صحيح البخاري
2653 وقوله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص
عمدة القاري
" وقوله تعالى " يجوز بالرفع والجر ، بحسب عطفه على قوله : " عمل صالح قبل القتال " ، قيل : لا مناسبة بين الترجمة والآية . ورد بأنها موجودة من حيث إن الله عاتب من قال بما لا يفعل وأثنى على من وفى وثبت عند القتال ، والثبات عنده من أصلح الأعمال . وقال الكرماني : والمقصود من ذكر هذه الآية ذكر صفا ، أي : صافين أنفسهم أو مصفوفين ، إذ هو عمل صالح قبل القتال . وقيل : يجوز أن يراد استواء بنيانهم في البناء حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان . وقيل : مفهومه مدح الذين قالوا وعزموا وقاتلوا ، والقول فيه والعزم عملان صالحان . قوله : " يا أيها الذين " إلى آخره ، قال : مقاتل في تفسيره قوله : " يا أيها الذين آمنوا " إلى آخره ، يعظهم بذلك ، وذلك أن المؤمنين قالوا : لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا ؟ فأنزل الله تعالى : " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله " يعني : في طاعته " صفا كأنهم بنيان مرصوص " ، فأخبر الله تعالى بأحب الأعمال إليه بعد الإيمان ، فكرهوا القتل ، فوعظهم الله وأدبهم ، فقال : " لم تقولون ما لا تفعلون " . وفي تفسير النسفي قيل : إن الرجل كان يجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : فعلت كذا وكذا ، وما فعل . فنزلت : " لم تقولون ما لا تفعلون " . وقال الضحاك : كان الرجل يقول قاتلت ولم يقاتل ، وطعنت ولم يطعن ، وصبرت ولم يصبر ، فنزلت هذه الآية . وقال ابن عباس : كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون : وددنا لو أن الله تعالى دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به ؟ فأخبرهم الله تعالى أن أفضل الأعمال الجهاد ، وكره ذلك ناس منهم وشق عليهم الجهاد وتباطئوا عنه فنزلت هذه الآية . وقال ابن زيد : نزلت في المنافقين ، كانوا يعدون المؤمنين النصر ويقولون : لو خرجتم خرجنا معكم ونصرناكم ، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا عنه ، فنزلت هذه الآية .
قوله : " لم " هي لام الإضافة ، داخلة على ما الاستفهامية ، كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك : بم ، وفيم ، وعم ، وإلام ، وعلام ، وإنما حذفت الألف لأن ما والحرف كشيء واحد ووقع استعمالها كثيرا في كلام المستفهم . وقال الحسن : إنما بدأهم بالإيمان تهكما بهم لأن الآية نزلت في المنافقين وبإيمانهم . قوله : " كبر مقتا " هذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه قصد في كبر التعجب من غير لفظه ، ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين ، لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله ، وأسند " كبر " إلى " أن تقولوا " ونصب " مقتا " على تفسيره دلالة على أن قولهم " ما لا يفعلون " مقت خالص لا شوب فيه ، لفرط تمكن المقت منه ، واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه . قوله : " صفا " أي : صافين أنفسهم أو مصفوفين . قوله : " مرصوص " أي : كأنهم في تراصهم من غير فرجة ، بنيان رص بعضه إلى بعض .


