الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 2446 20 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا . فَقَالَ : أَكُلَّ وَلَدَكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَأَرْجِعْهُ . عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ ; لِأَنَّ التَّرْجَمَةَ فِيمَا إِذَا أَعْطَى لِبَعْضِ وَلَدِهِ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَعْدِلَ وَيُعْطِيَ الْآخَرِينَ مِثْلَهُ ، وَالْحَدِيثُ يَتَضَمَّنُ هَذَا عَلَى مَا لَا يَخْفَى . ذِكْرُ رِجَالِهِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَابْنُ شِهَابٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، وَحُمَيْدٌ - بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمِلَةِ - ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقَدْ مَرَّ فِي الْإِيمَانِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ التَّابِعِينَ ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : هُوَ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ . وَالنُّعْمَانُ - بِضَمِّ النُّونِ - ابْنُ بَشِيرٍ - ضِدُّ النَّذِيرِ - ابْنُ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْجُلَاسِ - بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ - الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ ، وَأَبُوهُ بَشِيرٌ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ ، قِيلَ إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنَ الْأَنْصَارِ بِالْخِلَافَةِ ، وَقُتِلَ يَوْمُ عَيْنِ التَّمْرِ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الْيَمَامَةِ . ذِكْرُ لِطَائِفِ إِسْنَادِهِ : فِيهِ التَّحْدِيثُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي مَوْضِعٍ وَبِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فِي مَوْضِعٍ ، وَفِيهِ الْإِخْبَارُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي مَوْضِعٍ ، وَفِيهِ الْعَنْعَنَةُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ ، وَفِيهِ رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عَنِ التَّابِعِيِّينَ عَنِ الصَّحَابِيِّ ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الِابْنِ عَنِ الْأَبِ ، وَفِيهِ أَنَّ رُوَاتَهُ كُلَّهُمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَهُ فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ مِنْ دِمَشْقَ وَسَكَنَ تَنِّيسَ ، وَفِيهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ كَذَا هُوَ لِأَكْثَرِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَاهُ عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَعْلَةَ - فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ بَشِيرٍ فَشَذَّ بِذَلِكَ ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النُّعْمَانِ عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ ، وَأَبُو الضُّحَى عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ وَأَحْمَدَ وَالطَّحَاوِيِّ ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَعَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ وَالشَّعْبِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمْ ، وَرَوَاهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَدَدٌ كَثِيرٌ أَيْضًا . ذِكْرُ تَعَدُّدِ مَوْضِعِهِ وَمَنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الْهِبَةِ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ عَنْ حَامِدِ بْنِ عُمَرَ ، وَفِي الشَّهَادَاتِ عَنْ عَبْدَانَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ فِي الْفَرَائِضِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْهُ ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَابْنِ أَبِي عُمَرَ ، وَعَنْ قُتَيْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ ، وَعَنْ حَرْمَلَةَ ، وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَعَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي النِّحَلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ بِهِ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَالْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ - كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَاشِمٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَعَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ سُفْيَانَ ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ . وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْفَرَائِضِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَيَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْبُيُوعِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي النِّحَلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَعَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَرَّانِيِّ ، وَفِي الْقَضَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ بَكْرِ بْنِ خَلَفٍ . ذِكْرُ مَعْنَاهُ : قَوْلُهُ ( أَنَّ أَبَاهُ ) هُوَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ . قَوْلُهُ ( إِنِّي نَحَلْتُ ) بِالنُّونِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، يُقَالُ نَحَلَهُ أَنْحَلُهُ نُحْلًا - بِضَمِّ النُّونِ - أَيْ أَعْطَيْتُهُ ، وَنَحَلْتُ لِلْمَرْأَةِ مَهْرَهَا أَنْحَلُهَا نِحْلَةً بِكَسْرِ النُّونِ ، هَكَذَا اقْتَصَرَ فِي النِّحْلَةِ عَلَى الْكَسْرِ ، وَحَكَى غَيْرُهُ فِيهَا الْوَجْهَيْنِ الضَّمَّ وَالْكَسْرَ ، وَالنُّحْلَى - بِالضَّمِّ عَلَى وَزْنِ فُعْلَى - الْعَطِيَّةُ . قَوْلُهُ ( هَذَا غُلَامًا ) ... قَوْلُهُ ( أَكُلَّ وَلَدَكَ ) الْهَمْزَةُ فِيهِ لِلِاسْتِفْهَامِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْبَارِ ، وَ " كُلَّ " مَنْصُوبٌ بِقَوْلِهِ " نَحَلْتَ " . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ : أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : أَكُلَّ بَنِيكَ . فَإِنْ قُلْتَ : مَا التَّوْفِيقُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ؟ قُلْتُ : لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ لَفْظَ الْوَلَدِ يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا وَذُكُورًا ، وَأَمَّا لَفْظُ الْبَنِينَ فَالذُّكُورُ فِيهِمْ ظَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ إِنَاثٌ فَيَكُونُ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ لِبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ وَالِدِ النُّعْمَانِ وَلَدًا غَيْرَ النُّعْمَانِ ، وَذَكَرَ لَهُ بِنْتًا اسْمُهَا أُبَيَّةُ مُصَغَّرُ أَبِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ ( قَالَ : فَأَرْجِعْهُ ) ; أَيْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْجِعْ مَا نَحَلْتَهُ لِابْنِكَ ، اخْتُلِفَ فِي هَذَا اللَّفْظِ ; فَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " فَارْدُدْهُ " ، وَفِي رِوَايَةٍ " فَرُدَّهُ " ، وَفِي رِوَايَةٍ " فَرُدَّ عَطِيَّتَهُ " ، وَفِي رِوَايَةٍ " اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ " ، وَفِي رِوَايَةٍ " قَارِبُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ " ، رُوِيَ " قَارِبُوا " بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالنُّونِ . ذِكْرُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ : احْتَجَّ بِهِ جَمَاعَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَحَلَ بَعْضَ بَنِيهِ دُونَ بَعْضٍ فَهُوَ بَاطِلٌ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ مُسْتَقْصًى وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ النُّعْمَانِ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ ، ثُمَّ قَالَ : وَاحْتَجَّ بِهِ قَوْمٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا نَحَلَ بَعْضَ بَنِيهِ دُونَ بَعْضٍ أَنَّهُ بَاطِلٌ . ثُمَّ قَالَ : وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ . وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ مَا مُلَخَّصُهُ : إِنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ النُّعْمَانَ كَانَ صَغِيرًا حِينَئِذٍ ، وَلَعَلَّهُ كَانَ كَبِيرًا ، وَلَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ ، وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَلَى مَعْنًى غَيْرِ مَا فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَنَّ النُّعْمَانَ قَالَ : انْطَلَقَ بِي أَبِي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحَلَنِي نُحْلًا لِيُشْهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَوَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا ؟ فَقَالَ : لَا . قَالَ : أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ كُلُّهُمْ سَوَاءً ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ : فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي . فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْعَقْدِ الَّذِي كَانَ عَقَدَهُ لِلنُّعْمَانِ ، وَأَمَّا امْتِنَاعُهُ عَنِ الشَّهَادَةِ فَلِأَنَّهُ كَانَ مُتَوَقِّيًا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ كَانَ إِمَامًا ، وَالْإِمَامُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَشْهَدَ ، وَإِنَّمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَحْكُمَ ، وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْإِمَامِ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَلَا مِنْ أَدَائِهَا إِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ . قُلْتُ : لَا يَلْزَمُ أَيْضًا أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِنْ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ ، فَإِنَّ التَّحَمُّلَ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ مَقَامَهُ أَجَلُّ مَنْ ذَلِكَ ، وَكَلَامُنَا فِي التَّحَمُّلِ لَا فِي الْأَدَاءِ إِذَا تَحَمَّلَ ، فَافْهَمْ . ثُمَّ رَوَى الطَّحَاوِيُّ حَدِيثَ النُّعْمَانِ الْمَذْكُورَ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَا يَأْتِي ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِرَدِّ الشَّيْءِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِالتَّسْوِيَةِ . فَإِنْ قُلْتَ : فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ " فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ " - قُلْتُ : رَدُّهُ عَطِيَّتَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِاخْتِيَارِهِ هُوَ لَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا سَمِعَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ . فَإِنْ قُلْتَ : فِي حَدِيثِ الْبَابِ الْأَمْرُ بِالرُّجُوعِ صَرِيحًا حَيْثُ قَالَ : فَأَرْجِعْهُ ! قُلْتُ : لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى الْإِيجَابِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ ، أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ ابْنٌ لَهُ فَقَبَّلَهُ وَأَجْلَسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَجَاءَتْهُ بُنَيَّةٌ لَهُ فَأَجْلَسَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا سَوَّيْتَ بَيْنَهُمَا . انْتَهَى ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْوُجُوبِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْإِنْصَافِ وَالْإِحْسَانِ .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية