الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        جزء صفحة
                                                                                        كنز الدقائق ( قَوْلُهُ وَبَيْنَ امْرَأَتَيْنِ ، أَيَّةٌ فُرِضَتْ ذَكَرًا حَرُمَ النِّكَاحُ ) أَيْ حَرُمَ الْجَمْعُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ إذَا كَانَتَا بِحَيْثُ لَوْ قُدِّرَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا حَرُمَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا أَيَّتَهُمَا كَانَتْ الْمُقَدَّرَةُ ذَكَرًا كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ { لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا وَلَا عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا وَلَا عَلَى ابْنَةِ أُخْتِهَا } ، وَهَذَا مَشْهُورٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ مَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ بِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ { فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ } . وَلِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى قَرَابَتِهَا مَخَافَةَ الْقَطِيعَةِ } فَأَوْجَبَ تَعَدِّيَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ إلَى كُلِّ قَرَابَةٍ يُفْرَضُ وَصْلُهَا وَهُوَ مَا تَضَمَّنَهُ الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ فَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ حُرْمَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ عَمَّتَيْنِ وَخَالَتَيْنِ وَذَلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ كُلٌّ مِنْ الرَّجُلَيْنِ أُمَّ الْآخَرِ فَيُولَدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِنْتٌ فَتَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْبِنْتَيْنِ عَمَّةً لِلْأُخْرَى أَوْ يَتَزَوَّجَ كُلٌّ مِنْ رَجُلَيْنِ بِنْتَ الْآخَرِ وَيُولَدُ لَهُمَا بِنْتَانِ فَكُلٌّ مِنْ الْبِنْتَيْنِ خَالَةٌ لِلْأُخْرَى ، وَبِمَا قُرِّرَ عُلِمَ أَنَّ الْعِلَّةَ خَوْفُ الْقَطِيعَةِ وَظَهَرَ بِهِ ضَعْفُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَ ذَلِكَ إذْ لَا قَرَابَةَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ رَضَاعًا . وَجَوَابُهُ أَنَّ حُرْمَةَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلْحَدِيثِ { يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ } وَالْمُرَادُ بِالْحُرْمَةِ فِي قَوْلِهِ حُرِّمَ النِّكَاحُ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ أَمَّا الْمُؤَقَّتَةُ فَلَا تُمْنَعُ ، وَلِذَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ سَيِّدَتَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا فِي الْجَامِعِ وَالزِّيَادَاتِ ; لِأَنَّهَا حُرْمَةٌ مُوَقَّتَةٌ بِزَوَالِ مِلْكِ الْيَمِينِ ، وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ تَزَوُّجُ السَّيِّدَةِ عَلَيْهَا نَظَرًا إلَى مُطْلَقِ الْحُرْمَةِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ أَيَّةٌ فُرِضَتْ ; لِأَنَّهُ لَوْ جَاوَزَ نِكَاحَ إحْدَاهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ مِثْلِ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ زَوْجِهَا أَوْ امْرَأَةِ ابْنِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ، وَقَدْ جَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْنَ زَوْجَةِ عَلِيٍّ وَبِنْتِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَتْ بِنْتُ الزَّوْجِ ذَكَرًا بِأَنْ كَانَ ابْنَ الزَّوْجِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا ; لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةُ أَبِيهِ وَلَوْ فُرِضَتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرًا لَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ الزَّوْجِ ; لِأَنَّهَا بِنْتُ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَامْرَأَةِ ابْنِهَا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ فُرِضَتْ ذَكَرًا لَحَرُمَ عَلَيْهِ التَّزَوُّجُ بِامْرَأَةِ ابْنِهِ وَلَوْ فُرِضَتْ امْرَأَةُ الِابْنِ ذَكَرًا لَجَازَ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالْمَرْأَةِ ; لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا قَالُوا : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً وَيَتَزَوَّجَ ابْنُهُ أُمَّهَا أَوْ بِنْتَهَا ; لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ ، وَقَدْ تَزَوَّجَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ امْرَأَةً وَزَوَّجَ ابْنَهُ بِنْتَهَا . البحر الرائق ( قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِالْحُرْمَةِ إلَخْ ) اعْتِرَاضٌ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى قَيْدِ التَّأْبِيدِ لِإِغْنَاءِ قَوْلِهِ أَيَّةٌ فُرِضَتْ ذَكَرًا حَرُمَ النِّكَاحُ فَإِنَّ السَّيِّدَةَ لَوْ فُرِضَتْ ذَكَرًا جَازَ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءُ أَوْ مَا يَشْمَلُهُ وَيَشْمَلُ الْعَقْدَ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي النَّهْرِ وَأَخْرَجَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ أَيَّةٌ فُرِضَتْ ، نَعَمْ لَوْ أُرِيدَ بِالنِّكَاحِ الْعَقْدُ اُحْتِيجَ إلَيْهِ إذْ يَحْرُمُ إيرَادُ الْعَقْدِ حِينَئِذٍ عَلَيْهِمَا ، وَأَمَّا مَا يَأْتِي مِنْ اسْتِحْسَانِ إيرَادِ الْعَقْدِ مِنْ السَّيِّدِ عَلَى الْأَمَةِ فَذَاكَ لِلِاحْتِيَاطِ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ ذِكْرَ التَّأْبِيدِ وَإِخْرَاجِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ أَيَّةٌ فُرِضَتْ كَمَا فِي فَعَلَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ الْوَاجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا ( قَوْلُهُ نَظَرًا إلَى مُطْلَقِ الْحُرْمَةِ ) قَالَ فِي النَّهْرِ : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَهُ الْتِفَاتٌ إلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ كَافِيَةٌ كَمَا قَالَ زُفَرُ فَحَرُمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ زَوْجِهَا لَا بِالنَّظَرِ إلَى التَّأْبِيدِ وَعَدَمِهِ .

                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                        الخدمات العلمية