الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        جزء صفحة
                                                                                        كنز الدقائق ( قَوْلُهُ : وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ ) أَيْ أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ ، أَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى كَوْنِهَا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ وَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ الْإِضْمَارِ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الدَّمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَالتَّقْدِيرُ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَيْضِ ، وَأَمَّا النَّصْبُ فَعَلَى الظَّرْفِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ مُمْتَدًّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِحَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ سَاعَةً حَتَّى يَكُونَ حَيْضًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا نَادِرًا بَلْ انْقِطَاعُ الدَّمِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ فَصَاعِدًا غَيْرُ مُبْطِلٍ لِلْحَيْضِ ، كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَالْمُرَادُ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّتِهِ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا وَأَكْثَرُهَا قَدْرُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَافِي ، وَإِنَّمَا حَذَفَهُ هُنَا ; لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَيَّامِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ يَتَنَاوَلُ مِثْلَهَا مِنْ اللَّيَالِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا } وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ { ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } وَالْقَصَّةُ وَاحِدَةٌ وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ حَتَّى لَوْ رَأَتْ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ السَّبْتِ وَانْقَطَعَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لَا يَكُونُ حَيْضًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرِ الثَّالِثِ وَهُوَ سَبْعٌ وَسِتُّونَ سَاعَةً عَلَى مَا فِي الْعِنَايَةِ عَنْ النَّوَادِرِ . الثَّانِيَةُ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيْلَتَيْنِ عَلَى مَا فِي التَّجْنِيسِ وَفِي غَيْرِهِ أَنَّهُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَفِي الْبَدَائِعِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ ضَعِيفَةٌ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَدَدِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَصَ عَنْهُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا { لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْش دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَامْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَلَنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ } هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَخَرَّجَهُ الزَّيْلَعِيُّ الْمُخَرَّجُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَوَائِلَةَ وَمُعَاذٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَائِشَةَ بِطُرُقٍ ضَعِيفَةٍ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَعْدَ سَرْدِهَا فَهَذِهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَعَدِّدَةِ الطُّرُقِ وَذَلِكَ يَرْفَعُ الضَّعِيفَ إلَى الْحَسَنِ ، وَالْمُقَدَّرَاتُ الشَّرْعِيَّةُ مِمَّا لَا تُدْرَكُ بِالرَّأْيِ فَالْمَوْقُوفُ فِيهَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ بَلْ تَسْكُنُ النَّفْسُ بِكَثْرَةِ مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إلَى أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِمَّا أَجَادَ فِيهِ ذَلِكَ الرَّاوِي الضَّعِيفُ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ أَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ نَعْلَمْ فِيهِ حَدِيثًا حَسَنًا وَلَا ضَعِيفًا وَإِنَّمَا تَمَسَّكُوا فِيهِ بِمَا رَوَوْهُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ فِي صِفَةِ النِّسَاءِ { تَمْكُثُ إحْدَاكُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لَا تُصَلِّي } وَهُوَ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ هَذَا حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ . ا هـ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ { تَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي } ا هـ . وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِلْمَذْهَبِ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ { إذْ سَأَلَتْ عَنْ الْمَرْأَةِ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ فَلْتَتْرُكْ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الشَّهْرِ ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي } فَأَجَابَهَا بِذِكْرِ عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهَا عَنْ مِقْدَارِ حَيْضِهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَيَّامُ عَشَرَةٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ . ا هـ . وَأَمَّا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَقَلِّهِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَوْجُودَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ جَازَ وُجُودُهَا فِيمَا دُونَهُ فَلِمَ لَمْ يَجْعَلْهُ حَيْضًا . ( قَوْلُهُ : فَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ زَادَ اسْتِحَاضَةٌ ) أَيْ مَا نَقَصَ مِنْ الْأَقَلِّ أَوْ زَادَ عَلَى الْأَكْثَرِ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ; لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ إمَّا أَنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ اسْتِحَاضَةٍ فَانْتَفَى الْأَوَّلَانِ فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ وَلِأَنَّ تَقْدِيرَ الشَّرْعِ يَمْنَعُ إلْحَاقَ غَيْرِهِ بِهِ ( قَوْلُهُ : وَمَا سِوَى الْبَيَاضِ الْخَالِصِ حَيْضٌ ) .

                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                        الخدمات العلمية