الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        جزء صفحة
                                                                                        كنز الدقائق

                                                                                        ( قوله : ومن جمع بين حر [ ص: 98 ] وعبد أو بين شاة ذكية وميتة  بطل البيع فيهما ، وإن جمع بين عبد ومدبر أو بين عبده ، وعبد غيره أو بين ملك ووقف صح في القن وعبده والملك ) أما الأول فهو قول أبي حنيفة ، وقالا يصح إن سمى لكل واحد ثمنا ، وأفسد البيع زفر في الكل فالأصل عنده أنه إذا جمع بين حل ، وحرام فإنه يفسد في الكل فصل أو لا ، وقاس الثاني على الأول إذ محلية البيع منتفية بالإضافة إلى الكل ، ولهما أن الفساد بقدر المفسد فلا يتعدى إلى القن كمن جمع بين أجنبية وأخته في النكاح بخلاف ما إذا لم يسم ثمن كل واحد منهما للجهالة ولأبي حنيفة ، وهو الفرق بين الفصلين أن الحر لا يدخل تحت العقد أصلا لأنه ليس بمال ، والبيع صفقة واحدة فكان القبول في الحر شرطا للبيع في العبد ، وهذا شرط فاسد بخلاف النكاح لأنه لا يبطل بالشروط الفاسدة أما البيع في هؤلاء فموقوف ، وقد دخلوا تحت العقد لقيام المالية ، ولذا ينعقد في عبد الغير بإجازته ، وفي المكاتب برضاه في الأصح ، وفي المدبر بقضاء القاضي .

                                                                                        وكذا في أم الولد عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا أن المالك باستحقاقه المبيع ، وهؤلاء باستحقاقهم أنفسهم ردوا البيع فكان هذا إشارة إلى البقاء كما إذا اشترى عبدين ، وهلك أحدهما قبل القبض ، وهذا لا يكون شرط القبول في غير المبيع ، ولا بيعا بالحصة ابتداء ، ولهذا لا يشترط بيان ثمن كل واحد فيه ، ومتروك التسمية عمدا كالميتة ، وأم الولد ، والمكاتب كالمدبر ، وفيما إذا جمع بين ملك ووقف روايتان ، وما ذكره المؤلف هو الصحيح لأن الوقف مال ، ولهذا ينتفع به انتفاع الأموال غير أنه لا يباع لأجل حق تعلق به ، وذلك لا يوجب فساد العقد فيما ضم إليه كالمدبر لكن أراد بالوقف ما ليس بمسجد فإن المسجد لو ضم إلى الملك فإنه يبطل فيهما لأن المسجد كالحر كذا ذكره الشارح ، وقيده في التجنيس بالعامر لأن المسجد الخراب لو ضم إلى الملك لم يبطل في الملك لجواز بيع المسجد إذا خرب في أحد القولين فصار مجتهدا فيه كالمدبر ، ولا يشكل ما في المحيط من أنه لو باع قرية ، ولم يستثن ما فيها من المساجد والمقابر فالأصح الصحة في الملك لأن ما فيها من المساجد والمقابر مستثنى عادة .

                                                                                        ثم اعلم أنه قد وقعت حادثة في القسطنطينية هي جمع بين وقف ، وملك ، وباعهما صفقة واحدة فأفتى مفتيها بعدم الصحة في الملك كالوقف فاعترض عليه بأنه مخالف للأصح فأجاب بأنه محمول على ، وقف لم يحكم بصحته ولزومه ليكون كالمدبر مجتهدا فيه أما ما قضى القاضي به فهو كالحر للزومه إجماعا فيسري الفساد إلى الملك ، ولكن يرد عليه ما صرح به قاضي خان في فتاواه أن الوقف بعد القضاء تسمع دعوى الملك فيه ، وليس هو كالحر بدليل أنه لو ضم إلى ملك لا يفسد البيع في الملك ، وهكذا في الظهيرية ، وهذا لا يمكن تأويله فوجب الرجوع إلى الحق ، وهو إطلاق الوقف لأنه بعد القضاء ، وإن صار لازما بالإجماع لكنه يقبل البيع بعد لزوم الوقف إما بشرط الاستبدال ، وهو صحيح على قول أبي يوسف المفتى به أو بضعف علته كما هو قولهما أو بورود غصب عليه ، ولا يمكن انتزاعه فللناظر [ ص: 99 ] بيعه كما في فتاوى قاضي خان أو بقضاء قاض حنبلي ببيعه فإن عنده بيع الوقوف يجوز ، ويشتري ببدله ما هو خير منه كما في معراج الدراية فكيف يجعل الوقف كالحر مع وجود هذه الأسباب المجوزة لبيعه ، والله الموفق للصواب ، وإليه المرجع والمآب

                                                                                        التالي السابق



                                                                                        الخدمات العلمية