الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
اختيار هذا الخط
الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
121 62 - حدثنا nindex.php?page=showalam&ids=15698حجاج ، قال : حدثنا nindex.php?page=showalam&ids=16102شعبة ، قال : أخبرني علي بن مدرك ، عن أبي زرعة ، عن nindex.php?page=showalam&ids=15628جرير nindex.php?page=hadith&LINKID=650118أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له في حجة الوداع : استنصت الناس ، فقال : nindex.php?page=treesubj&link=32112_29393_30544_30913_30208لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض .
الأول : nindex.php?page=showalam&ids=15698حجاج بن منهال الأنماطي ، وقد تقدم .
الثاني : nindex.php?page=showalam&ids=16102شعبة بن الحجاج ، وقد تقدم غير مرة .
الثالث : علي بن مدرك بضم الميم وكسر الراء أبو مدرك النخعي الكوفي الصالح الصدوق الثقة ، مات سنة عشرين ومائة ، روى له الجماعة .
الرابع : nindex.php?page=showalam&ids=12007أبو زرعة ، اسمه هرم بفتح الهاء وكسر الراء ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي ، كان سيدا مطاعا ، بديع الجمال ، كبير القدر ، طويل القامة ، يصل إلى سنام البعير ، وكان نعله ذراعا مر في باب الدين النصيحة .
بيان لطائف إسناده
منها أن فيه التحديث والإخبار بصيغة المفرد والجمع والعنعنة .
ومنها أن رواته ما بين كوفي وواسطي وبصري .
ومنها أن فيه رواية ابن الابن عن جده .
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره :
أخرجه nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري هنا عن الحجاج ، وفي المغازي عن حفص بن عمرو ، وفي الفتن عن سليمان ، كلهم عن nindex.php?page=showalam&ids=16102شعبة ، عن علي بن مدرك به ، وفي الديات ، عن nindex.php?page=showalam&ids=15573بندار ، عن nindex.php?page=showalam&ids=16769غندر ، عن nindex.php?page=showalam&ids=16102شعبة ، وعن nindex.php?page=showalam&ids=16526عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن nindex.php?page=showalam&ids=16102شعبة به . وأخرجه nindex.php?page=showalam&ids=17080مسلم في الإيمان ، عن nindex.php?page=showalam&ids=12508أبي بكر بن أبي شيبة ، عن nindex.php?page=showalam&ids=16769غندر ، عن nindex.php?page=showalam&ids=16102شعبة ، وعن ابن المثنى nindex.php?page=showalam&ids=12991وابن بشار ، عن nindex.php?page=showalam&ids=16769غندر به . وأخرجه nindex.php?page=showalam&ids=15397النسائي في العلم ، عن محمد بن عثمان بن أبي صفوان عبد الرحمن بن مهدي ، عن nindex.php?page=showalam&ids=16102شعبة به ، وفي المحاربة عن nindex.php?page=showalam&ids=15573بندار ، عن nindex.php?page=showalam&ids=16769غندر وابن مهدي به . وأخرجه nindex.php?page=showalam&ids=13478ابن ماجه في الفتن ، عن nindex.php?page=showalam&ids=15573بندار عنهما به ، وهذا قطعة من حديث nindex.php?page=showalam&ids=130أبي بكرة الطويل ، ذكره nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري في الخطبة أيام منى nindex.php?page=showalam&ids=17080ومسلم في الجنايات ، وقد تقدم قطعة من حديث nindex.php?page=showalam&ids=130أبي بكرة في كتاب العلم في موضعين أحدهما في باب رب مبلغ أوعى من سامع .
بيان الإعراب والمعنى
قوله " قال " جملة في محل الرفع ; لأنها اسم إن ، قوله “ في حجة الوداع " متعلق بقال المشهور في الحاء والواو الفتح ، قوله “ استنصت الناس " جملة من الفعل والفاعل ، وهو أنت في استنصت والمفعول وهو الناس ، وهو مقول القول ، واستنصت أمر من الاستنصات استفعال من الإنصات ، ومثله قليل ; إذ الغالب أن الاستفعال يبنى من الثلاثي ومعناه طلب السكوت وهو متعد ، والإنصات جاء لازما ومتعديا يعني استعمل أنصتوه وأنصتوا له لا أنه جاء بمعنى الإسكات ، وسميت بحجة الوداع ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودع الناس فيها ، فإن قلت : قد وقع في غالب النسخ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ، أي لجرير : وكيف يكون هذا ؟ وقد جزم nindex.php?page=showalam&ids=13332ابن عبد البر بأن جريرا أسلم قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بأربعين يوما . قلت : قد قيل : إن لفظة له ها هنا زيادة لأجل هذا المعنى ، ولكن وقع في رواية nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري لهذا الحديث في باب حجة الوداع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لجرير : وهذا يدل على أن [ ص: 187 ] لفظة " له " ها هنا غير زائدة وأن رواية nindex.php?page=showalam&ids=15628جرير قبل ذلك ، ويصححه ما قاله nindex.php?page=showalam&ids=13890البغوي nindex.php?page=showalam&ids=13478وابن ماجه : إنه أسلم في رمضان سنة عشر ; فحينئذ يخدش ما ذكره nindex.php?page=showalam&ids=13332ابن عبد البر ، والله أعلم .
قوله " لا ترجعوا " معناه ها هنا لا تصيروا ، قال ابن مالك : رجع هنا استعمل استعمال صار معنى وعملا ، أي لا تصيروا بعدي كفارا ، فعلى هذا " كفارا " منصوب ; لأنه خبر لا ترجعوا أي لا تصيروا فتكون من الأفعال الناقصة التي تقتضي الاسم المرفوع والخبر المنصوب ، قوله “ بعدي " قال nindex.php?page=showalam&ids=16935الطبري : أي بعد فراقي موقفي هذا ، وقال غيره : خلافي ، أي لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به ، ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام علم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته .
وقال المظهري : يعني إذا فارقت الدنيا فاثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى ، ولا تحاربوا المسلمين ، ولا تأخذوا أموالهم بالباطل .
وقال محيي السنة : أي لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار في ضرب رقاب المسلمين .
وقال النووي : قيل : في معناه ستة أقوال أخر ، أحدها أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق .
ثانيها : المراد كفر النعمة وحق الإسلام .
ثالثها : أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه .
رابعها : أنه حقيقة الكفر ، ومعناه دوموا مسلمين .
خامسها : حكاه nindex.php?page=showalam&ids=14228الخطابي أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح ، يقال : تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه ، ويقال للابس السلاح : كافر .
قوله " يضرب " برفع الباء ، وهو الصواب ، وهو الرواية التي رواها المتقدمون والمتأخرون ، وفيه وجوه : أحدها أن يكون صفة لكفار أي لا ترجعوا بعدي كفارا متصفين بهذه الصفة القبيحة ، يعني ضرب بعضكم رقاب آخرين .
والثاني : أن يكون حالا من ضمير لا ترجعوا أي لا ترجعوا بعدي كفارا حال ضرب بعضكم رقاب بعض .
والثالث : أن يكون جملة استئنافية كأنه قيل : كيف يكون الرجوع كفارا ؟ فقال : يضرب بعضكم رقاب بعض ، فعلى الوجه الأول يجوز أن يكون معناه لا ترجعوا عن الدين بعدي ، فتصيروا مرتدين مقاتلين يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق على وجه التحقيق ، وأن يكون لا ترجعوا كالكفار المقاتل بعضكم بعضا على وجه التشبيه بحذف أداته هو على الثاني ، يجوز أن يكون معناه لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يعرض بينكم لاستحلال القتل بغير حق ، وأن يكون لا ترجعوا حال المقاتلة لذلك كالكفار في الانهماك في تهييج الشر وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم بعضكم على بعض في ضرب الرقاب ، وعلى الثالث يجوز أن يكون معناه لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق ، فإنه فعل الكفار وأن يكون لا يضرب بعضكم رقاب بعض كفعل الكفار على ما تقدم ، وجوز ابن مالك وأبو البقاء جزم الباء على أنه بدل من لا ترجعوا ، وأن يكون جزاء لشرط مقدر على مذهب nindex.php?page=showalam&ids=15080الكسائي ، أي فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض ، وقيل : يجوز الجزم بأن يكون جواب النهي على مذهب من يجوز لا تكفر تدخل النار .
وقال القاضي والنووي : ومن سكن الباء ممن لم يضبطه أحال المعنى ; لأن التقدير على الرفع لا تفعلوا فعل الكفار فتشبهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضا ومحاربة بعضهم بعضا .
قال القاضي : وهذا أولى الوجوه التي يتناول عليها هذا الحديث ، وقد جرى بين الأنصار كلام بمحاولة اليهود حتى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح ، فأنزل الله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=101وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله أي تفعلون فعل الكفار ، وسياق الخبر يدل على أن النهي عن ضرب الرقاب والنهي عما قبله بسببه كما جاء في حديث nindex.php?page=showalam&ids=130أبي بكرة رضي الله عنه : " nindex.php?page=hadith&LINKID=655124إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام .. " ، وذكر الحديث ثم قال : " ليبلغ الشاهد الغائب ، لا nindex.php?page=treesubj&link=30544_30208_30913ترجعوا بعدي كفارا .. " الحديث .
فهو شرح لما تقدم من تحريم بعضهم على بعض ، قوله “ رقاب بعض " ، وهو جمع رقبة ، فإن قلت : ليس لكل شخص إلا رقبة واحدة ، ولا شك أن ضرب الرقبة الواحدة منهي عنها . قلت : البعض وإن كان مفردا لكنه في معنى الجمع كأنه قال : رب لا يضرب فرقة منكم رقاب فرقة أخرى ، والجمع في مقابلة الجمع أو ما في معناه يفيد التوزيع .
بيان استنباط الأحكام
الأول : قال nindex.php?page=showalam&ids=12997ابن بطال : فيه أن nindex.php?page=treesubj&link=32112الإنصات للعلماء والتوقير لهم لازم للمتعلمين ، قال الله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=49&ayano=2لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ويجب الإنصات عند قراءة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما يجب له صلى الله عليه وسلم ، وكذلك يجب الإنصات للعلماء ; لأنهم الذين يحيون سنته ويقومون بشريعته .
الثاني : فيه nindex.php?page=treesubj&link=30997تحذير الأمة من وقوع ما يحذر فيه .
الثالث : تعلق به بعض أهل البدع في إنكار nindex.php?page=treesubj&link=21616حجية الإجماع كما قال nindex.php?page=showalam&ids=15140المازري ; لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر ، ولولا جواز إجماعها عليه [ ص: 188 ] لما نهاها ، والجواب أن الامتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق لا من عدم الإمكان ، وقد قال تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=65لئن أشركت ليحبطن عملك ومعلوم أنه معصوم .