الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                جزء صفحة
                                صحيح البخاري الْحَدِيثُ الثَّانِي: 909 952 - نَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: نَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ. قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَزَامِرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا " . فتح الباري لابن رجب فِي هَذَا الْحَدِيثِ: الرُّخْصَةُ لِلْجَوَارِي فِي يَوْمِ الْعِيدِ فِي اللَّعِبِ وَالْغَنَاءِ بِغِنَاءِ الْأَعْرَابِ. وَإِنْ سَمِعَ ذَلِكَ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ دُفٌّ مِثْلُ دُفِّ الْعَرَبِ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْغِرْبَالَ. وَقَدْ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ " كِتَابِ الْعِيدَيْنِ" مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: " دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ ; فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ "، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَ لَهُمْ غِنَاءٌ يَتَغَنَّوْنَ بِهِ، وَكَانَ لَهُمْ دُفُوفٌ يَضْرِبُونَ بِهَا، وَكَانَ غَنَاؤُهُمْ بِأَشْعَارِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ ذِكْرِ الْحُرُوبَ وَنَدْبِ مَنْ قُتِلَ فِيهَا، وَكَانَتْ دَفُوفُهُمْ مِثْلَ الْغَرَابِيلِ، لَيْسَ فِيهَا جَلَاجِلُ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ ". خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ. فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُرَخِّصُ لَهُمْ فِي أَوْقَاتِ الْأَفْرَاحِ، كَالْأَعْيَادِ وَالنِّكَاحِ وَقُدُومِ الْغِيَابِ فِي الضَّرْبِ لِلْجَوَارِي بِالدُّفُوفِ، وَالتَّغَنِّي مَعَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْأَشْعَارِ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا. فَلَمَّا فُتِحَتْ بِلَادُ فَارِسٍ وَالرُّومِ ظَهَرَ لِلصَّحَابَةِ مَا كَانَ أَهْلُ فَارِسٍ وَالرُّومِ قَدِ اعْتَادُوهُ مِنَ الْغَنَاءِ الْمُلَحَّنِ بِالْإِيقَاعَاتِ الْمَوْزُونَةِ، عَلَى طَرِيقَةِ الْمُوسِيقَى بِالْأَشْعَارِ الَّتِي تُوصَفُ فِيهَا الْمُحَرَّمَاتُ مِنَ الْخُمُورِ وَالصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ الْمُثِيرَةِ لِلْهَوَى الْكَامِنِ فِي النُّفُوسِ، الْمَجْبُولِ مَحَبَّتُهُ فِيهَا، بِآلَاتِ اللَّهْوِ الْمُطْرِبَةِ، الْمُخْرِجِ سَمَاعُهَا عَنِ الِاعْتِدَالِ، فَحِينَئِذٍ أَنْكَرَ الصَّحَابَةُ الْغِنَاءَ وَاسْتِمَاعَهُ، وَنَهَوْا عَنْهُ وَغَلَّظُوا فِيهِ. حَتَّى قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ، كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ. وَرُوِيَ عَنْهُ - مَرْفُوعًا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْغِنَاءَ الَّذِي رَخَّصَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأَصْحَابِهِ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْغِنَاءُ، وَلَا آلَاتُهُ هِيَ هَذِهِ الْآلَاتُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا رَخَّصَ فِيمَا كَانَ فِي عَهْدِهِ، مِمَّا يَتَعَارَفُهُ الْعَرَبُ بِآلَاتِهِمْ. فَأَمَّا غِنَاءُ الْأَعَاجِمِ بِآلَاتِهِمْ فَلَمْ تَتَنَاوَلْهُ الرُّخْصَةُ، وَإِنْ سُمِّيَ غِنَاءً، وَسُمِّيَتْ آلَاتُهُ دُفُوفًا، لَكِنَّ بَيْنَهُمَا مِنَ التَّبَايُنِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ، فَإِنَّ غِنَاءَ الْأَعَاجِمِ بِآلَاتِهَا يُثِيرُ الْهَوَى، وَيُغَيِّرُ الطِّبَاعَ، وَيَدْعُو إِلَى الْمَعَاصِي، فَهُوَ رُقْيَةُ الزِّنَا. وَغَنَاءُ الْأَعْرَابِ الْمُرَخَّصُ فِيهِ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ بِالْكُلِّيَّةِ الْبَتَّةَ، فَلَا يَدْخُلُ غِنَاءُ الْأَعَاجِمِ فِي الرُّخْصَةِ لَفْظًا وَلَا مَعْنًى، فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَالِكَ نَصٌّ عَنِ الشَّارِعِ بِإِبَاحَةِ مَا يُسَمَّى غِنَاءً وَلَا دُفًّا، وَإِنَّمَا هِيَ قَضَايَا أَعْيَانٍ، وَقَعَ الْإِقْرَارُ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهَا مِنْ عُمُومٍ. وَلَيْسَ الْغِنَاءُ وَالدُّفُّ الْمُرَخَّصُ فِيهِمَا فِي مَعْنَى مَا فِي غِنَاءِ الْأَعَاجِمِ وَدَفُوفِهَا الْمُصَلْصَلَةِ; لِأَنَّ غِنَاءَهُمْ وَدَفُوفَهُمْ تُحَرِّكُ الطِّبَاعَ وَتُهَيِّجُهَا إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ، بِخِلَافِ غِنَاءِ الْأَعْرَابِ، فَمَنْ قَاسَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَقَدْ أَخْطَأَ أَقْبَحَ الْخَطَأِ، وَقَاسَ مَعَ ظُهُورِ الْفِرَقِ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ، فَقِيَاسُهُ مِنْ أَفْسِدِ الْقِيَاسِ وَأَبْعَدِهِ عَنِ الصَّوَابِ. وَقَدْ صَحَّتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَمِّ مَنْ يَسْتَمِعُ الْقَيْنَاتِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْرِيمِ سَمَاعِ آلَاتِ الْمَلَاهِي الْمَأْخُوذَةِ عَنِ الْأَعَاجِمِ. وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي " الْأَشْرِبَةِ " حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ - أَوْ أَبِي عَامِرٍ - الْأَشْعَرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَقَالَ فِيهِ: " قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ " - فَذَكَرَهُ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ هِشَامٍ . وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ . وَخَرَّجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ. وَخَرَّجَهُ الطَّبَرَانِيُّ : نَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ : نَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ . فَصَحَّ وَاتَّصَلَ عَنْ هِشَامٍ . وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُخْتَصَرًا. وَقَدْ بَيَّنَتْ عَائِشَةُ أَنَّ الْجَارِيَتَيْنِ إِنَّمَا كَانَا يُغْنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ، وَيَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ حُرُوبِ الْجَاهِلِيَّةِ مَشْهُورٌ. وَبَاؤُهُ مُثَلَّثَةٌ وَعَيْنُهُ مُهْمَلَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى أَنَّهَا مُعْجَمَةٌ. قَالَ الْخَطَابِيُّ : هُوَ يَوْمٌ مَشْهُورٌ مِنْ أَيَّامِ الْعَرَبِ، كَانَتْ فِيهِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْأَوْسِ عَلَى الْخَزْرَجِ ، وَبَقِيَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً إِلَى الْإِسْلَامِ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ. قَالَ: وَكَانَ الشِّعْرُ الَّذِي تُغْنِيَانِ بِهِ فِي وَصْفِ الشَّجَاعَةِ وَالْحَرْبِ، وَهُوَ إِذَا صُرِفَ إِلَى جِهَادِ الْكُفَّارِ كَانَ مَعُونَةً فِي أَمْرِ الدِّينِ، فَأَمَّا الْغِنَاءُ بِذِكْرِ الْفَوَاحِشِ وَالِابْتِهَارِ لِلْحَرَمِ، فَهُوَ الْمَحْظُورُ مِنَ الْغِنَاءِ، حَاشَاهُ أَنْ يَجْرِيَ بِحَضْرَتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَيَرْضَاهُ، أَوْ يَتْرُكَ النَّكِيرَ لَهُ، وَكُلُّ مَنْ جَهَرَ بِشَيْءٍ بِصَوْتِهِ وَصَرَّحَ بِهِ فَقَدْ غَنَّى بِهِ. قَالَ: وَقَوْلُ عَائِشَةَ : " لَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ" ، إِنَّمَا بَيَّنَتْ ذَلِكَ; لِأَنَّ الْمُغَنِّيَةَ الَّتِي اتَّخَذَتِ الْغَنَاءَ صِنَاعَةً وَعَادَةً، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِحَضْرَتِهِ، فَأَمَّا التَّرَنُّمُ بِالْبَيْتِ وَالتَّطْرِيبُ لِلصَّوْتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُحْشٌ، فَهُوَ غَيْرُ مَحْظُورٍ وَلَا قَادِحٍ فِي الشَّهَادَةِ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لَا يُنْكِرُ مِنَ الْغِنَاءِ النَّصْبَ وَالْحِدَاءَ وَنَحْوَهُمَا، وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. قَالَ: وَقَوْلُهُ: " هَذَا عِيدُنَا" يُرِيدُ أَنَّ إِظْهَارَ السُّرُورِ فِي الْعِيدِ مِنْ شِعَارِ الدِّينِ، وَحُكْمُ الْيَسِيرِ مِنَ الْغِنَاءِ خِلَافُ الْكَثِيرِ. انْتَهَى. وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْعِيدِ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَّلَ بِأَنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْمَنْعِ قَائِمٌ، لَكِنْ عَارَضَهُ مُعَارِضٌ وَهُوَ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ الْعَارِضُ بِأَيَّامِ الْعِيدِ. وَقَدْ أَقَرَّ أَبَا بَكْرٍ عَلَى تَسْمِيَةِ الدُّفِّ مَزْمُورَ الشَّيْطَانِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ لَوْلَا وُجُودُ الْمَانِعِ. وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ: قَتَادَةُ : الشَّيْطَانُ قُرْآنُهُ الشِّعْرُ، وَمُؤَذِّنُهُ الْمِزْمَارُ، وَمَصَايِدُهُ النِّسَاءُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ - مَرْفُوعًا. وَقَدْ وَرَدَتِ الشَّرِيعَةُ بِالرُّخْصَةِ لِلنِّسَاءِ لِضَعْفِ عُقُولِهِنَّ بِمَا حُرِّمَ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ التَّحَلِّي وَالتَّزَيُّنِ بِالْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلرِّجَالِ مِنْهُمُ الْيَسِيرُ دُونَ الْكَثِيرِ، فَكَذَلِكَ الْغِنَاءُ يُرَخَّصُ فِيهِ لِلنِّسَاءِ فِي أَيَّامِ السُّرُورِ، وَإِنَّمَا سَمِعَ ذَلِكَ الرِّجَالُ تَبَعًا. وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الضَّرْبَ بِالدُّفِّ لِلْغِنَاءِ لَا يُبَاحُ فِعْلُهُ لِلرِّجَالِ; فَإِنَّهُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، هَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَإِنَّمَا كَانَ يَضْرِبُ بِالدُّفُوفِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النِّسَاءُ، أَوْ مَنْ يُشَبَّهُ بِهِنَّ مِنَ الْمُخَنَّثِينَ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفْيِ الْمُخَنَّثِينَ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْبُيُوتِ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى نَفْيِهِمْ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، عَمَلًا بِهَذِهِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ. وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ مُخَنَّثٍ مَاتَ وَوَصَّى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ، فَقَالَ: كَسْبُ الْمُخَنَّثِ خَبِيثٌ، كَسْبُهُ بِالْغِنَاءِ، نَقَلَهُ عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ . وَفِي تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْمُخَنَّثِ بِالدُّفِّ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. فَأَمَّا الْغِنَاءُ بِغَيْرِ ضَرْبٍ بِدُفٍّ، فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحِدَاءِ وَالنَّصْبِ فَهُوَ جَائِزٌ. وَقَدْ رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَالنَّصْبُ: شَبِيهُ الْحِدَاءِ -: قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَهَذَا مِنْ بَابِ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي تُفْعَلُ أَحْيَانًا لِلرَّاحَةِ. فَأَمَّا تَغَنِّي الْمُؤْمِنِ؛ فَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْآنِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ". وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ يَجْعَلُهُ عِوَضًا عَنِ الْغِنَاءِ فَيَطْرَبُ بِهِ وَيَلْتَذُّ، وَيَجِدُ فِيهِ رَاحَةَ قَلْبِهِ وَغِذَاءَ رُوحِهِ، كَمَا يَجِدُ غَيْرُهُ ذَلِكَ فِي الْغِنَاءِ بِالشِّعْرِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - أَيْضًا. وَأَمَّا الْغِنَاءُ الْمُهَيِّجُ لِلطِّبَاعِ، الْمُثِيرُ لِلْهَوَى، فَلَا يُبَاحُ لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةِ فِعْلُهُ وَلَا اسْتِمَاعُهُ; فَإِنَّهُ دَاعٍ إِلَى الْفِسْقِ وَالْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ وَالْفُجُورِ فَيَحْرُمُ كَمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ إِلَى الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ [... ]; فَإِنَّ الْفِتْنَةَ تَحْصُلُ بِالنَّظَرِ وَبِالسَّمَاعِ; وَلِهَذَا جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- زِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرَ، وَزِنَا الْأُذُنِ الِاسْتِمَاعَ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ فِي كَرَاهَةِ الْغِنَاءِ وَذَمِّهِ وَذَمِّ اسْتِمَاعِهِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ أَحَدٌ يُعْتَدُّ بِهِ. وَقَدْ حُكِيَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ عَلَى بَعْضِ الْمَدَنِيِّينَ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ إِسْحَاقَ الطَّبَّاعِ ، أَنَّهُ سَأَلَ مَالِكًا عَمَّا يُرَخِّصُ فِيهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ الْغِنَاءِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا يَفْعَلُهُ عِنْدَنَا الْفُسَّاقُ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ، وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - أَيْضًا. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا حُكِيَ عَنِ الْمَدَنِيِّينَ فِي ذَلِكَ. وَكَذَا نَصَّ هُوَ وَإِسْحَاقُ عَلَى كَرَاهَةِ الشِّعْرِ الرَّقِيقِ الَّذِي يُشَبَّبُ بِهِ بِالنِّسَاءِ. وَقَالَ أَحْمَدُ : الْغِنَاءُ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ الرُّخْصَةُ هُوَ غِنَاءُ الرَّاكِبِ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ. وَأَمَّا اسْتِمَاعُ آلَاتِ الْمَلَاهِي الْمُطْرِبَةِ الْمُتَلَقَّاةِ مِنْ وَضْعِ الْأَعَاجِمِ، فَمُحَرَّمٌ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَلَا يُعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمُ الرُّخْصَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ نَقَلَ الرُّخْصَةَ فِيهِ عَنْ إِمَامٍ يُعْتَدُّ بِهِ فَقَدْ كَذَبَ وَافْتَرَى. وَأَمَّا دُفُّ الْأَعْرَابِ الْخَالِي مِنَ الْجُلَاجِلِ الْمُصَوِّتَةِ وَنَحْوِهَا؛ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُرَخَّصُ فِيهِ مُطْلَقًا لِلنِّسَاءِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَشْهَدُ لَهُ، وَاخْتَارَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا، كَصَاحِبِ " الْمُغْنِي" وَغَيْرِهِ. وَالثَّانِي: إِنَّمَا يُرَخَّصُ فِيهِ فِي الْأَعْرَاسِ وَنَحْوِهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَوْ أَكْثَرِهِمْ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ فِيهِ بِحَالٍ. وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ . وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانُوا يَتَّبِعُونَ الدُّفُوفَ مَعَ الْجَوَارِي فِي الْأَزِقَّةِ فَيَحْرُقُونَهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ : لَيْسَ الدُّفُّ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ دُفُوفَ الْأَعَاجِمِ الْمُصَلْصِلَةَ الْمُطْرِبَةِ. وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ فَتَوَقَّفَ، وَكَأَنَّهُ حَصَلَ عِنْدَهُ تَرَدُّدٌ: هَلْ كَانَتْ كَرَاهَةُ مَنْ كَرِهَ الدُّفُوفَ لِدُفُوفِ الْأَعْرَابِ أَوْ لِدُفُوفِ الْأَعَاجِمِ فِيهِ جَرْسٌ؟ وَقَدْ قِيلَ لِأَحْمَدَ : الدُّفُّ فِيهِ جَرْسٌ؟ قَالَ: لَا. وَقَدْ نَصَّ عَلَى مَنْعِ الدُّفِّ الْمُصَلْصِلِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الدُّفِّ: هُوَ مِنَ اللَّهْوِ الْخَفِيفِ، فَإِذَا دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ، فَوَجَدَ فِيهَا دُفًّا فَلَا أَرَى أَنْ يَرْجِعَ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ أَصْبَغُ - مِنْهُمْ-: يَرْجِعُ لِذَلِكَ. وَفِي الرُّخْصَةِ فِي الدُّفِّ فِي الْعِيدِ أَحَادِيثُ أُخَرُ: خَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ: شَهِدَ عِيَاضٌ الْأَشْعَرِيَّ عِيدًا بِالْأَنْبَارِ ، فَقَالَ: مَا لِي لَا أَرَاكُمْ تُقَلِّسُونَ كَمَا يُقَلَّسُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ: مَا كَانَ شَيْءٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا وَقَدْ رَأَيْتُهُ، إِلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُقَلَّسُ لَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ. قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ : التَّقْلِيسُ: ضَرْبُ الدُّفِّ. وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ : التَّقْلِيسُ: أَنْ يَقْعُدَ الْجَوَارِي وَالصِّبْيَانُ عَلَى أَفْوَاهِ الطُّرُقِ، يَلْعَبُونَ بِالطَّبْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي حُكْمِ الْغِنَاءِ وَآلَاتِ اللَّهْوِ فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ، سَمَّيْنَاهُ: " نُزْهَةَ الْأَسْمَاعِ فِي مَسْأَلَةِ السَّمَاعِ"، وَإِنَّمَا أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ هَاهُنَا إِشَارَةً لَطِيفَةً مُخْتَصَرَةً. وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ: مَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: " مَا هَذَانَ الْيَوْمَانِ؟ " قَالُوا: نَلْعَبُهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ الْأَضْحَى ". خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ .

                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                الخدمات العلمية