٍ: تَمِيمٌ تَقُولُ: أَنَزَفَتْ، وَقَيْسٌ: نَزَفَتْ: رَجَعَ، وَنَزَفَهُ الْحَجَّامُ يَنْزِفُهُ وَيَنْزُفُهُ: أَخْرَجَ دَمَهُ كُلَّهُ. وَالنُّزْفُ: الضَّعْفُ الْحَادِثُ عَنْ ذَلِكَ. وَنَزَفَهُ الدَّمُ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: أَنْزَفَهُ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ: أَنَزَفَتِ الْبِئْرُ: ذَهَبَ مَاؤُهَا. وَفِي "الصَّحَاحِ": يَنْزِفُهُ الدَّمُ؛ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ دَمٌ كَثِيرٌ حَتَّى يَضْعُفَ فَهُوَ نَزِيفٌ وَمَنْزُوفٌ. فَائِدَةٌ: غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ كَانَتْ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ سِنِي الْهِجْرَةِ، وَذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ بَعْدَ خَيْبَرَ مُسْتَدِلًّا بِحُضُورِ أَبِي مُوسَى فِيهَا، وَأَنَّهُمْ لَمَّا نَقِبَتْ أَقْدَامُهُمْ لَفُّوا عَلَيْهَا خِرَقًا; فَسُمِّيَتْ ذَاتَ الرِّقَاعِ. وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ). رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنَ الدَّمِ إِلَّا مَا كَانَ سَائِلًا. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ. وَهَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى فِي الدَّمِ السَّائِلِ وُضُوءًا يَغْسِلُ عَنْهُ الدَّمَ ثُمَّ حَسْبُهُ. وَحُكِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَكَذَا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَدِيثُ جَابِرٍ السَّالِفُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّعَافَ وَالدَّمَ لَا يَنْقُضَانِ الْوُضُوءَ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَرَدَّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْحِجَامَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ الْوُضُوءُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَعِنْدَ رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ: لَا وُضُوءَ عَنِ الْحِجَامَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَقَالُوا: لَيْسَ فِي الْحِجَامَةِ إِلَّا غَسْلُ مَوَاضِعِهَا فَقَطْ. وَقَالَ اللَّيْثُ: يُجْزِئُ أَنْ يَمْسَحَهُ وَيُصَلِّيَ وَلَا يَغْسِلَهُ. وَسَائِرُ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، أَنَّهُ لَا وُضُوءَ فِي الدَّمِ وَالْحِجَامَةِ; مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ فِي غَيْرِ الْمَخْرَجَيْنِ، وَكَذَلِكَ أَحَادِيثُ الْبَابِ حُجَّةٌ فِيهِ أَيْضًا. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الدَّمُ يَسِيرًا غَيْرَ خَارِجٍ وَلَا سَائِلَ فَلَا يَنْقُضُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، وَانْفَرَدَ مُجَاهِدٌ بِالْإِيجَابِ مِنْ يَسِيرِ الدَّمِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: (وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ). وَهَذَا الْأَثَرُ أَسْنَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، ثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ بَكْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً فِي وَجْهِهِ، فَخَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ دَمٍ فَحَكَّهُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ أَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِي أَنْفِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ دَمٌ، فَمَسَحَهُ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ مِنَ الدَّمِ فِي الصَّلَاةِ بَأْسًا. وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِهِ، إِلَّا أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ. وَعَنْ جَابِرٍ وَأَبِي سُوَارٍ الْعَدَوِيِّ نَحْوَهُ. وَحَدِيثُ: "الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ" لَهُ طُرُقٌ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ. قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ فِي "تَقْرِيبِ الْمَدَارِكِ": لَا يَصِحُّ فِي الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ إِلَّا وُضُوءَ الْمُسْتَحَاضَةِ. فَائِدَةٌ: الْبَثْرَةُ: خُرَّاجٌ صَغِيرٌ. وَجَمْعُهُ بَثْرٌ. وَفِي "الصَّحَاحِ" بَثُرَ وَجْهُهُ، بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ. قَالَ ابْنُ طَرِيفٍ: وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَهَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى بَزَقَ دَمًا وَهُوَ يُصَلِّي ثُمَّ مَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَعِنْدَ أَبِي مُوسَى بَزَقَ عَلَقَةً، ثُمَّ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ بَزَقَ فَرَأَى فِي بُزَاقِهِ دَمًا، أَنَّهُ لَمْ يَرَ ذَلِكَ شَيْئًا حَتَّى يَكُونَ عَبِيطًا. وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: رُبَّمَا بَزَقَ، فَيَقُولُ لِرَجُلٍ انْظُرْ هَلْ تَغَيَّرَ الرِّيقُ؟ فَإِنْ قَالَ: تَغَيَّرَ، بَزَقَ الثَّانِيَةَ، فَإِنْ كَانَ فِي الثَّالِثَةِ مُتَغَيِّرًا، فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الثَّالِثَةِ مُتَغَيِّرًا لَمْ يَرَ وُضُوءًا، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ وَالْحَارِثِ الْعَلَّكِيُّ: إِذَا غَلَبَتِ الْحُمْرَةُ الْبَيَاضَ تَوَضَّأَ، وَعَكْسُهُ لَا يَتَوَضَّأُ. وَبَزَقَ سَالِمٌ دَمًا أَحْمَرَ ثُمَّ مَضْمَضَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَصَلَّى. وَعَنْ حَمَّادٍ: فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَى وُضُوءٍ فَيَرَى الصُّفْرَةَ فِي الْبُزَاقِ فَقَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ دَمًا سَائِلًا. وَعَنْ سَالِمٍ وَالْقَاسِمِ وَسُئِلَا عَنِ الصُّفْرَةِ فِي الْبُزَاقِ فَقَالَا: دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ. وَعَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ: لَا يَضُرُّهُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ فِيمَنِ احْتَجَمَ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ. وَهَذَانَ رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ فِي "مُصَنَّفِهِ": حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا احْتَجَمَ غَسَلَ أَثَرَ مَحَاجِمِهِ - وَفِي "الْمُحَلَّى": غَسَلَهُ بِحَصَاةٍ فَقَطْ- وَحَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ: يَغْسِلُ أَثَرَ الْمَحَاجِمِ. وَحَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ فِي الرَّجُلِ يَحْتَجِمُ: يَتَوَضَّأُ وَيَغْسِلُ أَثَرَ الْمَحَاجِمِ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَحْتَجِمُ مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: يَغْسِلُ أَثَرَ مَحَاجِمِهِ. وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي "شَرْحِهِ" أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ قَالَ: هَكَذَا رَوَاهُ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ بِإِثْبَاتِ (إِلَّا)، وَرَوَاهُ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ بِغَيْرِ (إِلَّا)، قَالَ: وَالْمَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ أَنَّ عَلِيًّا غَسَلَ مَحَاجِمَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. فَرِوَايَةُ الْمُسْتَمْلِي هِيَ الصَّوَابُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، مَا لَمْ يُحْدِثْ". فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ. يَعْنِي: الضَّرْطَةَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ رِجَالُهُ سَلَفَ التَّعْرِيفُ بِهِمْ. وَفِيهِ: فَضْلُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ، وَأَنَّ مَنْ تَعَاطَى أَسْبَابَ الصَّلَاةِ يُسَمَّى مُصَلِّيًا. وَالْبُخَارِيُّ سَاقَهُ; لِأَجْلِ تَفْسِيرِ أَبَى هُرَيْرَةَ الْحَدَثَ بِالضَّرْطَةِ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: "لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا". وَهَذَا الْحَدِيثُ سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا; لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْحَدَثَ الصَّوْتُ أَوِ الرِّيحُ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ أَيْضًا وَسَلَفَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ: لَا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ. وَأَبُو الْوَلِيدِ: هُوَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الطَّيَالِسِيُّ سَلَفَ. وَعَمُّ عَبَّادٍ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ كَمَا سَلَفَ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "فِيهِ الْوُضُوءُ". وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْمَذْيِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَحُكِيَ الْإِجْمَاعُ فِيهِ أَيْضًا، وَطَرِيقُ شُعْبَةَ هَذِهِ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ خَالِدٍ عَنْهُ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ. ثُمَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: جَرِيرٌ (ع): هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الضَّبِّيُّ الثِّقَةُ ذُو التَّصَانِيفِ، وَقَدْ سَلَفَ. وَمُنْذِرُ بْنُ يَعْلَى كُوفِيٌّ ثِقَةٌ. وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَالْحَنَفِيَّةُ أُمُّهُ كَمَا سَلَفَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ. ثَانِيهَا: (كُنْتُ) هَذِهِ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى بَابِهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ حَالَةٌ مُسْتَدَامَةٌ لَهُ. وَمَعْنَى (مَذَّاءٌ): كَثِيرُ الْمَذْيِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى الْأَفْصَحِ، وَبِالْمَدِّ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ. ثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ) كَذَا هُوَ فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" وَمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٌ لِلْبُخَارِيِّ: فَأَمَرْتُ رَجُلًا. وَفِي النَّسَائِيِّ فَأَمَرْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ. وَفِي "صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ" أَنَّ عَلِيًّا سَأَلَ. فَيَحْتَمِلُ الْمَجَازَ وَيَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ، وَأَنَّ كُلًّا سَأَلَ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ فِي بَابِ: مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، ثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ..) إِلَى آخِرِهِ. مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُسْلِمٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْغَسْلِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةٍ بِهِ. وَفِي آخِرِهِ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى قَوْلِ الدَّارَقُطْنِيِّ: لَمْ يَسْمَعْهُ أَبُو أَيُّوبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. سَيَأْتِي الْكَلَامِ عَلَى طَرِيقِ الْحُسَيْنِ هَذَا، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ طَعَنَ فِيهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثَانِيهَا: سَعْدٌ (خ) هَذَا هُوَ الطَّلْحِيُّ الضَّخْمُ. مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ الْبُخَارِيِّ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَفِي النَّسَائِيِّ: سَعِيدُ بْنُ حَفْصٍ بِزِيَادَةٍ (يَاءٍ)، النُّفَيْلِيُّ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. ثَالِثُهَا: يُمْنِ: بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ، وَهُوَ الْأَفْصَحُ وَبِهِ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَانِيَةٌ: فَتْحُ الْيَاءِ، وَثَالِثَةٌ: ضَمُّهَا مَعَ فَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ. رَابِعُهَا: فِي الْحَدِيثِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ، وَإِنْ كَانَتِ الْوَاوُ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ. خَامِسُهَا: هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ..". وَغَيْرُهُ كَمَا سَتَعْلَمُهُ فِي مَوْضِعِهِ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: ثَنَا النَّضْرُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟". فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: "إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ". تَابَعَهُ وَهْبٌ، ثَنَا شُعْبَةُ. وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ وَيَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ: "الْوُضُوءُ". وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هَذَا الْحَدِيثُ وَالَّذِي قَبْلَهُ وَجْهُ سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ لَهُمَا هُنَا، أَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِمَا حُصُولُ الْمَذْيُ لِمَنْ جَامَعَ وَلَمْ يُمْنِ هُمَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ الْمِقْدَادِ مِنْ وَجْهٍ; إِلَّا أَنَّ جَمَاعَةَ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةَ الْفَتْوَى مُجْمِعُونَ عَلَى الْغُسْلِ مِنْ مُجَاوَزَةِ الْخِتَانِ لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِذَلِكَ، وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا؛ إِذِ الْأَغْلَبُ فِي ذَلِكَ سَبْقُ الْمَاءِ لِلْمُولِجِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ، لِمَغِيبِ الْعُضْوِ إِذْ ذَلِكَ بَدْءًا لِلَّذَّةِ وَأَوَّلِ الْعُسَيْلَةِ فَلَزِمَ الْغُسْلُ مِنْ مَغِيبِهَا إِلَّا مَنْ شَذَّ كَمَا سَتَعْلَمُهُ. ثَانِيهَا: هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا فِي الطَّهَارَةِ مِنْ حَدِيثِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَهُوَ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، رَوَاهُ عَنْهُ وَلَدُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو صَالِحٍ، وَاشْتَهَرَ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، رَوَاهُ عَنْهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَغَيْرُهُ. ثَالِثُهَا: إِسْحَاقُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ مَشْهُورٌ، فَرَوَاهُ لَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي "الْمُسْتَخْرَجِ" مِنْ طَرِيقِهِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَنَا النَّضْرُ. وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ النَّضْرِ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: أَخْرَجَهُ -يَعْنِي: الْبُخَارِيَّ- عَنْ إِسْحَاقَ الْكَوْسَجِ، عَنِ النَّضْرِ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْحَاقَيْنِ رَوَيَاهُ عَنِ النَّضِرِ، وَأَنَّ إِسْحَاقَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ الْكَوْسَجُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَنَّهُ الَّذِي رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْجَيَّانِيُّ أَنَّ فِي نُسْخَةِ الْأُصَيْلِيِّ فِي هَذَا السَّنَدِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنَا النَّضْرُ، فَذَكَرَهُ. وَذَكَرَ الْكُلَابَاذِيُّ أَنَّ النَّضْرَ رَوَى عَنْهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. رَابِعُهَا: هَذَا الرَّجُلُ مِنَ الْأَنْصَارِ هُوَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ السَّالِمِيُّ الْبَدْرِيُّ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. وَأَغْرَبَ ابْنُ بَشْكُوَالَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ صَالِحٌ الْأَنْصَارِيُّ السَّالِمِيُّ، وَسَاقَهُ أَبُو نُعَيْمٍ بِإِسْنَادِهِ، وَحَكَى قَوْلًا آخَرَ: أَنَّهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ. وَقِيلَ: هُوَ ابْنُ عِتْبَانَ، وَهُوَ غَلَطٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ. وَالصَّوَابُ عِتْبَانُ، كَمَا سَلَفَ. خَامِسُهَا: "أُعْجِلْتَ -بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ- أَوْ قُحِطْتَ" كَذَا رَأَيْنَاهُ فِي الْبُخَارِيِّ بِالْأَلِفِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِحَذْفِهَا، ثُمَّ قَالَ: كَذَا وَقَعَ فِي الْأُمَّهَاتِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ "الْأَفْعَالِ" أَنَّهُ يُقَالُ: أَقْحَطَ الرَّجُلُ: إِذَا أَكْسَلَ فِي الْجِمَاعِ عَنِ الْإِنْزَالِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَحَطَ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ: قَحَطْتَ، بِفَتْحِ الْقَافِ، وَقَالَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ النَّحْوِيُّ: الصَّوَابُ ضَمُّ الْقَافِ، وَفِي مُسْلِمٍ: أَقْحَطْتَ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ، وَعِنْدَ ابْنِ بَشَّارٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ كَـ"أُعْجِلْتَ". وَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ، وَمَعْنَى الْإِقْحَاطِ هُنَا: عَدَمُ إِنْزَالِ الْمَنِيِّ، وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ مِنْ قُحُوطِ الْمَطَرِ وَهُوَ: انْحِبَاسُهُ، وَقُحُوطِ الْأَرْضِ: وَهُوَ عَدَمُ إِخْرَاجِهَا النَّبَاتَ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ قَحِطَ الْمَطَرُ بِالْكَسْرِ. وَأَصْلُهُ بِالْفَتْحِ، وَفِي "الْمُحْكَمِ" الْفَتْحُ أَعْلَى، وَقَحِطَ النَّاسُ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرُ، وَأُقْحِطُوا، وَكَرِهَهَا بَعْضُهُمْ وَلَا يُقَالُ: قُحِطُوا وَلَا أُقْحِطُوا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَحِطَ الْقَوْمُ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: قِحِطَ النَّاسُ بِالْكَسْرِ. وَفِي "أَمَالِيِّ الْهَجَرِيِّ": أَقْحَطَ النَّاسُ. سَادِسُهَا: قَوْلُهُ: "فَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ" هُوَ مَنْسُوخٌ كَمَا سَلَفَ، وَلَمْ يَقُلْ بِعَدَمِ نَسْخِهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَالْأَعْمَشِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَدَاوُدَ، وَادَّعَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَنْ قَالَ بِهِ بَعْدَ خِلَافِ الصَّحَابَةِ إِلَّا الْأَعْمَشُ ثُمَّ دَاوُدُ.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية