الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        جزء صفحة
                                                                                        كنز الدقائق ( قَوْلُهُ وَيَجِبُ السَّعْيُ وَتَرْكُ الْبَيْعِ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ لِحُصُولِ الْإِعْلَامِ بِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ بَعْدَ الزَّوَالِ إذْ الْأَذَانُ قَبْلَهُ لَيْسَ بِأَذَانٍ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ وَقِيلَ الْعِبْرَةُ لِلْأَذَانِ الثَّانِي الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ الْمِنْبَرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَّا هُوَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ لَمْ يَتَمَكَّنُ مِنْ السُّنَّةِ الْقَبْلِيَّةَ وَمِنْ الِاسْتِمَاعِ بَلْ رُبَّمَا يُخْشَى عَلَيْهِ فَوَاتُ الْجُمُعَةِ ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مُسْنَدًا إلَى السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ { كَانَ النِّدَاءُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ } فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ قَالَ الْبُخَارِيُّ الزَّوْرَاءُ مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ بِالْمَدِينَةِ ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِمَا ذَكَرْنَا بَعْضُ مَنْ نَفَى أَنَّ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةً فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ { أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إذَا رَقِيَ الْمِنْبَرَ أَخَذَ بِلَالٌ فِي الْأَذَانِ فَإِذَا أَكْمَلَهُ أَخَذَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْخُطْبَةِ } فَمَتَى كَانُوا يُصَلُّونَ السُّنَّةَ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ إذَا فَرَغَ مِنْ الْأَذَانِ قَامُوا فَرَكَعُوا فَهُوَ مِنْ أَجْهَلْ النَّاسِ وَهَذَا مَدْفُوعٌ بِأَنَّ خُرُوجَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ بِالضَّرُورَةِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ بَعْدَ مَا كَانَ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ وَيَجِبُ الْحُكْمُ بِوُقُوعِ هَذَا الْمُجَوَّزِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ عُمُومِ أَنَّهُ { كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُصَلِّي إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ أَرْبَعًا } ، وَكَذَا يَجِبُ فِي حَقِّهِمْ ; لِأَنَّهُمْ أَيْضًا يَعْلَمُونَ الزَّوَالَ كَالْمُؤَذِّنِ بَلْ رُبَّمَا يَعْلَمُونَهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِيُؤَذِّنَ ا هـ . وَالْمُرَادُ مِنْ الْبَيْعِ مَا يُشْغِلُ عَنْ السَّعْيِ إلَيْهَا حَتَّى لَوْ اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ آخَرَ سِوَى الْبَيْعِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ أَيْضًا كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَأَشَارَ بِعَطْفِ تَرْكِ الْبَيْعِ عَلَى السَّعْيِ إلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى حَالَةَ السَّعْيِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ أَيْضًا وَصَرَّحَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِعَدَمِهَا إذَا لَمْ يَشْغَلْهُ وَصَرَّحَ بِالْوُجُوبِ لِيُفِيدَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِعَمَلٍ آخَرَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ ; لِأَنَّهُ فِي رُتْبَتِهِ وَيَصِحُّ إطْلَاقُ اسْمِ الْحَرَامِ عَلَيْهِ كَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ فِيهِ نَظَرًا ; لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقْتَ الْأَذَانِ جَائِزٌ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ الصِّحَّةُ لَا الْحِلُّ وَبِهِ انْدَفَعَ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ مِنْ أَنَّ الْبَيْعَ وَقْتَ النِّدَاءِ مَكْرُوهٌ لِلْآيَةِ ، وَلَوْ فُعِلَ كَانَ جَائِزًا وَالْأَمْرُ بِالسَّعْيِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى الْحَتْمِ وَالْإِيجَابِ ا هـ . فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَحْرِيمِيَّةٌ اتِّفَاقًا ; وَلِهَذَا وَجَبَ فَسْخُهُ لَوْ وَقَعَ ، وَأَيْضًا قَوْلُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالسَّعْيِ لِلنَّدَبِ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى فَرْضِيَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ وَقَوْلُ الْأَكْمَلِ فِي شَرْحِ الْمَنَارَ إنَّ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ مَرْدُودٌ لِمَا عَلِمْت ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ وَيُفْتَرَضُ السَّعْيُ مَعَ أَنَّهُ فَرْضٌ لِلِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِهِ هَلْ هُوَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي أَوْ الْعِبْرَةُ لِدُخُولِ الْوَقْتِ فِي الْمُضْمَرَاتِ وَاَلَّذِي يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ إثْمًا وَأَثْقَلُ وِزْرًا . البحر الرائق ( قَوْلُهُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ ) قَالَ فِي الْفَتْحِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ زَادَ النِّدَاءَ الثَّانِي وَتَسْمِيَتُهُ ثَالِثًا ; لِأَنَّ الْإِقَامَةَ تُسَمَّى أَذَانًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ ( قَوْلُهُ وَصَرَّحَ فِي السِّرَاجِ بِعَدَمِهَا ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي التَّعْدِيلُ عَلَى الْأَوَّلِ ( قَوْلُهُ لِلِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِهِ ) قَالَ فِي النَّهْرِ وُقُوعُ الْخِلَافِ فِي وَقْتِهِ لَا يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِفَرْضِيَّتِهِ وَكَفَاك بِوَقْتِ الْعَصْرِ شَاهِدًا ا هـ . وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ أَصْلَ السَّعْيِ فَرْضٌ وَأَمَّا كَوْنُهُ عِنْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً وَهَذَا بِخِلَافِ وَقْتِ الْعَصْرِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ هُنَاكَ ، وَلَا يُوصَفُ الْوَقْتُ بِالْوُجُوبِ وَلَا بِالْفَرْضِ .

                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                        الخدمات العلمية