الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        جزء صفحة
                                                                                        كنز الدقائق ( قَوْلُهُ : وَلِلْجِنَازَةِ يَنْوِي الصَّلَاةَ لِلَّهِ وَالدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ ) لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَيَجِبُ تَعْيِينُهُ وَإِخْلَاصُهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْوِي الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ فَقَطْ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ حَقِيقَةً فَإِنَّ مُطْلَقَ الدُّعَاءِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ . ( قَوْلُهُ : وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ ) يَعْنِي مِنْ شُرُوطِهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ قَبِلَتْ الْمَاشِيَةُ الْوَادِي بِمَعْنَى قَابَلَتْهُ وَلَيْسَ السِّينُ فِيهِ لِلطَّلَبِ ; لِأَنَّ طَلَبَ الْمُقَابَلَةِ لَيْسَ هُوَ الشَّرْطُ بَلْ الشَّرْطُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ الْمُقَابَلَةُ فَهُوَ بِمَعْنَى فَعَلَ كَاسْتَمَرَّ وَاسْتَقَرَّ وَالْقِبْلَةُ فِي الْأَصْلِ الْحَالَةُ الَّتِي يُقَابِلُ الشَّيْءُ عَلَيْهَا غَيْرَهُ كَالْجِلْسَةِ لِلْحَالَةِ الَّتِي يَجْلِسُ عَلَيْهَا وَالْآنَ ، وَقَدْ صَارَتْ كَالْعَلَمِ لِلْجِهَةِ الَّتِي تُسْتَقْبَلُ فِي الصَّلَاةِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يُقَابِلُونَهَا فِي صَلَاتِهِمْ وَتَقَابُلُهُمْ وَهُوَ شَرْطٌ بِالْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْمَسْجِدِ هُنَا فَقِيلَ الْمَسْجِدُ الْكَبِيرُ الَّذِي فِيهِ الْكَعْبَةُ ; لِأَنَّ عَيْنَ الْكَعْبَةِ يَصْعُبُ اسْتِقْبَالُهَا لِصِغَرِهَا وَقِيلَ الْحَرَمُ كُلُّهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْحَرَمُ كَمَا فِي قَوْلِهِ { مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } وَالصَّحِيحُ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ فِي تَفْسِيرِهِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَعْبَةُ فَهِيَ الْقِبْلَةُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَحَادِيثِ وَمِنْهَا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْبَرَاءِ { صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ } وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِرَادَةِ الْكَعْبَةِ كَمَا فِي الْكَشَّافِ وَحَوَاشِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّ الْغَائِبِ هُوَ الْجِهَةُ ، وَبِالسُّنَّةِ كَثِيرٌ مِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وَفِي عُدَّةِ الْفَتَاوَى الْكَعْبَةُ إذَا رُفِعَتْ عَنْ مَكَانِهَا لِزِيَارَةِ أَصْحَابِ الْكَرَامَةِ فَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ جَازَتْ صَلَاةُ الْمُتَوَجِّهِينَ إلَى أَرْضِهَا . ( قَوْلُهُ : فَلِلْمَكِّيِّ فَرْضُهُ إصَابَةُ عَيْنِهَا ) أَيْ عَيْنِ الْقِبْلَةِ بِمَعْنَى الْكَعْبَةِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ أَطْلَقَ فِي الْمَكِّيِّ فَشَمِلَ مَنْ كَانَ بِمُعَايَنَتِهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ حَتَّى لَوْ صَلَّى مَكِّيٌّ فِي بَيْتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَتْ الْجُدْرَانُ يَقَعُ اسْتِقْبَالُهُ عَلَى شَطْرِ الْكَعْبَةِ بِخِلَافِ الْآفَاقِيِّ فَإِنَّهُ لَوْ أُزِيلَتْ الْمَوَانِعُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقَعَ اسْتِقْبَالُهُ عَلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ لَا مَحَالَةَ ، كَذَا فِي الْكَافِي وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ فِي الدِّرَايَةِ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ حَائِلٌ الْأَصَحُّ أَنَّهُ كَالْغَائِبِ وَلَوْ كَانَ الْحَائِلُ أَصْلِيًّا كَالْجَبَلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَصْعَدَهُ لِيَصِلَ إلَى الْيَقِينِ ، وَفِي التَّجْنِيسِ مَنْ كَانَ بِمُعَايَنَةِ الْكَعْبَةِ فَالشَّرْطُ إصَابَةُ عَيْنِهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِمُعَايَنَتِهَا فَالشَّرْطُ إصَابَةُ جِهَتِهَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعِنْدِي فِي جَوَازِ التَّحَرِّي مَعَ إمْكَانِ صُعُودِهِ إشْكَالٌ ; لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ وَتَرْكَ الْقَاطِعِ مَعَ إمْكَانِهِ لَا يَجُوزُ وَمَا أَقْرَبَ قَوْلَهُ فِي الْكِتَابِ وَالِاسْتِخْبَارِ فَوْقَ التَّحَرِّي فَإِذَا امْتَنَعَ الْمَصِيرُ إلَى الظَّنِّيِّ لِإِمْكَانِ ظَنِّيٍّ أَقْوَى مِنْهُ فَكَيْفَ يُتْرَكُ الْيَقِينُ مَعَ إمْكَانِهِ لِلظَّنِّ . ( قَوْلُهُ : وَلِغَيْرِهِ إصَابَةُ جِهَتِهَا ) أَيْ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ فَرْضُهُ إصَابَةُ جِهَتِهَا وَهُوَ الْجَانِبُ الَّذِي إذَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ الشَّخْصُ يَكُون مُسَامِتًا لِلْكَعْبَةِ أَوْ لِهَوَائِهَا إمَّا تَحْقِيقًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ فَرَضَ خَطًّا مَنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ عَلَى زَاوِيَةٍ قَائِمَةٍ إلَى الْأُفُقِ يَكُونُ مَارًّا عَلَى الْكَعْبَةِ أَوْ هَوَائِهَا وَإِمَّا تَقْرِيبًا بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُنْحَرِفًا عَنْ الْكَعْبَةِ أَوْ هَوَائِهَا انْحِرَافًا لَا تَزُولُ بِهِ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ بِأَنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ سَطْحِ الْوَجْهِ مُسَامِتًا لَهَا ; لِأَنَّ الْمُقَابَلَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي مَسَافَةٍ بَعْدَهُ لَا تَزُولُ بِمَا تَزُولُ بِهِ مِنْ الِانْحِرَافِ لَوْ كَانَتْ فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ وَيَتَفَاوَتُ ذَلِكَ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْبُعْدِ وَتَبْقَى الْمُسَامَتَةُ مَعَ انْتِقَالٍ مُنَاسِبٍ لِذَلِكَ الْبُعْدِ فَلَوْ فَرَضَ مَثَلًا خَطًّا مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِ الْمُسْتَقْبِلِ لِلْكَعْبَةِ عَلَى التَّحْقِيقِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَخَطٌّ آخَرَ يَقْطَعُهُ عَلَى زَاوِيَتَيْنِ قَائِمَتَيْنِ مِنْ جَانِبِ يَمِينِ الْمُسْتَقْبِلِ وَشِمَالِهِ لَا تَزُولُ تِلْكَ الْمُقَابَلَةُ بِالِانْتِقَالِ إلَى الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ عَلَى ذَلِكَ الْخَطِّ بِفَرَاسِخَ كَثِيرَةٍ وَلِهَذَا وَضَعَ الْعُلَمَاءُ قِبْلَةَ بَلَدٍ وَبَلَدَيْنِ وَبِلَادٍ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَجِهَةُ الْكَعْبَةِ تُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ وَالدَّلِيلُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى الْمَحَارِيبُ الَّتِي نَصَبَهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فَعَلَيْنَا اتِّبَاعُهُمْ فِي اسْتِقْبَالِ الْمَحَارِيبِ الْمَنْصُوبَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالسُّؤَالُ مِنْ الْأَهْلِ ، أَمَّا الْبِحَارُ وَالْمَفَاوِزُ فَدَلِيلُ الْقِبْلَةِ النُّجُومُ إلَى آخِرِهِ وَفِي الْمُبْتَغَى فِي مَعْرِفَةِ الْجِهَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا - فِي أَقْصَرِ يَوْمٍ مِنْ السَّنَةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَاجْعَلْ عَيْنَ الشَّمْسِ عِنْدَ مَطْلَعِهَا عَلَى رَأْسِ أُذُنِك الْيُسْرَى فَإِنَّك تُدْرِكُهَا . وَثَانِيهَا - فَاجْعَلْ عَيْنَ الشَّمْسِ عَلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِك الْيُسْرَى عِنْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّك تُصِيبُهَا . وَثَالِثُهَا - فَاجْعَلْ الشَّمْسَ عَلَى مُقَدِّمِ عَيْنِك الْيُمْنَى مِمَّا يَلِي الْأَنْفَ عِنْدَ صَيْرُورَةِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِهَا فَإِنَّك تُدْرِكُهَا وَرَابِعُهَا فَاجْعَلْ عَيْنَ الشَّمْسِ عَلَى مُؤَخِّرِ عَيْنِك الْيُمْنَى عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِنَّك تُدْرِكُهَا ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَبْلَ الْمِهْرَجَانِ بِشَهْرٍ فَاسْتَقْبَلَ الْعَقْرَبَ وَقْتَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْأَخِيرَةِ فَإِنَّك تُدْرِكُهَا وَإِذَا جَعَلَتْ بَنَاتَ نَعْشٍ الصُّغْرَى عَلَى أُذُنِك الْيُمْنَى وَانْحَرَفْت قَلِيلًا إلَى شِمَالِك فَإِنَّك تُدْرِكُهَا وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ الْقُطْبُ وَهُوَ نَجْمٌ صَغِيرٌ فِي بَنَاتِ نَعْشٍ الصُّغْرَى بَيْنَ الْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيِ إذَا جَعَلَهُ الْوَاقِفُ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ إنْ كَانَ بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ وَهَمْدَانَ وَقَزْوِينَ وَطَبَرِسْتَانَ وَجُرْجَانَ وَمَا وَالَاهَا إلَى نَهْرِ الشَّاشِ وَيَجْعَلُهُ مَنْ بِمِصْرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرَ وَمَنْ بِالْعِرَاقِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ فَيَكُونُ مُسْتَقْبِلًا بَابَ الْكَعْبَةِ وَبِالْيَمَنِ قُبَالَةَ الْمُسْتَقْبِلِ مِمَّا يَلِي جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ وَبِالشَّامِ وَرَاءَهُ وَفِي مَعْرِفَةِ الْجِهَةِ أَقْوَالٌ أُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا أَطْلَقَ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْجِهَةِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْكَعْبَةِ وَشَرَطَهَا الْجُرْجَانِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ إصَابَةُ الْعَيْنِ لِلْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَلَا يُمْكِنُ إصَابَةُ الْعَيْنِ لِلْبَعِيدِ إلَّا مِنْ حَيْثُ النِّيَّةُ فَانْتَقَلَ ذَلِكَ إلَيْهَا وَذَهَبَ الْعَامَّةُ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ إصَابَةِ الْعَيْنِ فَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّتُهَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّ إصَابَةَ الْجِهَةِ تَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْعَيْنِ ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ نِيَّةَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ كَانَ الْفَرْضُ إصَابَةَ الْعَيْنِ فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ أَوْ إصَابَةَ الْجِهَةِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التُّحْفَةِ وَالتَّجْنِيسِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى قَالَ فِي الْبَدَائِعِ الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَنْوِيَ الْكَعْبَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تُحَاذِيَ هَذِهِ الْجِهَةُ الْكَعْبَةَ فَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ اسْتِقْبَالَهَا شَرْطٌ مِنْ الشَّرَائِطِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ كَالْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُمْ لَوْ نَوَى بِنَاءَ الْكَعْبَةِ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَعْبَةِ الْعَرْصَةُ لَا الْبِنَاءُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْبِنَاءِ جِهَةَ الْكَعْبَةِ فَيَجُوزُ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ ، وَقَوْلُهُمْ وَلَوْ نَوَى أَنَّ قِبْلَتَهُ مِحْرَابُ مَسْجِدِهِ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ وَلَيْسَ بِقِبْلَةٍ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَقَوْلُهُمْ : لَوْ نَوَى مَقَامَ إبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَنْوِ الْكَعْبَةَ قِيلَ : لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْجِهَةَ وَقِيلَ : إنْ لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ أَتَى مَكَّةَ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا لَا يَجُوزُ وَاخْتَارَهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَ الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ الشَّارِطِ لِلنِّيَّةِ ، أَمَّا عَلَى الصَّحِيحِ فَيَجُوزُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ ثَمَرَة الْخِلَافِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا تَظْهَرُ أَيْضًا فِي الِانْحِرَافِ قَلِيلًا فَمَنْ قَالَ الْفَرْضُ التَّوَجُّهُ إلَى الْعَيْنِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَمَنْ قَالَ الْجِهَةُ صَحَّحَهَا وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ الْقِبْلَةُ هِيَ الْعَرْصَةُ لَا الْكَعْبَةُ ; لِأَنَّهَا الْبِنَاءُ وَفِي الْفَتَاوَى الِانْحِرَافُ الْمُفْسِدُ أَنْ يُجَاوِزَ الْمَشَارِقَ إلَى الْمَغَارِبِ وَفِي التَّجْنِيسِ وَإِذَا حَوَّلَ وَجْهَهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَتَفْسُدُ بِصَدْرِهِ قِيلَ هَذَا أَلْيَقُ بِقَوْلِهِمَا ، أَمَّا عِنْدَهُ فَلَا تَفْسُدُ فِي الْوَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْبَارَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى قَصْدِ الرَّفْضِ لَا تَفْسُدُ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا حَتَّى لَوْ انْصَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ عَلَى ظَنِّ الْإِتْمَامِ فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ بَنَى مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا . ا هـ . وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِعُذْرِهِ هُنَاكَ وَتَمَرُّدِهِ هُنَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ إذَا حَوَّلَ صَدْرَهُ فَسَدَتْ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْكُتُبِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمَنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ جِهَةِالْكَعْبَةِ مُتَعَمِّدًا لَا يَكْفُرُ هُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ تَرْكَ جِهَةِ الْكَعْبَةِ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ لِعَدَمِ الْجَوَازِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ بِحَالٍ وَاخْتَارَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُكْمَ الْفَرْضِ لُزُومُ الْكُفْرِ بِجَحْدِهِ لَا بِتَرْكِهِ ، وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْكُفْرِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ عَمْدًا لِلُزُومِ الِاسْتِهْزَاءِ بِهِ وَالِاسْتِخْفَافِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَسَائِلِ إذْ لَا أَثَرَ لِعَدَمِ الْجَوَازِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْوَالِ بَلْ الْمُوجِبُ لِلْإِكْفَارِ هُوَ الِاسْتِهَانَةُ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْكُلِّ وَإِلَّا فَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْكُلِّ وَأَلْحَقَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ كَالصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ بَعْضَ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ يَقُولُ بِأَنَّ إزَالَتَهَا سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ وَلَا يَكْفُرُ بِجَحْدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَكَيْفَ يَتْرُكُهُ مِنْ غَيْرِ جَحْدٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَاضِي خان فِي فَتَاوِيهِ وَحُكِيَ فِي الذَّخِيرَةِ الِاخْتِلَافُ فِيمَا إذَا صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ، ثُمَّ قَالَ وَلَوْ اُبْتُلِيَ إنْسَانٌ بِذَلِكَ لِضَرُورَةٍ بِأَنْ كَانَ مَعَ قَوْمٍ فَأَحْدَثَ وَاسْتَحْيَا أَنْ يَظْهَرَ فَكَتَمَ ذَلِكَ وَصَلَّى هَكَذَا أَوْ كَانَ بِقُرْبِ الْعَدُوِّ فَقَامَ يُصَلِّي وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا لَا يَكُونُ كَافِرًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَهْزِئٍ وَمَنْ اُبْتُلِيَ بِذَلِكَ لِضَرُورَةٍ أَوْ لِحَيَاءٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْصِدَ بِالْقِيَامِ قِيَامَ الصَّلَاةِ وَلَا يَقْرَأَ شَيْئًا وَإِذَا حَنَى ظَهْرَهُ لَا يَقْصِدُ الرُّكُوعَ وَلَا يُسَبِّحُ حَتَّى لَا يَصِيرَ كَافِرًا بِالْإِجْمَاعِ . البحر الرائق ( قَوْلُهُ : وَبِالسُّنَّةِ ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْكِتَابِ . ( قَوْلُهُ : إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ إلَخْ ) وَتَمَامُ حَدِيثِهِ مَا ذُكِرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِإِسْنَادِهِ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ { رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْك السَّلَامُ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ فَصَلَّى كَمَا صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ وَعَلَيْك السَّلَامُ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ الرَّجُلُ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا فَعَلِّمْنِي قَالَ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا } اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى فَرْضِيَّةِ مَا ذُكِرَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُفْعَلُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجِهَا وَعَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ مَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ فِي الصَّلَاةِ ، أَمَّا فَرْضِيَّةُ مَا ذُكِرَ فِيهِ فَلِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ ، وَأَمَّا عَدَمُ فَرْضِيَّةِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ فِي الصَّلَاةِ فَلِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَعْلِيمِ الصَّلَاةِ وَتَعْرِيفِ أَرْكَانِهَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْحِصَارَ الْفَرَائِضِ فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْوُضُوءِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالتَّكْبِيرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِمَا تَيَسَّرَ وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَالسَّجْدَةِ الْأُولَى وَالرَّفْعِ مِنْهَا وَالثَّانِيَةِ وَالرَّفْعِ مِنْهَا فَيَدُلُّ الْأَمْرُ عَلَى وُجُوبِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَقَوْلُهُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا وَحَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا وَحَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَحَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ فِيهَا هَذَا مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ فَمِنْهُ مَا اسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ وَمِنْهُ مَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّشَهُّدِ لِذَلِكَ وَمِنْهُ مَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ السَّلَامِ لِذَلِكَ وَقَدْ كَثُرَ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ فِيهِ طَرْدًا وَعَكْسًا وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ رَدًّا لِاسْتِدْلَالِهِمْ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ لَا يُفِيدُ فَرْضِيَّةَ شَيْءٍ أَصْلًا أَقُولُ : الِاسْتِدْلَال مِنْهُمْ صَحِيحٌ ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فَظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُمَا يَرَيَانِ إثْبَاتَ الْفَرْضِ بِخَبَرٍ الْوَاحِدِ ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا فَكَذَلِكَ ; لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَعْنِي بِهِ الِاسْتِدْلَالَ بِنَفْسِ مَفْهُومِ النَّصِّ الْغَيْرِ الْقَطْعِيِّ عَلَى إثْبَاتِ فَرْضِيَّةِ شَيْءٍ إذَا كَانَ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ قَطْعِيًّا شَائِعٌ كَثِيرٌ فِيمَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَقِلًّا فِي إثْبَاتِهِ لِعَدَمِ قَطْعِيَّةِ ثُبُوتِهِ وَيَقْصِدُونَ بِذَلِكَ تَأْكِيدَ مَضْمُونِ الْقَطْعِيِّ بِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ فِي كُتُبِهِمْ لِإِثْبَاتِ فَرْضِيَّةِ شَيْءٍ أَنَّهُ فَرْضٌ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ وَمَقْصُودُهُمْ مِنْ إيرَادِ الْعَقْلِ تَقْوِيَةُ مَضْمُونِ النَّصِّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ مُسْتَقِلًّا لِإِثْبَاتِ الْفَرْضِ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ فَوْقَ الْقِيَاسِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَبِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى أَنْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى فَرْضِيَّةِ شَيْءٍ تَقْوِيَةً لِلنَّصِّ الْقَطْعِيِّ ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَانْظُرْ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَهْمَا تَجِدُهُ مِنْ مَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَعَ مُوَافِقًا لِلدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ فَقُلْ بِفَرْضِيَّتِهِ وَمَا لَمْ تَجِدْهُ مُوَافِقًا لِذَلِكَ لَا تَقُلْ بِفَرْضِيَّتِهِ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَالْأَمْرُ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَعَ مُوَافِقًا لِلنَّصِّ الْقَطْعِيِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } { وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } وَ { ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } فَتَكُونُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فَرْضًا وَالْأَمْرُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لِتَرْكِ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِلنَّصِّ الْقَطْعِيِّ بَلْ وَقَعَ مُخَالِفًا لِإِطْلَاقِهِ فَلَا يَكُونُ تَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ فَرْضًا بَيَانُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالرُّكُوعِ وَهُوَ انْحِنَاءُ الظَّهْرِ وَبِالسُّجُودِ وَهُوَ الِانْخِفَاضُ لُغَةً فَتَتَعَلَّقُ الرُّكْنِيَّةُ بِالْأَدْنَى فِيهِمَا ; لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي الدَّوَامَ وَيَتَعَلَّقُ الْكَمَالُ بِالسُّنِّيَّةِ لِئَلَّا يَلْزَمَ نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إذْ الزِّيَادَةُ نَسْخٌ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ . ا هـ . كَلَامُ الْقَرْمَانِيِّ . ( قَوْلُهُ : الْكَعْبَةُ إذَا رُفِعَتْ عَنْ مَكَانِهَا إلَخْ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ الْعَتَّابِيَّةِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ فَيَرُدُّ بِهِ عَلَى مَنْ نَسَبَ إمَامَنَا إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِهَا . ( قَوْلُهُ : يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ بِحَيْثُ إلَخْ ) أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ وُجُوبًا بِحَيْثُ أَوْ التَّقْدِيرُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ ( قَوْلُهُ : وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ إلَخْ ) هُوَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْإِفْصَاحِ كَمَا فِي الْحِلْيَةِ . ( قَوْلُهُ : وَفِي الْفَتَاوَى الِانْحِرَافُ الْمُفْسِدُ أَنْ يُجَاوِزَ ) الْمَشَارِقَ إلَى الْمَغَارِبِ كَذَا نَقَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الِانْحِرَافَ إذَا لَمْ يُوَصِّلْهُ إلَى هَذَا الْقَدْرِ لَا يُفْسِدُ وَعِبَارَةُ التَّجْنِيسِ الَّتِي نَقَلَهَا الْمُؤَلِّفُ بَعْدَهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمُفْسِدَ انْحِرَافَ الصَّدْرِ فَيَصْدُقُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ أَيْ بِأَنْ يَنْحَرِفَ بِصَدْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَى اسْتِقْبَالِ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي عَنْ أَمَالِي الْفَتَاوَى وَنَصُّهُ وَذُكِرَ فِي أَمَالِي الْفَتَاوَى حَدُّ الْقِبْلَةِ فِي بِلَادِنَا يَعْنِي سَمَرْقَنْدَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبَيْنِ مَغْرِبَ الشِّتَاءِ وَمَغْرِبَ الصَّيْفِ ، فَإِنْ صَلَّى إلَى جِهَةٍ خَرَجَتْ مِنْ الْمَغْرِبَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ . ا هـ . قَالَ شَارِحُهَا ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَذَكَرَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي الْمُلْتَقَطِ مَعَ زِيَادَةٍ وَهِيَ وَقَالَ أَبُو مَنْصُورٍ يَنْظُرُ إلَى أَقْصَرِ يَوْمٍ فِي الشِّتَاءِ وَإِلَى أَطْوَلِ يَوْمٍ فِي الصَّيْفِ فَيَعْرِفُ مَغْرِبَيْهِمَا ثُمَّ يَتْرُكُ الثُّلُثَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَالثُّلُثَ عَنْ يَسَارِهِ وَيُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَهَذَا اسْتِحْبَابٌ وَالْأَوَّلُ لِلْجَوَازِ . ا هـ . وَمَشَى عَلَى الْأَوَّلِ الرُّسْتُغْفَنِيُّ وَجَعَلَ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو مَنْصُورٍ هُوَ الْمُخْتَارُ . ا هـ . ( قَوْلُهُ : وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يُفَرِّقَ إلَخْ ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ الْكَبِيرِ قَالَ الْفَقِيرُ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ

                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                        الخدمات العلمية