الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 6795 7221 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لِوَفْدِ بُزَاخَةَ : تَتْبَعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ . [فَتْحَ: 13 \ 206 ] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ : وَارَأْسَاهْ . فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : "لَوْ كَانَ ذَاكِ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ . . " الْحَدِيثُ . فَقَالَ : "بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهْ لَقَدْ هَمَمْتُ -أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ فَأَعْهَدَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ " . وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ، قِيلَ لِعُمَرَ : أَلَا تَسْتَخْلِفُ ؟ الْحَدِيثُ . وَحَدِيثَ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ : اصْعَدِ الْمِنْبَرَ . فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ عَامَّةً . وَحَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ ؟ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ . قَالَ : "إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ " . وَحَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -أَنَّهُ قَالَ لِوَفْدِ بُزَاخَةَ : تَتْبَعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ . الشَّرْحُ : فِيهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ -كَمَا قَالَ الْمُهَلَّبُ - عَلَى خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ [وَهُوَ قَوْلُهُ ] "وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ " . يَعْنِي : فَأَعْهَدَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، "ثُمَّ قُلْتُ : يَأْبَى اللَّهُ " غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ ، "وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ " غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ بِحَضْرَتِهِ ، وَشَكَّ الْمُحَدِّثِ بِأَيِّ اللَّفْظَيْنِ بَدَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَلَمْ يَشُكَّ فِي صِحَّةِ الْمَعْنَى ، وَهَذَا مِمَّا وَعَدَ بِهِ فَكَانَ كَمَا وَعَدَ ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ . وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : "يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ " . فَإِنْ قُلْتَ : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَدًا ، فَمَا مَعْنَى مَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِيَدِهِ عَسِيبٌ وَهُوَ يُجْلِسُ النَّاسَ ، وَيَقُولُ : اسْمَعُوا لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهَذَا خِلَافٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ خِلَافٌ لِلْآخَرِ ، وَمَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ : إِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . يَعْنِي : تَرَكَ التَّصْرِيحَ وَالْإِعْلَانَ بِتَعْيِينِ شَخْصٍ مَا وَعَقْدِ الْأَمْرِ لَهُ ، وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ : اسْمَعُوا لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ . فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ أَبَا بَكْرٍ بِالْأَدِلَّةِ الَّتِي نَصَبَهَا لِأُمَّتِهِ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى اسْتِخْلَافِهِ ، وَلِمَا كَانَ قَدْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ غَيْرَهُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : "يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ " . وَمِنْ أَبَيْنِ الدَّلِيلِ فِي اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ قَوْلُ الْمَرْأَةِ : إِنْ لَمْ أَجِدْكَ إِلَى مَنْ أَلْجَأُ بِالْحُكْمِ ؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : "ائْتِ أَبَا بَكْرٍ " . وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَشَرِ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ ، فَرَأَى أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ أَضْبَطُ لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ لَمْ يُوقِفِ الْأَمْرَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ؛ لَكِنْ جَعَلَهُ لِمُعَيَّنِينَ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ إِلَى سِوَاهُمْ ، فَكَانَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِخْلَافِ وَالْعَقْدِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَتَوَسَّطَ حَالَهُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ بَعْدَهُ ، كَمَا خُشِيَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقْتَ قَوْلِ الْأَنْصَارِ مَا قَالُوا ، فَلِذَلِكَ جَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْأَمْرَ مَعْقُودًا مَوْقُوفًا عَلَى السِّتَّةِ ؛ لِئَلَّا يَتْرُكَ الِاقْتِدَاءَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَرْكِ الْأَمْرِ إِلَى شُورَى مَعَ مَا قَامَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى فَضْلِ الصِّدِّيقِ فَأَخَذَ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ طَرَفًا آخَرَ وَهُوَ الْعَقْدُ لِأَحَدِ السِّتَّةِ لِيَجْمَعَ لِنَفْسِهِ فَضْلَ السُّنَّتَيْنِ وَلَمْ يَتْرُكِ التَّرْكَ الْكُلِّيَّ ، وَلَمْ يُعَيِّنِ التَّعْيِينَ الْكُلِّيَّ ، وَجَعَلَهَا شُورَى بَيْنَ مَنْ شُهِدَ لَهُ بِالْجَنَّةِ ، وَأَبْقَى النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي تَعْيِينِ مَنِ اتَّفَقَ أَمْرُهُمْ عَلَيْهِ مِمَّنْ جَعَلَ الشُّورَى فِيهِمْ . وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ أَثْنَوْا عَلَيْهِ : (رَاغِبٌ وَاهِبٌ وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهَا كَفَافًا ) فَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : رَاغِبٌ بِثَنَائِهِ فِي حُسْنِ رَأْيٍ وَتَقَرَّرَ لَهُ ، وَرَاهِبٍ مِنْ إِظْهَارٍ مَا بِنَفْسِهِ مِنْ كَرَاهِيَةٍ ، وَثَانِيَتُهُمَا : رَاغِبٌ يَعْنِي : أَنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الْأَمْرِ رَاغِبٌ فِيهِ -يَعْنِي فِي الْخِلَافَةِ ، وَرَاهِبٌ مِنْهَا ، فَإِنْ وَلَّيْتُ الرَّاغِبَ فِيهَا خَشِيتُ أَنْ لَا يُعَانَ عَلَيْهَا لِلْحَدِيثِ ، وَإِنْ وَلَّيْتُ الرَّاهِبَ مِنْهَا خَشِيتُ أَنْ لَا يَقُومَ بِهَا ، وَهَذَا مِنْ حَقِيقَةِ الْإِشْفَاقِ ، وَفِي هَذَا كُلِّهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ عَقْدِ الْخِلَافَةِ مِنَ الْإِمَامِ لِغَيْرِهِ بَعْدَهُ ، فَإِنَّ أَمْرَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ جَائِزٌ . فَإِنْ قُلْتَ : لِمَ جَازَ لِلْإِمَامِ تَوْلِيَةُ الْعَهْدِ ، وَالْإِمَامُ إِنَّمَا يَمْلِكُ النَّظَرَ فِي الْمُسْلِمِينَ حَيَاتَهُ وَيَزُولُ عَنْهُ بِوَفَاتِهِ ، وَتَوْلِيَةُ الْعَهْدِ اسْتِخْلَافٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي وَقْتِ زَوَالِ أَمْرِهِ وَارْتِفَاعِ نَظَرِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ الْوَقْتَ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ (تَوْلِيَتُهُ ) أَوْ تَنْفُذُ فِيهِ وَصِيَّتُهُ ؟ فَالْجَوَابُ : إِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأُمُورٍ مِنْهَا إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى اسْتِخْلَافِ الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ عَلَى الْأُمَّةِ بَعْدَهُ ، وَأَمْضَتِ الْأُمَّةُ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى أَنْفُسِهَا ، وَجَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْأَمْرَ بَعْدَهُ فِي سِتَّةٍ فَأَلْزَمَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِ ، وَعُمِلَ فِيهِ عَلَى رَأْيِهِ وَعَقْدِهِ ، أَلَا تَرَى رِضَا عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالدُّخُولِ فِي الشُّورَى مَعَ الْخَمْسَةِ وَجَوَابَهُ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ عَاتَبَهُ عَلَى ذَلِكَ ، بِأَنْ قَالَ : كَانَ الشُّورَى أَمْرًا عَظِيمًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَمْ أَرَ أَنْ أُخْرِجَ نَفْسِيَ مِنْهُ . وَلَمَا جَازَ لَهُمُ الدُّخُولُ مَعَهُ فِيهِ . وَمِنْهَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِنَّمَا يُقِيمُونَ الْإِمَامَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ؛ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ وَضَرُورَتِهِمْ إِلَى إِقَامَتِهِ ؛ لِيَكْفِيَهُمْ مُؤْنَةَ النَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمْ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَعَ رَأْيِهِ وَأَمْرِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِهِمْ رَأْيٌ وَلَا نَظَرٌ فَكَذَلِكَ إِقَامَةُ الْإِمَامِ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَافَّتِهِمْ ، فَكَانَ رَأْيُهُ فِي ذَلِكَ مَاضِيًا عَلَيْهِمْ ، وَجَرَى مَجْرَى الْأَبِ فِي تَوْلِيَتِهِمْ عَلَى ابْنَهِ الصَّغِيرِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَإِنَّهُ عِنْدَ عُدْمِ الْأَبِ . فَصْلٌ : وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي خُطْبَتِهِ : (كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى يَدْبُرَنَا ) . يَعْنِي : حَتَّى يَكُونَ آخِرَنَا ، فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ يَوْمَ وَفَاتِهِ حِينَ قَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَمُتْ ، وَإِنَّهُ سَيَرْجِعُ وَيَقْطَعُ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ حَتَّى قَامَ الصِّدِّيقُ فَخَطَبَ . . الْحَدِيثُ ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا حَمَلَنِي عَلَى مَقَالَتِي حِينَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ تَعَالَى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [الْبَقَرَةُ : 143 ] الْآيَةُ ، فَوَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيَبْقَى فِي أُمَّتِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهَا بِآخِرِ أَعْمَالِهَا . وَكَانَ فِي هَذَا الرَّزِيَّةُ الشَّنِيعَةُ وَالْمُصِيبَةُ النَّازِلَةُ مِنَ الْأُمَّةِ مِنْ مَوْتِ نَبِيِّهَا مِنْ ثَبَاتِ نَفْسِ الصِّدِّيقِ وَوُفُورِ عَقْلِهِ وَمَكَانَتِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ مَا لَا مَطْمَعَ فِيهِ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ : بَايَعُوا الصِّدِّيقَ يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهُوا بَقَاءَ بَعْضِ يَوْمٍ وَلَيْسُوا [فِي جَمَاعَةٍ ] . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّاسَ بَكَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تَوَفَّاهُ اللَّهُ وَقَالُوا : وَدِدْنَا أَنَّا مِتْنَا قَبْلَهُ ، إِنَّا نَخْشَى أَنْ نُفْتَنَ بَعْدَهُ ، وَقَالَ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الْعَجْلَانِيُّ : وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنِّي مِتُّ قَبْلَهُ حَتَّى أُصَدِّقَهُ مَيِّتًا كَمَا صَدَّقْتُهُ حَيًّا . فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - . فَائِدَةٌ : مَعْنَى (يَدْبُرَنَا ) قَالَ الْخَلِيلُ : دَبَرْتُ الشَّيْءَ دَبَرًا تَبِعْتُهُ ، وَعَلَى هَذَا قَرَأَ مَنْ قَرَأَ : (وَاللَّيْلِ إِذَا دَبَرَ ) يَعْنِي : إِذَا تَبِعَ النَّهَارَ ، وَدَبَرَنِي فُلَانٌ : خَلَّفَنِي فَصْلٌ : قَوْلُهُ : (بُزَاخَةَ ) . بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ زَايٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ هَاءٍ : مَوْضِعٌ كَانَتْ فِيهِ وَقْعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ ، وَوَفْدُ بُزَاخَةَ ارْتَدُّوا ثُمَّ تَابُوا ، فَأَوْفَدُوا رُسُلَهُمْ لِلصِّدِّيقِ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ ، فَأَحَبَّ الصِّدِّيقُ أَنْ لَا يَقْضِيَ فِيهِمْ إِلَّا بَعْدَ الْمُشَاوَرَةِ فِي أَمْرِهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ : ارْجِعُوا وَاتَّبِعُوا أَذْنَابَ الْإِبِلِ فِي الصَّحَارِي حَتَّى يُرِي الْمُهَاجِرُونَ وَخَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ مَا يُرِيهِمُ اللَّهُ فِي مُشَاوَرَتِهِمْ أَمْرًا يَعْذُرُونَكُمْ فِيهِ . وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ : قَدِمَ وَفْدُ أَهْلِ بُزَاخَةَ وَهُمْ مِنْ طَيْءٍ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : اخْتَارُوا إِمَّا الْحَرْبَ الْمُجْلِيَةَ وَإِمَّا السِّلْمَ الْمُخْزِيَةَ . فَقَالُوا : قَدْ عَرَفْنَا الْحَرْبَ ، فَمَا السِّلْمُ الْمُخْزِيَةُ ؟ قَالَ : يُنْزَعُ مِنْكُمُ الْكُرَاعُ وَالْحَلْقَةُ وَتُودُونَ قَتْلَانَا ، وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ ، وَنَغْنَمُ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ تَرُدُّونَ إِلَيْنَا مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا ، وَتَتْرُكُونَ أَقْوَامًا تَتْبَعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذُرُونَكُمْ بِهِ ، فَخَطَبَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ وَقَالُوا . فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : قَدْ رَأَيْتُ ، وَسَنُشِيرُ عَلَيْكَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنْ تَنْزِعَ مِنْهُمُ الْكُرَاعَ وَالْحَلْقَةَ فَنَعِمَ مَا رَأَيْتَ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنْ يُودُوا قَتْلَانَا وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ ، فَإِنَّ قَتْلَانَا قُتِلَتْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ [فَلَيْسَ ] لَهَا دِيَاتٌ ، فَتَابَعَ النَّاسُ عَلَى (قِيلِ ) عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . فَصْلٌ : قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : "ذَلِكَ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ . . " . إِلَى آخِرِهِ كَأَنَّهَا فَهِمَتْ مِنْ قَوْلِهِ تَمَنَّى الْمَوْتَ لَهَا ، وَقَوْلُهَا : مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِهِ : أَخَذَتْهَا الْغَيْرَةُ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ قُرْبَهُ . وَقَوْلُهُ : "أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ " . يُرِيدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ تَتَمَنَّوْا غَيْرَ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ . وَقَوْلُهُ : (لَا يَحْمِلُهَا حَيًّا وَلَا مَيِّتًا ) . أَيْ : لَا أَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ أَتَحَمَّلَهَا حَيًّا وَأَغْتَرَّ فَأَتَحَمَّلَهَا مَيِّتًا . فَصْلٌ : وَمُبَادَرَةُ الْفَارُوقِ صَبِيحَةَ الْيَوْمِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَقْدِيمِ الصِّدِّيقِ ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ الْأُمُورِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ يَحْسُنُ حَالُ الْمُسْلِمِينَ وَيَرْتَفِعُ الْحَرَجُ بَيْنَهُمْ . وَقَوْلُهُ : (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُورًا ) . يَعْنِي : الْقُرْآنَ . وَقَوْلُهُ : (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَانِيَ اثْنَيْنِ ) . ذَكَرَ هَذِهِ الْأُولَى ؛ لِانْفِرَادِهِ بِهَا ، وَهِيَ أَعْظَمُ فَضَائِلِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَا الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ ، وَغَيْرُهُ اشْتَرَكَ مَعَهُ فِي مُسَمَّى الصُّحْبَةِ مَعَ مَا لَهُ مِنَ الْفَضَائِلِ الْجَمَّةِ . وَقَوْلُهُ : (وَإِنَّهُ أَوْلَى الْمُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ ) . هَذَا مِنْهُ رِضًى بِتَقْدِيمِهِ وَمُبَايَعَتِهِ . وَقَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ : (اصْعَدِ الْمِنْبَرَ ) وَإِلْحَاحُهُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدَهُ مَنْ عَرَفَهُ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ . فَصْلٌ : قَوْلُهُ : "إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ " هَذِهِ مِنْهُ إِشَارَةٌ لِخِلَافَتِهِ بَعْدَهُ ، وَقَوْلُهُ لِوَفْدِ بُزَاخَةَ مَا قَالَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ بَعْدَهُ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ ، فَأَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ بِهِ ، وَتَقْدِيمُهُ لِلصَّلَاةِ أَيْضًا إِشَارَةٌ لِلْخِلَافَةِ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ رَضِيَهُ لِلدِّينِ رَضِيَ بِهِ لِلدُّنْيَا .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية