الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 899 941 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُمُعَةَ ثُمَّ تَكُونُ الْقَائِلَةُ. [انْظُرْ: 938 - مُسْلِمٍ: 859 - فَتْحَ: 2 \ 428] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ عَنْ أَنَسٍ: كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ. وَعَنْ سَهْلٍ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُمُعَةَ ثُمَّ تَكُونُ الْقَائِلَةُ. الشَّرْحُ: بَعْدَ أَنْ (أُقَرِّرَ) أَنِّي لَمْ أَعْرِفِ اسْمَ هَذِهِ مَعَ شِدَّةِ الْبَحْثِ عَنْهَا. الْأَرْبِعَاءُ: جَمْعُ رَبِيعٍ، وَهِيَ السَّاقِيَةُ الصَّغِيرَةُ تَجْرِي إِلَى النَّخْلِ، حِجَازِيَّةٌ. ذَكَرَهُ ابْنُ سِيدَهْ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: هِيَ السَّاقِيَةُ. وَقِيلَ: النَّهَرُ الصَّغِيرُ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: هُوَ حَافَاتُ الْأَحْوَاضِ وَمَجَارِي الْمِيَاهِ. وَقَالَ "صَاحِبُ الْعَيْنِ": هِيَ: الْجَدَاوِلُ، وَاحِدُهَا: رَبِيعٌ. وَالْعَرْقُ: عَظْمٌ عَلَيْهِ لَحْمٌ، وَالْجَمْعُ: عُرَاقٌ، وَتَحْقِلُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْحَقْلِ، وَهُوَ الزَّرْعُ الْمُتَشَعِّبُ الْوَرَقِ. كَذَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَتَبِعَهُ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: تَحْقِلُ أَيْ: تَغْرِسُ. وَقِيلَ: تَزْرَعُ. قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ تَجْعَلُ بِالْعَيْنِ وَالْجِيمِ. قُلْتُ: وَهُوَ مَا كَتَبَهُ الدِّمْيَاطِيُّ بِخَطِّهِ. وَفِي سَنَدِ الْأَوَّلِ أَبُو غَسَّانَ الْمَسْمَعِيُّ، وَهُوَ: مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ اللَّيْثِيُّ، وَأَبُو حَازِمٍ وَاسْمُهُ: سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ الْقَاصُّ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ. وَفِي الثَّانِي: ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ الْمَدَنِيُّ، مَاتَ فَجْأَةً فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، وَقِيلَ: أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، وَبِيعَتْ دَارُهُ فَوُجِدَ فِيهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ. قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ بِطَلَبِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مَالِكٍ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَيُقَالُ: إِنَّ كُتُبَ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ وَقَعَتْ لَهُ وَلَمْ يَسْمَعْهَا. إِذَا عَرَفَتْ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الْجُمُعَةِ: 10] الْإِبَاحَةُ بَعْدَ حَظْرٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَقِيلَ: هُوَ أَمْرٌ عَلَى بَابِهِ. وَعَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ إِبَاحَةٌ لِمَنْ كَانَ لَهُ كَفَافٌ أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ وَفَرْضٌ عَلَى عَكْسِهِ. وَأَلْحَقَ غَيْرُهُ مَنْ يُعْطَفُ عَلَيْهِ بِسُؤَالٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ كَسْبٌ. قُلْتُ: وَنَظِيرُ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [الْمَائِدَةِ: 2] فَكَاتِبُوهُمْ -عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ- فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ لُحُومَ الضَّحَايَا فَأَعْلَمَ بِالْإِبَاحَةِ، وَمِنْهُ: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا [الْأَنْعَامِ: 142] وَمِنْهُ قَوْلُهُ: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ [الْبَقَرَةِ: 222]. وَقَوْلُهُ: (كُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا) يَحْتَمِلُ التَّبَرُّكَ بِهِ وَالْحَاجَةَ إِلَيْهِ. وَفِيهِ: اصْطِنَاعُ الْمَعْرُوفِ، وَمُوَاسَاةُ الْأَنْصَارِ، وَإِمْسَاكُ الرِّبَاعِ; لِيَصُونُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ، وَعَدَمُ الِاحْتِقَارِ لِشَيْءٍ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَإِنْ قَلَّ، وَفَضْلُ الْكَفَافِ، وَفَرَحُ الْمَرْءِ بِمَا يَأْتِيهِ مِنَ الْفَضْلِ، وَالتَّهْجِيرُ بِالْجُمُعَةِ، وَزِيَارَةُ الصَّالِحِينَ و(...) وَالصَّالِحَةُ. وَقَوْلُهُ: (فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عُرَاقَهُ) ضَبَطَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ. قِيلَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهَا جَعَلَتْهُ مَكَانَ الْعَرَقِ، وَهُوَ اللَّحْمُ. وَقَوْلُهُ: (مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ) فَقَدْ سَلَفَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي بَابِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ. أَيْ: لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْغُسْلِ وَالتَّبْكِيرِ. وَفِيهِ: نَوْمُ الْقَائِلَةِ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ [النُّورِ: 58] أَيْ: مِنَ الْقَائِلَةِ. ثُمَّ مُوَافَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرٌ; فَإِنَّ انْصِرَافَهُمْ كَانَ لِابْتِغَاءِ الْغَدَاءِ، وَالْقَائِلَةُ عِوَضُ مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي وَقْتِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَدٌّ عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَأَحْمَدَ أَنَّ الْجُمُعَةَ تُصَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ: وَمَا كُنَّا نَقِيلُ إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ. وَلَا يُسَمَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَقْتَ الْغَدَاءِ، فَبَانَ أَنَّ قَائِلَتَهُمْ وَغَدَائَهُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، إِنَّمَا كَانَ عِوَضًا عَمَّا فَاتَهُمْ فِي وَقْتِهِ مِنْ أَجْلِ بُكُورِهِمْ، وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ أَسْلَفْنَا ذَلِكَ. وَوَجْهُ ذِكْرِ الْبُخَارِيِّ الْحَدِيثَ فِي بَابِ الْغَرْسِ مِنْ كِتَابِ الْمُزَارِعَةِ؛ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى عَمَلِ الصَّحَابَةِ رِجَالًا وَنِسَاءً بِأَنْفُسِهِمْ، وَذَلِكَ شِعَارُ الصَّالِحِينَ مِنْ غَيْرِ عَارٍ وَلَا نَقِيصَةٍ عَلَى أَهْلِ الْبَصِيرَةِ. وَاعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي قَوْلِهِ: (فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا) الْمَعْرُوفُ أَنَّ السِّلْقَ يُزْرَعُ وَلَا يُغْرَسُ، وَلَوِ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ كَانَ وَاضِحًا إِذْ فِيهِ: كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَزْرَعُ السِّلْقَ، وَفِي لَفْظٍ: تُرْسِلُ إِلَيَّ بِضَاعَةَ. قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: "نَخْلٍ بِالْمَدِينَةِ" فَتَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السِّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي الْقِدْرِ، وَتُكَرْكِرُ عَلَيْهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية