صحيح البخاري
445 116 - ( حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا عثمان بن عمر قال : أخبرنا يونس عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن كعب أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد ، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته ، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته فنادى يا كعب ، قال : لبيك يا رسول الله ، قال : ضع من دينك هذا ، وأومأ إليه أي : الشطر ، قال : لقد فعلت يا رسول الله ، قال : قم فاقضه ) .
عمدة القاري
وجه مطابقته للترجمة في التقاضي ظاهر ، وأما في الملازمة فبوجهين أحدهما أن كعبا لما طالب ابن أبي حدرد بدينه في [ ص: 228 ] مسجد النبي عليه الصلاة والسلام لازمه إلى أن خرج النبي عليه السلام وفصل بينهما ، والآخر أنه أخرج هذا الحديث في عدة مواضع كما سنذكرها ، فذكر في باب الصلح ، وفي باب الملازمة عن عبد الله بن كعب عن أبيه أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد مال فلزمه . . . الحديث ، فكأنه أشار بلفظ الملازمة هنا إلى الحديث المذكور على أن ما ذكره في عدة مواضع كلها حديث واحد ، وله عادة في بعض المواضع يذكر التراجم بهذه الطريقة .
( ذكر رجاله ) : وهم ستة : الأول : عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان أبو جعفر الجعفي البخاري المعروف بالمسندي مات يوم الخميس لست ليال بقين من ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومائتين . الثاني : عثمان بن عمر بضم العين ابن فارس البصري . الثالث : يونس بن يزيد . الرابع : محمد بن مسلم الزهري . الخامس : عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي المدني .
السادس : أبو كعب ابن مالك الأنصاري الشاعر أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم ، وأنزل الله فيهم : وعلى الثلاثة الذين خلفوا روي له ثمانون حديثا ، للبخاري منها أربعة ، مات بالمدينة سنة خمسين ، وكان ابنه عبد الله قائده حين عمي .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار بصيغة الجمع أيضا في موضع واحد ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه شيخ البخاري من أفراده ، وفيه رواية الابن عن الأب ، وفيه أن رواته ما بين بخاري وبصري ومدني .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الصلح ، وفي الأشخاص عن عبد الله بن محمد ، وأخرجه أيضا في الملازمة ، وفي الصلح أيضا عن يحيى بن بكير عن الليث ، وأخرجه مسلم في البيوع عن حرملة عن ابن وهب به ، وعن إسحاق بن إبراهيم عن عثمان بن عمر به ، وأخرجه أبو داود في القضايا عن أحمد بن صالح عن ابن وهب به ، وأخرجه النسائي فيه عن أبي داود سليمان بن سيف عن عثمان بن عمر به ، وعن الربيع بن سليمان عن شعيب بن الليث عن أبيه ، وعن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن كعب بن مالك مرسلا ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن محمد بن يحيى الذهلي .
( ذكر معناه وإعرابه ) ؛ قوله ( إنه تقاضى ) أي : أن كعبا تقاضى أي طالب ابن أبي حدرد بالدين ، وتقاضى على وزن تفاعل ، وأصل هذا الباب لمشاركة أمرين فصاعدا نحو تشاركا ؛ قال الكرماني : هو متعد إلى مفعول واحد ، وهو الابن . قلت : إذا كان تفاعل من فاعل المتعدي إلى مفعول واحد كضارب لم يتعد ، وإن كان من المتعدي إلى مفعولين كجاذبته الثوب يتعدى إلى واحد ، وقال الكرماني : دينا منصوب بنزع الخافض أي : بدين . قلت : إنما وجه بهذا لأنا قلنا إن تفاعل إذا كان من المتعدي إلى مفعولين لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد .
قوله ( ابن أبي حدرد ) اسم ابن أبي حدرد هو عبد الله بن أبي سلامة كما صرح به البخاري في أحد رواياته على ما ذكرنا ، وهو صحابي على الأصح شهد الحديبية ، وما بعدها مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين عن إحدى وثمانين سنة ، وقال الذهبي : عبد الله بن سلامة بن عمير هو ابن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي أمر على غير سرية ، وقال في باب الكنى : أبو حدرد الأسلمي سلامة بن عمير روى عنه ابنه عبد الله ، ومحمد بن إبراهيم ، وغيرهما ، وحروف حدرد كلها مهملة ، والحاء مفتوحة ، وكذا الراء والدال ساكنة ؛ قال الجوهري ثم الصنعاني : حدرد اسم رجل لم يأت من الأسماء على فعلع بتكرير العين غيره .
قوله ( كان له عليه ) جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله ( دينا ) ؛ قوله ( في مسجد ) يتعلق بقوله ( تقاضى ) ؛ قوله ( أصواتهما ) من قبيل قوله تعالى : فقد صغت قلوبكما ويجوز اعتبار الجمع في صوتيهما باعتبار أنواع الصوت .
قوله ( وهو في بيته ) جملة اسمية في محل النصب على الحال من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قوله ( فخرج إليهما ) ، وفي رواية الأعرج : " فمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم " ؛ ( فإن قلت ) : كيف التوفيق بين الروايتين لأن الخروج غير المرور . قلت : وفق قوم بينهما بأنه يحتمل أن يكون مر بهما أولا ثم إن كعبا لما أشخص خصمه للمحاكمة ، فتخاصما وارتفعت أصواتهما فسمعهما النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في بيته فخرج إليهما ، وقال بعضهم فيه بعد لأن في الطريقين أنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى كعب بالوضيعة ، وأمر غريمه بالقضاء ، فلو كان أمره بذلك تقدم لما احتاج إلى إعادته .
قلت : الذي استبعد هذا فقد أبعد لأن إعادته بذلك قد تكون للتأكيد لأن الوضيعة أمر مندوب ، والتأكيد بها مطلوب ثم قال هذا القائل ، والأولى فيما يظهر لي أن يحمل المرور على أمر معنوي لا حسي . قلت : إن أراد بالأمر المعنوي الخروج ففيه إخراج اللفظ عن معناه الأصلي بلا ضرورة ، والأولى [ ص: 229 ] أن يكون اللفظ على معناه الحقيقي ، ويكون المعنى أنه صلى الله عليه وسلم لما سمع صوتهما خرج من البيت لأجلهما ومر بهما ، والأحاديث يفسر بعضها بعضا ولا سيما في حديث واحد روي بوجوه مختلفة . وفي رواية الطبراني من حديث زمعة بن صالح عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به ، وهو ملازم رجل في أوقيتين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هكذا يضع الشطر ، وقال الرجل : نعم يا رسول الله ، فقال : أد إليه ما بقي من حقه " ؛ قوله ( سجف حجرته ) بكسر السين المهملة وفتحها بعدها جيم ساكنة ، وقال ابن سيده : هو الستر ، وقيل : هو الستران المقرونان بينهما فرجة ، وكل باب ستر بسترين مقرونين فكل شق منه سجف ، والجمع أسجاف ، وسجوف ، وربما قالوا السجاف ، والسجف ، والسجيف إرخاء السجف زاد في ( المخصص ) ، و : ( الجامع ) ، وبيت مسجف ، وفي ( الصحاح ) أسجف الستر أي : أرسله ، وقال عياض وغيره : لا يسمى سجفا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين . قلت : الذي قاله ابن سيده يرده قوله ( لبيك ) تثنية لبا ، وهو الإقامة ، وهو مفعول مطلق يجب حذف عامله ، وهو من باب الثنائي الذي للتأكيد والتكرار ، ومعناه لبا بعد لب أي : أنا مقيم على طاعتك ؛ قوله ( ضع على وزن فع أمر من وضع يضع ؛ قوله ( أي الشطر ) تفسير لقوله هذا أي : ضع عنه الشطر أي : النصف ، وجاء لفظ النصف مصرحا في رواية الأعرج على ما يجيء إن شاء الله تعالى ، وهو منصوب لأنه تفسير للمنصوب ، وهو قوله هذا لأنه منصوب بقوله ضع ؛ قوله ( لقد فعلت ) مبالغة في امتثال الأمر لأنه أكد فعلت باللام وكلمة قد ، وفيه معنى القسم أيضا ؛ قوله ( قم ) خطاب لابن أبي حدرد ؛ قوله ( فاقضه ) أمر على جهة الوجوب لأن رب الدين لما أطاع بوضع ما أمر به تعين على المديان أن يقوم بما بقي عليه لئلا يجتمع على رب الدين وضيعة ومطل .
( ذكر ما يستنبط منه من الأحكام ) : فيه إشارة إلى أنه لا يجتمع الوضيعة ، والمطل لأن صاحب الدين يتضرر كما ذكرنا ، وفيه المخاصمة في المسجد في الحقوق والمطالبة بالديون ، قاله ابن بطال ، وفيه دليل على إباحة رفع الصوت في المسجد ما لم يتفاحش لعدم الإنكار منه عليه الصلاة والسلام ، وقد أفرد له البخاري بابا يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى ، ( فإن قلت ) : قد ورد في حديث واثلة من عند ابن ماجه يرفعه : " جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم " ، وحديث مكحول من عند أبي نعيم الأصبهاني عن معاذ مثله ، وحديث جبير بن مطعم ولفظه : " ولا ترفع فيه الأصوات " ، وكذا حديث ابن عمر من عند أبي أحمد . قلت : أجيب بأن هذه الأحاديث ضعيفة فبقي الأمر على الإباحة من غير معارض ، ولكن هذا الجواب لا يعجبني لأن الأحاديث الضعيفة تتعاضد ، وتتقوى إذا اختلفت طرقها ومخارجها ، والأولى أن يقال : أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشا ، وحديث الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش ، وقال مالك : لا بأس أن يقضي الرجل في المسجد دينا ، وأما التجارة والصرف فلا أحبه .
وفيه جواز الاعتماد على الإشارة لقوله : ( هكذا ؛ أي الشطر ، وأنها بمنزلة الكلام إذا فهمت لدلالتها عليه فيصح على هذا يمين الأخرس وشهادته ولعانه ، وعقوده إذا فهم عنه ذلك .
وفيه إشارة الحاكم إلى الصلح على جهة الإرشاد ، وههنا وقع الصلح على الإقرار المتفق عليه ؛ لأن نزاعهما لم يكن في الدين ، وإنما كان في التقاضي ، وأما الصلح على الإنكار فأجازه أبو حنيفة ومالك ، وهو قول الحسن ، وقال الشافعي هو باطل ، وبه قال ابن أبي ليلى ، وفيه الملازمة للاقتضاء ، وفيه الشفاعة إلى صاحب الحق ، والإصلاح بين الخصوم وحسن التوسط بينهم ، وفيه قبول الشفاعة في غير معصية ، وفيه إرسال الستور عند الحجرة .


