الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 6349 6730 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَيْسَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟". [انْظُرْ: 4034 - مُسْلِمٍ: 1758 - فَتْحُ: 12 \ 7] التوضيح سَاقَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مَرْفُوعًا كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقَيْنِ. وَحَدِيثَ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ فِيهِ مُطَوَّلًا وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَقَدْ سَلَفَ فِي الْخُمُسِ بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَأَوَّلَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (مِنْهَا؟ قُلْتُ) : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ (أَوْ أَكْلًا) بِحَقِّ الْعَمَلِ. قَالَ ابْنُ (جَرِيرٍ) : وَعَمِلَ الصِّدِّيقُ وَالْفَارُوقُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْخَبَرِ فِيمَا كَانَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي فَدَكَ وَخَيْبَرَ وَغَيْرِهِمَا، فَفَعَلَا مَا كَانَ يَفْعَلُهُ فِي حَيَاتِهِ، وَذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لِلْغُنْمِ بَعْدَهُ يَصْرِفُهُ فِيمَا يَرَاهُ، وَلِذَلِكَ أَقْطَعَهُ مَرْوَانَ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : وَلَا طَعْنَ عَلَيْهِ فِيهِ لِاعْتِقَادِهِ السَّالِفِ. وَقَوْلُهُ: ("لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا (وَلَا دِرْهَمًا) ") إِلَى آخِرِهِ، نَهَاهُمْ عَنْهُ عَلَى غَيْرِ قَطْعٍ بِأَنَّهُ لَا يُخَلِّفُ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَنَهَاهُمْ عَنْ قِسْمَتِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: "لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي" عَلَى الْخَبَرِ وَتَكُونُ الرِّوَايَةُ فِيهِ بِرَفْعِ الْمِيمِ عَلَى مَعْنَى: لَيْسَ يَقْتَسِمُ. قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَكَذَلِكَ قَرَأَ بِهِ هُنَا وَقُرِئَ كَذَلِكَ أَيْضًا فِي "الْمُوَطَّأِ". وَقَوْلُهُ: ("وَنَفَقَةِ نِسَائِي") (تَنْبِيهٌ) أَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى غَيْرِهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ. وَفِي قَوْلِهِ: " (لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي") دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْوَقْفِ ، وَأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَفَاةِ كَالْحَيَاةِ، وَلَا يُبَاعُ وَلَا يُمَلَّكُ، كَمَا حَكَمَ الشَّارِعُ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يُورَثُ وَلَكِنْ يَصْرَفُ لِمَا ذَكَرَهُ، وَالْبَاقِي لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَبَيَّنَ فَسَادُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إِبْطَالِهِ. وَقَدْ أَسْلَفْنَا هُنَاكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: "لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ" هُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ: "إِنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لَا يَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ" وَوَجْهُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى عِبَادِهِ وَوَعَدَهُ -عَلَى التَّبْلِيغِ لِدِينِهِ وَالصَّدْعِ بِأَمْرِهِ- الْجَنَّةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا وَلَا شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [ص: 86] وَكَذَلِكَ سَائِرُ الرُّسُلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ كُلُّهُمْ يَقُولُ: لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا وَلَا أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ الْجَنَّةُ، أَرَادَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ لَا يُنْسَبَ إِلَيْهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا شَيْءٌ يَكُونُ عِنْدَ النَّاسِ فِي مَعْنَى الْأَجْرِ وَالثَّمَنِ، فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا; لِأَنَّ مَا وَصَلَ إِلَى الْمَرْءِ وَأَهْلِهِ فَهُوَ وَاصِلٌ إِلَيْهِ، فَلِذَلِكَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- حَرَّمَ الْمِيرَاثَ عَلَى أَهْلِهِ; لِئَلَّا يُظَنَّ بِهِ أَنَّهُ جَمَعَ الْمَالَ لِوَرَثَتِهِ، كَمَا حَرَمَهُمُ الصَّدَقَاتِ الْجَارِيَةَ عَلَى يَدَيْهِ فِي الدُّنْيَا؛ لِئَلَّا يُنْسَبَ إِلَى مَا تَبَرَّأَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَفِي هَذَا وُجُوبُ قَطْعِ الذَّرَائِعِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ" فَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ [النَّمْلِ: 16] لِأَنَّ الْمُرَادَ إِرْثُ النُّبُوَّةِ وَالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [مَرْيَمَ: 6] الْمُرَادُ: النُّبُوَّةُ وَالْعِلْمُ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا صَارَ إِلَى وَلَدِهِ لَحِقَهُ مِنَ الْفَضْلِ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْحَقُهُ إِذَا صَارَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِ وَلَدِهِ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُرْفَعُ بِدُعَاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ" فَرَغِبَ زَكَرِيَّا أَنْ يَرِثَ عِلْمَهُ وَلَدُهُ الَّذِي يَخْرُجُ مَنْ صُلْبِهِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ [مَرْيَمَ: 5] وَهُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَصَبَةُ أَنْ يَصِيرَ إِلَيْهِمُ الْعِلْمُ وَالْحِكْمَةُ مِنْ بَعْدِي، وَيَصِيرُ ذَلِكَ إِلَى وَلَدِي أَحَبُّ إِلَيَّ فَأَضْمَرَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَوِيُّ : الْخَوْفُ لَا يَكُونُ مِنَ الْأَعْيَانِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِمَا يَئُولُ بِهَا، فَإِذَا قِيلَ: خِفْتُ اللَّهَ وَخِفْتُ النَّاسَ، فَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ: خِفْتُ عِقَابَ اللَّهِ وَمُؤَاخَذَةَ وَمَلَامَةَ النَّاسِ، فَلِذَلِكَ قَوْلُهُ: خِفْتُ الْمَوَالِيَ : إِنِّي خِفْتُ بَنِي عَمِّي، فَحَذَفَ الْمُضَافَ، وَالْمَعْنَى: خِفْتُ تَضْيِيعَهُمُ الدِّينَ وَكَيْدَهُمْ إِيَّاهُ، فَسَأَلَ رَبَّهُ تَعَالَى، وَلِيُؤْثِرَ نُبُوَّتَهُ وَعِلْمَهُ لِئَلَّا يَضِيعَ الدِّينُ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ يَرِثُنِي : أَيْ: نُبُوَّتِي. وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ.." إِلَى آخِرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَرِثَ وَلَدُهُ النُّبُوَّةُ لَا الْمَالُ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ: أَخَافُ أَنْ يَرِثَنِي بَنُو عَمِّي وَعَصَبَتِي مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ مَالِي، وَكَانَ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شَاهَدُوهُ مِنْ تَبْدِيلِ الدِّينِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية