الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 1084 165 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سُوءٍ، قُلْنَا: وَمَا هَمَمْتَ ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ الدَّلَالَةِ. (ذِكْرُ رِجَالِهِ) وَهُمْ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ: سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَبُو أَيُّوبَ الْوَاشِحِيُّ ، حَكَى الْبَرْقَانِيُّ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ شُعْبَةَ . الثَّانِي: شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ . الثَّالِثُ: سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ . الرَّابِعُ: أَبُو وَائِلٍ اسْمُهُ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ الْأَسَدِيُّ . الْخَامِسُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. (ذِكْرُ لَطَائِفِ إِسْنَادِهِ): فِيهِ التَّحْدِيثُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَفِيهِ الْعَنْعَنَةُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَفِيهِ الْقَوْلُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَفِيهِ أَنَّ شَيْخَهُ بَصْرِيٌّ وَشُعْبَةُ وَاسِطِيٌّ، وَالْأَعْمَشُ وَأَبُو وَائِلٍ كُوفِيَّانِ، وَفِيهِ رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عَنِ التَّابِعِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ. (ذِكْرُ مَنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "الصَّلَاةِ" عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ ، وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْخَلِيلِ وَسُوِيدِ بْنِ سَعِيدٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "الشَّمَائِلِ" عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ ، وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ غِيلَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي "الصَّلَاةِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ وَسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ . (ذِكْرُ مَعْنَاهُ): قَوْلُهُ: " حَتَّى هَمَمْتُ " ، أَيْ: قَصَدْتُ. قَوْلُهُ: " بِأَمْرِ سُوءٍ " يَجُوزُ فِيهِ إِضَافَةُ أَمْرٍ إِلَى سُوءٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُوءٌ صِفَةً لِأَمْرٍ، وَهَذَا السُّوءُ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْأَدَبِ وَصُورَةِ الْمُخَالَفَةِ، وَإِنْ كَانَ الْقُعُودُ جَائِزًا فِي النَّفْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ. قَوْلُهُ: " وَأَذَرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَيْ: أَتْرُكُهُ، أَرَادَ أَنْ يَقْعُدَ لَا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ الصَّلَاةِ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ أَمَاتَ الْعَرَبُ مَاضِيهَا كَمَا فِي يَدَعُ. (ذِكْرُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ; لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ جَلْدًا قَوِيًّا مُحَافِظًا عَلَى الاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا هَمَّ بِالْقُعُودِ إِلَّا عَنْ طُولِ كَثِيرٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلِ الْأَفْضَلُ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ طُولُ الْقِيَامِ أَوْ كَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ؟ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ كَثْرَةَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ ثَوْبَانَ : أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ كَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، قَالَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمَّا سَأَلَهُ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ مُرَافَقَتَهُ فِي الْجَنَّةِ قَالَ: " أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ " ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَمَحَا عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً، فَاسْتَكْثِرُوا مِنَ السُّجُودِ " ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ " أَنَّ أَبَا فَاطِمَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ وَأَعْمَلُهُ. قَالَ: عَلَيْكَ بِالسُّجُودِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً " ، وَبِمَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ وَخَدِيجٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ " عَنِ الْمُخَارِقِ قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا فَمَرَرْنَا بِالرَّبَذَةِ فَوَجَدْنَا أَبَا ذَرٍّ قَائِمًا يُصَلِّي، فَرَأَيْتُهُ لَا يُطِيلُ الْقِيَامَ وَيُكْثِرُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَا أَلَوْتُ أَنْ أُحْسِنَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: مَنْ رَكَعَ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَةً رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً "، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي "مُسْنَدِهِ" وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ. (قُلْتُ): أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَامُ بْنُ سُلَيْمٍ ، وَخَدِيجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَاسْمُ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ ، وَالْمُخَارِقُ بِضَمِّ الْمِيمِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ قَالَ الذَّهَبِيُّ : مَجْهُولٌ، وَفِي التَّكْمِيلِ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالرَّبَذَةُ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ بِهَا قَبْرُ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَاسْمُ أَبِي ذَرٍّ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ الْغِفَارِيُّ . قَوْلُهُ: " مَا أَلَوَتْ " ، أَيْ: مَا قَصَّرْتُ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ " رَأَى فَتًى وَهُوَ يُصَلِّي، وَقَدْ أَطَالَ صَلَاتَهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْهَا قَالَ: مَنْ يَعْرِفُ هَذَا ؟ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَوْ كُنْتُ أَعْرِفُهُ لَأَمَرْتُهُ أَنْ يُطِيلَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إِذَا قَامَ الْعَبْدُ يُصَلِّي أُتِي بِذُنُوبِهِ فَجُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ وَعَاتِقِهِ، فَكُلَّمَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ تَسَاقَطَتْ عَنْهُ " ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا، وَيَقُولُ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَيُحْكَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ طُولَ الْقِيَامِ أَفْضَلُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَسْرُوقٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ : هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ لِكَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْبَابِ، وَبِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ " سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: طُولُ الْقُنُوتِ " وَأَرَادَ بِهِ طُولَ الْقِيَامِ ، وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبَشٍ الْخَثْعَمِيِّ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ: طُولُ الْقِيَامِ ، وَهَذَا يُفَسِّرُ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " طُولُ الْقُنُوتِ " ، وَإِنْ كَانَ الْقُنُوتُ يَأْتِي بِمَعْنَى الْخُشُوعِ وَغَيْرِهِ. وَمِمَّا يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْأَدَبُ مَعَ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ، وَأَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِمَامِ أَمَرُ سُوءٍ، قَالَ تَعَالَى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ الْآيَةَ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية