الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        جزء صفحة
                                                                                        كنز الدقائق ( قَوْلُهُ : أَوْ بَرْدٌ ) أَيْ إنْ خَافَ الْجُنُبُ أَوْ الْمُحْدِثُ إنْ اغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ أَنْ يَقْتُلَهُ الْبَرْدُ أَوْ يُمْرِضَهُ تَيَمَّمَ سَوَاءٌ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوْ فِيهِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَتَيَمَّمُ فِيهِ كَذَا فِي الْكَافِي وَجَوَازُهُ لِلْمُحْدِثِ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ : وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْخَوْفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ وَهْمٍ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْوُضُوءِ عَادَةً ا هـ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ جَوَازَهُ لِلْجُنُبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى تَسْخِينِ الْمَاءِ وَلَا عَلَى أُجْرَةِ الْحَمَّامِ فِي الْمِصْرِ وَلَا يَجِدُ ثَوْبًا يَتَدَفَّأُ فِيهِ ، وَلَا مَكَانًا يَأْوِيهِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ ، فَصَارَ الْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ إجْمَاعًا وَقَالَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْبَرْدِ فِي الْمِصْرِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْخِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ نَشَأَ عَنْ اخْتِلَافِ زَمَانٍ لَا بُرْهَانَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَجْرَ الْحَمَّامِ فِي زَمَانِهِمَا يُؤْخَذُ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الثَّمَنِ دَخَلَ ثُمَّ تَعَلَّلَ بِالْعُسْرَةِ ، وَفِي زَمَانِهِ قَبْلَهُ فَيُعْذَرُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ بُرْهَانِيًّا بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِغَيْرِ الْوَاجِدِ قَبْلَ الطَّلَبِ مِنْ رَفِيقِهِ إذَا كَانَ لَهُ رَفِيقٌ فَعَلَى هَذَا يُقَيِّدُ مَنْعُهُمَا بِأَنْ يَتْرُكَ طَلَبَ الْمَاءِ الْحَارِّ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِصْرِ أَمَّا إذَا طَلَبَ فَمُنِعَ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا وَالظَّاهِرُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ إلَّا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ أَوْ الشِّرَاءِ وَعِنْدَ انْتِفَاءِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ ; وَلِهَذَا لَمْ يُفَصِّلْ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ثَمَنُ الْمَاءِ بَيْنَ إمْكَانِ أَخْذِهِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ بِالْحِيلَةِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَا بَلْ أَطْلَقُوا جَوَازَ التَّيَمُّمِ إذْ ذَاكَ فَمَا أَطْلَقَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَجْرَ الْحَمَّامِ يُؤْخَذُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَيَتَعَلَّلُ بِالْعُسْرَةِ بَعْدَهُ فِيهِ نَظَرٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا شَكَّ فِي هَذَا فِيمَا يَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ لَمْ يَأْذَنْ الشَّرْعُ فِيهِ ، وَمَنْ ادَّعَى إبَاحَتَهُ فَضْلًا عَنْ تَعْيِينِهِ ، فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُرَادَ الْمُحَقِّقِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ قَوْلِهِ لَيْسَ مَعَهُ مَالٌ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ غَائِبٌ أَيْضًا فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ بِالنَّسِيئَةِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَالٌ ، وَلَهُ مَالٌ غَائِبٌ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ بِالنَّسِيئَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ شَارِحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي تِلْمِيذُ الْمُحَقِّقِ وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَجِيرٌ لَا يَجِدُ الْمَاءَ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَجِدُهُ فِي نِصْفِ مِيلٍ لَا يُعْذَرُ فِي التَّيَمُّمِ ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُسْتَأْجِرُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي ثُمَّ يُعِيدُ وَلَوْ صَلَّى صَلَاةً أُخْرَى ، وَهُوَ يَذْكُرُ هَذِهِ تَفْسُدُ ا هـ . البحر الرائق ( قَوْلُهُ : تَيَمَّمَ سَوَاءٌ كَانَ إلَخْ ) لِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رُوِيَ عَنْ { رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَلَمَّا رَجَعُوا شَكَوْا مِنْهُ أَشْيَاءَ مِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُمْ قَالُوا صَلَّى بِنَا ، وَهُوَ جُنُبٌ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْنَبْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَخِفْتُ عَلَى نَفْسِي الْهَلَاكَ لَوْ اغْتَسَلْتُ فَذَكَرْتُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } فَتَيَمَّمْتُ وَصَلَّيْتُ بِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ أَلَا تَرَوْنَ صَاحِبَكُمْ كَيْفَ نَظَرَ لِنَفْسِهِ وَلَكُمْ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ } وَلَمْ يَسْتَفْسِرْ أَنَّهُ كَانَ فِي مَفَازَةٍ أَوْ مِصْرٍ وَعَلَّلَ بِعِلَّةٍ عَامَّةٍ ، وَهُوَ خَوْفُ الْهَلَاكِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَصْوَبَ رَأْيَهُ وَالْحُكْمُ يَتَعَمَّمُ بِعُمُومِ الْعِلَّةِ ا هـ حِلْيَةٌ . ( قَوْلُهُ : وَجَوَازُهُ لِلْمُحْدِثِ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ جَوَازُ التَّيَمُّمِ عِنْدَ خَوْفِ الْبَرْدِ لَهُ قَوْلُهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارَهُ فِي الْأَسْرَارِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ : يُشْكِلُ عَلَى تَصْحِيحِ عَدَمِ الْجَوَازِ مَسْأَلَةُ الْمَسْحِ الْآتِيَةِ فِي بَابِهِ ، وَهِيَ جَوَازُ التَّيَمُّمِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ إذَا خَافَ سُقُوطَ رِجْلِهِ مِنْ الْبَرْدِ كَمَا حَقَّقَهُ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ وَاخْتَارَهُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَلَيْسَ هُوَ إلَّا تَيَمُّمُ الْمُحْدِثِ لِخَوْفِهِ عَلَى عُضْوِهِ فَحِينَئِذٍ يُتَّجَهُ اخْتِيَارُ قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَقَدْ ظَهَرَ بِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ يَجُوزُ اتِّفَاقًا وَذَلِكَ ; لِأَنَّ مِثْلَهُ مَدْفُوعٌ عَنَّا بِالنَّصِّ الشَّرِيفِ تَأَمَّلْ ا هـ . وَلَكِنْ سَيَأْتِي مِنْهُ فِي مَحَلِّهِ تَضْعِيفُ هَذَا التَّصْحِيحِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ وَأَنَّ ظَاهِرَ الْمُتُونِ أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ خَوْفِ سُقُوطِ رِجْلِهِ مِنْ الْبَرْدِ هُوَ الْمَسْحُ لَا التَّيَمُّمُ وَسَتَطَّلِعُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَأْيِيدِنَا لَهُ بِالنُّقُولِ الصَّرِيحَةِ .

                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                        الخدمات العلمية