الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 576 601 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ". فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ" يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ. [انْظُرْ: 116 - مُسْلِمٍ: 2537 - فَتْحَ: 2 \ 73] التوضيح ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ: قَالَ: انْتَظَرْنَا الْحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: نَظَرْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: "أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ". ثَانِيهِمَا: حَدِيثُ ابْنَ عُمَرَ: صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ (قَامَ) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ". فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي آخِرِهِ: يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ. أَمَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ قُرَّةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَالْبُخَارِيُّ أَبْدَلَ قَتَادَةَ بِالْحَسَنِ، وَسَلَفَ فِي الْعِشَاءِ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ. وَمَعْنَى (رَاثَ): أَبْطَأَ وَتَأَخَّرَ، وَهُوَ بِغَيْرِ هَمْزٍ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَرُوِّينَاهُ بِالْهَمْزِ، وَلَا أَعْلَمُهُ بِهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَمَعْنَى (نَظَرْنَا): انْتَظَرْنَا. وَقَوْلُهُ: (كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ). قِيلَ: إِنَّ (كَانَ) هُنَا زَائِدَةٌ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: التَّقْدِيرُ: حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ كَادَ يَبْلُغُهُ، وَالْعَرَبُ قَدْ تَحْذِفُ كَادَ كَثِيرًا مِنْ كَلَامِهَا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ فِي أَظْلَمَتِ الشَّمْسُ: كَادَتْ تُظْلِمُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ [الْأَحْزَابِ: 10] أَيْ: كَادَتْ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ تَبْلُغُ الْحُلُوقَ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي: فَسَلَفَ فِي بَابِ ذِكْرِ الْعِشَاءِ، وَالْعِلْمِ أَيْضًا. وَفِي سِيَاقَتِهِ فِي هَذَا الْبَابِ مُتَابَعَةُ شُعَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَتَصْرِيحُ سَمَاعِ الزُّهْرِيِّ مِنْ سَالِمٍ. (وَهَلَ) - بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا - أَيْ: ذَهَبَتْ أَوْهَامُهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَمَعْنَى (يَنْخَرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنُ): يَنْقَطِعُ وَيَنْقَضِي. وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَى أَنَّ السَّمَرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بَعْدَ الْعِشَاءِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي، أَلَا تَرَى اسْتِدْلَالَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ حِينَ سَمَرَ عِنْدَ جِيرَانِهِ لِمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ بِسَمَرِ الشَّارِعِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ فِي شُغْلِهِ بِتَجْهِيزِ الْجَيْشِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا سَلَفَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ مُؤَنِّسًا لَهُمْ وَمُرَغِّبًا وَمُعْلِمًا وَمُعَلِّمًا. وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (بَعْدَ الْعِشَاءِ). أَيْ: بَعْدَ فِعْلِهَا؛ لِأَنَّ الْمُوَافَقَةَ كَانَتْ كَذَلِكَ فِي الْحَدِيثَيْنِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ مُحَسَّنًا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمُرُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْأَمْرِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَا مَعَهُ، وَصَلَّى عَلَى الْعَتَمَةِ. فَاسْتُفْتِيَ حَتَّى أُذِّنَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَالَ: "قُومُوا فَأَوْتِرُوا، فَإِنَّا لَمْ نُوتِرْ" وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ وَالْقَاسِمُ وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَعْدَ الْعِشَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُكْرَهُ السَّمَرُ بَعْدَ الْعِشَاءِ إِلَّا لِمُصَلٍّ أَوْ مُسَافِرٍ أَوْ دَارِسِ عِلْمٍ.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية